طيور الامل

طيور الامل

16 0

مر أسبوع على استيقاظ سلمى. كان جسدها كآلة صدئة تحاول العودة للعمل؛ عضلاتها ضامرة، وصوتها يخرج متهدجاً، لكن عينيها.. عينيها كانت تشعان ببريق لم يفهمه الأطباء. كانت ترى العالم بـ "طبقتين"؛ ترى جدران المستشفى البيضاء، وترى خلفها اهتزازات خفيفة لألوان الهالات التي تحيط بالبشر.

​كان يحيى يزورها كل يوم، متجاهلاً نظرات "سارة" القلقة وتحذيرات الأطباء. كان هو الوحيد الذي يفهم لماذا تبتسم سلمى فجأة وهي تنظر للفراغ.

​"يحيى.. هل تراه؟" همست سلمى وهي تشير بصرامة نحو ممرضة تمر في الممر.

​نظر يحيى بتركيز، وضيق عينيه. "أرى ممرضة عادية يا سلمى."

​"لا.. انظر بقلبك،" قالت سلمى وهي تغمض عينيها نصف إغماضة. "حول كتفها.. هناك وميض أزرق باهت جداً. إنها تخفي حزناً على شخص تحبه، تماماً كما كنت أنت تفعل."

​صُعق يحيى. لقد نقلت سلمى "حاسة الهالات" معها إلى الواقع. لم تعد مجرد مريضة، بل أصبحت "عرافة الأرواح".

​"سلمى، يجب أن نكون حذرين،" همس يحيى وهو يمسك يدها. "إذا عرف الأطباء أنكِ ترين هذه الأشياء، سيظنون أن عقلكِ لم يعد تماماً من هناك. آدم أخوكِ قلق جداً، هو يظن أنكِ تعيشين في صدمة ما بعد الاستيقاظ."

​"لكنني لست واهمة!" صرخت سلمى بحدة، وفجأة.. اهتزت باقة الزهور الموضوعة بجانب سريرها وسقطت منها ورقة واحدة. كانت الورقة شفافة تماماً، تشبه أوراق الشجرة الكبيرة.

​توقف نبض يحيى. التقط الورقة، ولم تكن ورقة شجر عادية؛ كانت باردة كالثلج وتفوح منها رائحة "بخور خديجة".

​"لقد عبرت معنا،" قال يحيى بذهول. "الصلة لم تنقطع.. العالم الآخر يرسل لكِ إشارات."

​في تلك اللحظة، دخل آدم الغرفة ومعه جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به. "سلمى، يحيى.. لقد حللت البيانات التي سجلها جهازي أثناء اللحظات الأخيرة قبل إفاقتكما. هناك نمط غريب.. الترددات التي سجلتها من دماغ سلمى تتطابق مع ترددات لا توجد في الطبيعة، إنها تشبه.. الموسيقى."

​نظرت سلمى إلى أخيها بامتنان. "آدم.. هذه ليست موسيقى، هذه أصوات 'طيور الأمل'. عندما كنت أنت تدعو لي، كان جناح طائر يلمس روحي، والجهاز سجل أثر الجناح."

​ارتبك آدم، عالم الفيزياء والأعصاب الذي لا يؤمن إلا بالأرقام. "سلمى، أرجوكِ.. دعينا نركز على العلاج الطبيعي. والدتنا.." صمت آدم قليلاً، ثم أكمل بغصة: "لقد دفناها منذ سنوات، لكنكِ تتحدثين عنها وكأنها في الغرفة المجاورة."

​"لأنها كذلك!" قالت سلمى وهي تنظر لزاوية الغرفة. "هي تسكن في الفراغات بين كلماتك يا آدم. هي لم ترحل، هي فقط تحولت لـ 'هالة بيضاء' تحرسنا."

​خرج آدم من الغرفة وهو يشعر بالهزيمة، لكن يحيى ظل مكانه. شعر يحيى فجأة ببرودة خلف ظهره، والتفت ليجد نور (الطفلة البيضاء) تقف بجانب النافذة، شفافة تماماً، تلوح له بيدها الصغيرة ثم تتلاشى في ضوء الشمس.

​"لقد رأيتها!" قال يحيى بصوت مخنوق.

​"نور هي الرسول بيننا وبين الشجرة،" قالت سلمى بهدوء مرعب. "يحيى.. العالم الآخر يطلب منا شيئاً. الرسام كاي بدأ يختفي، وإذا اختفى تماماً، ستضيع ذكريات كل من هم في الغيبوبة في هذا المستشفى. يجب أن نجد طريقة لإعادة 'الألوان' لقلوبهم من هنا.. من الواقع."

​نظر يحيى لسلمى، وأدرك أن قصتهما لم تكن عن النجاة الشخصية فقط، بل هما الآن "سفراء البرزخ" في عالم الأحياء.

​"ماذا نفعل؟" سأل يحيى.

​قالت سلمى وهي تحاول الوقوف على قدميها المرتجفتين: "يجب أن نرسم. يجب أن نجد مكاناً في هذا المستشفى، ونرسم عليه ما رأيناه هناك. يجب أن نعيد وجوه الأمهات والآباء لمن يسيئون الظن بالموت."

​وفي غضون ذلك، في مكان ما من المستشفى، كانت سارة تراقب من بعيد، وهي تشعر أن الرجل الذي تحبه لم يعد ينتمي لهذا العالم، وأن هناك "خيطاً بنفسجياً" يربطه بسلمى أقوى من خاتم الخطبة الذي في يدها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خيوط القدر

المؤلف 💛🧡Esraa💛🧡
2026/04/19 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة