الارواح الثائره

الارواح الثائره

24 0

كان آدم لا يزال غائباً عن الوعي في غرفته، لكنه لم يكن في غيبوبة عميقة؛ كان في حالة "تجمّد شعوري" ناتجة عن صدمة التلامس مع الظل الأحمر. الأطباء كانوا في حيرة، لكن سلمى كانت تعرف أن أخيها لم يذهب بعيداً.. روحه فقط "تائهة" في ممرات المستشفى، مطاردة من ذلك الندم القديم.

​"يحيى، لن أعود للداخل،" قالت سلمى وهي تمسك بفرشاة الرسم بقوة، وعيناها مثبتتان على الجدار الذي بدأ "ينزف" سواداً. "إذا عدتُ للغيبوبة، سأكون قد استسلمت لقوانينهم. أنا سأجلب 'البرزخ' إلى هنا.. سأجعل هذا الجدار باباً لعودة آدم."

​وقف يحيى بجانبها، وسندها بكتفه لتستطيع الوقوف. "ماذا سنفعل؟"

​"سنرسم 'الحقيقة' يا يحيى. الظل الأحمر يقتات على النسيان، وآدم يقدس الأرقام. سنرسم لآدم 'الذكرى' التي تجعله يتمسك بالواقع."

​بدأت سلمى ترسم على جدار غرفة آدم. هذه المرة، لم تكن ترسم بالأسود، بل كانت تمزج ألواناً غريبة أحضرها لها يحيى؛ ألواناً نابضة بالحياة. رسمت الشجرة الكبيرة، لكنها جعلت جذورها تمتد لتلمس سرير آدم. ورسمت نور وهي تمسك يد آدم في الظلام.

​وفجأة، شعرت سلمى ببرودة تخترق ظهرها. التفتت لتجد "الظل الأحمر" يتجسد بوضوح في وسط الغرفة. لم يعد خيالاً باهتاً، بل أصبح كياناً مظلماً يحاول تمزيق اللوحة بيده المحترقة.

​"ابتعد عنها!" صرخ يحيى وهو يلقي بعكازه نحو الظل، لكن العكاز مر عبره كأنه هواء.

​لم تخف سلمى. وضعت يدها الملطخة باللون البنفسجي مباشرة على صدر الظل الأحمر. "أنا أعرف من أنت،" همست سلمى بصوت يرتجف بالثبات. "أنت لست شراً.. أنت 'حكاية' لم تُروَ. أنت المريض الذي مات وحيداً في هذه الغرفة قبل سنوات، ولم يأتِ أحد لوداعك."

​توقف الظل عن الحركة. بدأت الهالة الحمراء تهدأ، وظهر من خلف السواد وجه رجل مسن، حزين، تملأ عينيه الدموع الرمادية.

​"آدم ليس عدوك،" تابعت سلمى وهي ترسم على "صدر" الظل لمسة من اللون الأبيض (نور الطفلة). "هو يحاول أن يفهمنا. اترك أخي يعود، وسأرسم وجهك أنت أيضاً على الشجرة.. سأجعلك جزءاً من 'الذاكرة الراقدة' لكي لا تنساك الأرض أبداً."

​في تلك اللحظة، اهتزت الغرفة بريح دافئة. سقطت ورقة شجر شفافة من الفراغ واستقرت على صدر آدم. شهق آدم شهقة طويلة، وفتح عينيه فجأة، ليرى سلمى وهي تحتضن "الفراغ" الذي كان فيه الظل، والظل يتلاشى بابتسامة راضية.

​"سلمى.." همس آدم وهو يحاول الاعتدال. "لقد رأيت.. رأيت كل شيء. المعادلات كانت خاطئة.. الحب هو الثابت الوحيد."

​بكت سلمى وهي ترتمي في حضن أخيها، ويحيى يبتسم لهما من بعيد، بينما كانت سارة تقف عند الباب، تراقب هذا المشهد الأسطوري، وتدرك أن عالم هؤلاء الثلاثة أصبح "مقدساً" لدرجة أنها لا تستطيع دخوله إلا إذا آمنت معهم.

​لقد انتصرت سلمى بوعيها، وليس بضعفها. وأصبح المستشفى الآن يضم "رسمة" لا يستطيع أحد مسحها، لأنها أصبحت جزءاً من نسيج الجدران.. وجزءاً من روح كل مريض يمر من هنا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خيوط القدر

المؤلف 💛🧡Esraa💛🧡
2026/04/19 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة