كان الطريق نحو "تلة الأصوات" وعراً، ليس بالمعنى المادي، بل بالمعنى الشعوري. كل خطوة يخطوها يحيى بعيداً عن "نهر النسيان" كانت تجعل هالتة الزرقاء تتوهج بانتفاضات قلقة، كأن جسده في المستشفى يصارع للبقاء. أما سلمى، فكانت تمشي بخفة تعودت عليها طوال عشر سنوات، هالتها البنفسجية تنساب خلفها كذيل طاووس رقيق، تمنح المكان حزناً نبيلاً.
"لماذا تأخذينني إلى هناك؟" سأل يحيى، وصوته يرتجف. "أريد فقط أن أستيقظ. أريد أن أسمع صوت صفارة الحكم، أريد أن أشعر ببرودة الماء في المسبح مرة أخرى."
التفتت إليه سلمى، ونظرت في عينيه اللتين كانتا تعكسان لون السماء قبل العاصفة. "الاستيقاظ ليس قراراً نتخذه هنا يا يحيى. الاستيقاظ هو صلاة يرفعها من يحبوننا في الأسفل، وقوة نتمسك بها نحن هنا. تلة الأصوات هي المكان الوحيد الذي سيخبرك لماذا يجب أن تقاتل."
عندما وصلا إلى قمة التلة، تغير الجو تماماً. لم تكن هناك أشجار، بل كانت الأرض مغطاة بأعشاب فضية تهتز دون ريح. وفوق التلة، كانت ترتفع فقاعات شفافة تشبه الزبد، كل فقاعة منها تحمل صوتاً قادماً من عالم الواقع.
"اقترب من إحداها،" همست سلمى. "ابحث عن الفقاعة التي تنبض بلون هالتك."
تردد يحيى، ثم مد يده المرتجفة نحو فقاعة زرقاء ساطعة كانت تحوم بالقرب من أذنه. بمجرد أن لمسها، انفجرت الفقاعة بهدوء، وانتشر صوت في أرجاء المكان.. صوت امرأة شابة، يرتجف بالدموع لكنه يحاول التظاهر بالقوة.
"يحيى.. أنا هنا. الطبيب يقول إن نبضك مستقر اليوم. سأقرأ لك الفصل الثالث من كتابك المفضل، أتذكر؟ اليوم الذي قرر فيه البطل أن يواجه خوفه. أنا بانتظارك، لا تتركني في منتصف الطريق."
تصلب جسد يحيى. جثا على ركبتيه فوق العشب الفضي، وهالتة الزرقاء بدأت تنكمش وتتمدد بعنف. "هذه.. هذه سارة. خطيبتي. كانت من المفترض أن نختار أثاث بيتنا غداً."
انهمرت الدموع من عينيه، ولم تكن دموعاً عادية، بل كانت قطرات من الضوء الأزرق تسقط على الأرض وتتحول إلى زهور صغيرة تختفي بسرعة. انهار يحيى تماماً، غطى وجهه بيديه وأخذ يشهق بنحيب يمزق سكون العالم.
اقتربت منه سلمى، وجلست بجانبه بهدوء. لم تلمسه، ففي هذا العالم، تلامس الهالات قد يكون مؤلماً إذا كانت المشاعر مضطربة. قالت له بنبرة مليئة بالشفقة: "الأزرق ليس لون الحزن يا يحيى، إنه لون السماء التي ننتظر أن تشرق فيها شمسك من جديد. سارة لا تقرأ لنفسها، هي تغزل لك جسراً من الكلمات لتسير عليه وتعود إليها. هذا الانتظار.. هذا الألم الذي تشعر به الآن.. هو الدليل الوحيد على أنك ما زلت حياً."
نظر إليها يحيى من بين دموعه. "وكيف تتحملين أنتِ؟ عشر سنوات يا سلمى! ألا تملين من سماع الأصوات؟"
خفضت سلمى رأسها، ونظرت إلى هالتها البنفسجية التي بدأت تندمج مع لون الغسق. "في البداية، كنت أصرخ عند كل فقاعة تظهر. كنت أبحث عن صوت أمي. لكن مع الوقت، تعلمت أن الصمت هنا هو أصدق أنواع الكلام. تعلمت أنني لست وحيدة، فكل ورقة في الشجرة الكبيرة هي قصة شخص مثلك ومثلي."
في تلك اللحظة، لمعت فقاعة بيضاء ساطعة من بعيد، كانت تتجه نحو سلمى. لكنها قبل أن تصل، ظهرت العجوز خديجة فجأة، وبحركة سريعة من مغزلها، أبعدت الفقاعة.
"ليس الآن يا سلمى،" قالت خديجة بصرامة يشوبها حزن مكتوم. "خيوطكِ لم تكتمل بعد."
"لماذا تمنعينني دائماً؟" صرخت سلمى بمرارة. "أريد أن أسمع صوتها! أريد أن أعرف أين هي!"
لم ترد خديجة، بل تلاشت في العدم كما ظهرت، تاركةً خلفها رائحة بخور قديم.
شعر يحيى بشيء من القوة يعود إليه. وقف ومسح دموعه، ثم نظر إلى سلمى وقال: "شكراً لأنكِ منعتِني من القفز. سأحاول.. سأحاول من أجل سارة. ومن أجلكِ أيضاً. سأكون رفيقكِ في هذا العالم حتى نجد طريق الخروج معاً."
ابتسمت سلمى لأول مرة، وكانت ابتسامتها تضيء البنفسج حولها. "إذاً، لنذهب. هناك شخص يجب أن تقابله. يسكن في غابة الذكريات الضائعة، وهو الوحيد الذي يمكنه أن يرينا ملامحنا التي بدأنا ننساها.. إنه الرسام كاي."
وبينما كانا يغادران التلة، في عالم الواقع، في غرفة العناية المركزة، مالت يد يحيى قليلاً لتلمس يد سارة التي كانت ممسكة بالكتاب، وارتسمت على وجه سلمى -النائمة في غرفتها البعيدة- نصف ابتسامة حالمة حيرت الأطباء.
💛🧡Esraa💛🧡