لغز الإستيقاظ

لغز الإستيقاظ

24 0

​كانت الرائحة هي أول ما استقبله؛ رائحة معقمات حادة، وهواء جاف يخدش رئتيه اللتين اعتادتا نسيم غابة الذكريات. فتح يحيى عينيه ببطء، فكان الضوء الأبيض المنبعث من سقف الغرفة يضربه كالسياط. لم يكن هناك عشب فضي، ولا شجرة عملاقة، ولا هالات ملونة. كان هناك فقط وجوه مجهدة، وأصوات أجهزة "البيبنغ" الرتيبة التي كانت تقيس حياته بالأرقام.

​"يحيى! حبيبي! هل تسمعني؟" كانت سارة تصرخ، ودموعها تبلل يده التي كانت قبل ثوانٍ فقط ممسكة بيد سلمى.

​حاول يحيى أن يتكلم، لكن جفاف حلقه جعل صوته يخرج كحشرجة غريق. "س... سل... سلمى."

​تجمدت سارة مكانها. تراجعت خطوة للخلف، ونظرت للأطباء بحيرة وألم. "من هي سلمى؟ يحيى، أنا سارة.. خطيبتك."

​لكن يحيى لم يكن يراها. كان عقله ما زال هناك، تحت الشجرة الكبيرة. كان يشعر بحرارة يد سلمى تتلاشى من كفه، وشعر برعب حقيقي؛ هل تركها وحيدة؟ هل سحبها الضوء الأبيض بعيداً عنه؟

​"أين هي؟" صرخ يحيى فجأة بقوة لم يتوقعها الأطباء، محاولاً النهوض من سريره، والأسلاك المتصلة بجسده تشده بقسوة. "لقد كانت معي! كانت تمسك بيدي! القلادة.. الفراشه.. أخبروا أخاها أنها بخير!"

​اضطر الأطباء لحقنه بمهدئ سريع. غاب يحيى عن الوعي مجدداً، لكنه هذه المرة لم يعد لعالم الهالات. كان في منطقة رمادية مظلمة، لا يرى فيها سوى "خيط بنفسجي" مقطوع يتدلى من سقف خياله.

​في الجهة الأخرى من المستشفى، في الطابق الرابع، كان شقيق سلمى يجلس بجوار سريرها. لم تستيقظ سلمى بعد، لكن جسدها كان يرتعش بشكل طفيف. الممرضة كانت تقف بذهول أمام جهاز رسم القلب.

​"سيد آدم،" قالت الممرضة بصوت هامس. "انظر إلى شاشة الجهاز.. الرسم البياني لا يشبه نبضات القلب العادية. إنه يرسم أشكالاً متكررة."

​اقترب آدم ونظر للشاشة. الخطوط لم تكن صاعدة وهابطة فقط، بل كانت ترسم انحناءات تشبه "أغصان الشجر". تذكر آدم الرسالة التي وصلته عبر الجهاز (شكل القلادة)، وشعر أن هناك لغة سرية تُكتب أمام عينيه.

​"سلمى.. هل تحاولين إخباري بشيء؟" همس آدم وهو يلمس شعرها الطويل الذي فقد لمعانه طوال عشر سنوات. "من هو الشخص الذي كان يصرخ باسمك في الطابق السفلي؟"

​بعد يومين، استعاد يحيى وعيه بشكل كامل. كان جسده ضعيفاً، لكن عقله كان صافياً كالسماء الزرقاء. جلس في سريره، وكانت سارة تجلس بجانبه، وعيناها حمراوان من قلة النوم.

​"سارة،" قال يحيى بهدوء. "أنا أعرف أنكِ تظنين أنني كنت أهذي. لكن ما رأيته لم يكن حلماً. لقد كنت في مكان يسمى عالم الهالات. كانت هناك فتاة تدعى سلمى، بنفسجية اللون، تجلس تحت شجرة كبيرة منذ عشر سنوات. هي من ساعدتني لأعود إليكِ."

​نظرت إليه سارة بشفقة، ظانةً أن نقص الأكسجين قد أثر على دماغه. "يحيى، ارتح الآن. الطبيب يقول إن الهلوسة طبيعية بعد غيبوبة شهر."

​"ليست هلوسة!" صاح يحيى وأمسك بيدها بقوة. "ابحثي في سجلات المستشفى. ابحثي عن فتاة اسمها سلمى، في غيبوبة منذ عشر سنوات. حادث سيارة.. فقدت فيه والدتها. أرجوكِ يا سارة، إذا كنتِ تحبينني، جديها."

​خرجت سارة من الغرفة وهي تبكي، لكنها بدافع الفضول أو ربما لكي تثبت ليحيى أنه واهم، ذهبت لمكتب الاستقبال. "هل لديكم مريضة هنا اسمها سلمى؟ في غيبوبة منذ فترة طويلة جداً؟"

​نظرت الموظفة في الحاسوب، وشحب وجهها. "نعم.. سلمى (اللقب). في الطابق الرابع، غرفة 402. إنها 'أقدم' مريضة لدينا. لكن.. كيف عرف خطيبك عنها؟ الغرفة محظورة على الزوار غير الأقارب."

​سقطت سارة على المقعد بجانب المكتب. يحيى لم يكن يكذب. المكان الذي وصفه، والاسم، والمدة الزمنية.. كلها حقيقية.

​في تلك اللحظة، في الغرفة 402، فتحت سلمى عينيها فجأة. لم تكن ترى الغرفة، كانت ترى طيفاً أزرق يتلاشى أمامها. مدت يدها في الهواء ونطقت بأول كلمة لها منذ عقد من الزمان:

​"يحيى.."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خيوط القدر

المؤلف 💛🧡Esraa💛🧡
2026/04/19 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة