تحت ظلال الذاكرة

تحت ظلال الذاكرة

27 0

كان الهدوء في هذا العالم ليس غياباً للصوت، بل هو نوع من الموسيقى الباهتة التي تشبه طنين النحل في حقل بعيد. فتحت سلمى عينيها، ولم تكن تعرف كم مضى من الوقت؛ هل كانت دقائق أم قرون؟ هنا، الوقت لا يقاس بالساعات، بل بتساقط الأوراق الشفافة من "الشجرة الكبيرة".

​كانت سلمى تجلس في بقعتها المعتادة، تسند ظهرها إلى جذع الشجرة الذي يشبه في ملمسه كفّاً دافئة. نظرت إلى يديها، كانت هالتها البنفسجية تحيط بجسدها مثل غلالة من الدخان الرقيق، تارة تزهو وتارة تخبو، كأنها تعكس ضربات قلبها المتعبة في مكان ما بعيد، في عالم يطلقون عليه "الواقع".

​"أمي.. هل ستأتين اليوم؟" همست سلمى، وصوتها لم يغادر حدود هالتها.

​فجأة، اهتزت أغصان الشجرة. لم تكن ريحاً، بل كانت "هزة ذكرى". في عالم الواقع، كان شقيق سلمى في غرفة المستشفى يمسح على جبينها بقطعة قماش مبللة، فانتقل ذلك الدفء إليها هنا على شكل نسمة هواء مستأنسة.

​رفعت سلمى بصرها لتجد العجوز "خديجة" تقف على مسافة قصيرة. كانت خديجة تبدو وكأنها نسجت من خيوط الفجر؛ وجهها مليء بالتجاعيد التي تحكي قصص آلاف الأرواح التي مرت من هنا. كانت تمسك بمغزلها الشهير، وتغزل خيطاً طويلاً لونه أزرق سماوي ساطع.

​"هناك ضيف جديد يا سلمى،" قالت خديجة بصوت أجش كأنه احتكاك الصخور بالماء. "روحه مضطربة، يحاول القتال ضد التيار."

​نظرت سلمى باتجاه "نهر النسيان"، فرأت شاباً يركض بجنون. كانت هالته زرقاء قوية، لكنها كانت تتشظى من الأطراف كأنها تحترق. كان هذا يحيى. لم يكن يمشي، بل كان يصارع الهواء، يتلفت يميناً ويساراً كغريق يبحث عن قشة.

​"لا تدعه يقفز يا خديجة!" صرخت سلمى وهي تنهض بصعوبة، فقد كانت أقدامها تشعر بالثقل كلما ابتعدت عن جذع الشجرة.

​"أنا لا أمنع أحداً يا ابنتي،" ردت خديجة وهي تتابع غزل الخيط الأزرق ببرود. "كل روح تختار طريق عودتها، إما بالصبر.. أو بالضياع."

​ركضت سلمى، وكل خطوة كانت تكلفها جهداً يظهر على هالتها البنفسجية التي بدأت تبهت. وصلت إلى حافة النهر حيث كان يحيى يستعد للقفز في المياه الرمادية التي تمسح الذاكرة وتلقي بالروح في تيه أبدي.

​"توقف!" صرخت سلمى وهي تمسك بطرف قميصه الطيفي.

​التفت يحيى إليها، وكانت عيناه تعكسان رعباً لا يوصف. "أريد العودة! لا يمكنني البقاء هنا! كنت أسبح.. كان هناك سباق.. وفجأة سحبني الماء! أين مدربي؟ أين والدي؟"

​كانت كلماته تخرج متلاحقة، وهالته الزرقاء تضطرب بشدة. كان يحيى بطلاً رياضياً في الواقع، والآن يجد نفسه عاجزاً حتى عن فهم أين هو.

​قالت سلمى بصوت هادئ، محاولةً استحضار الحكمة التي تعلمتها في عشر سنوات: "إذا قفزت في هذا النهر، ستعود جسداً بلا روح. ستنسى اسمك، وستنسى الوجوه التي تحبك. انظر إلى لونك.. أنت أزرق، وهذا يعني أن جسدك ما زال يقاوم، لا تقتله بيدك."

​هدأ يحيى قليلاً، ونظر إلى يده المحاطة بالنور الأزرق. "ومن أنتِ؟ ولماذا لونكِ هكذا؟"

​ابتسمت سلمى بحزن: "أنا سلمى.. وأنا هنا منذ وقت طويل جداً. لوني بنفسجي لأنني أصبحت جزءاً من أحلام هذا المكان. تعال معي.. سأريك شيئاً يجعلك تصمد."

​أخذت سلمى بيد يحيى، وفي تلك اللحظة، في غرف المستشفى البعيدة، ارتفعت مؤشرات جهاز القلب لكليهما في اشارة واحدة أذهلت الأطباء المناوبين. بدأا يسيران نحو "تلة الأصوات"، حيث تبدأ الحكاية الحقيقية لكل روح عالقة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خيوط القدر

المؤلف 💛🧡Esraa💛🧡
2026/04/19 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة