بعد رحلتهم المرهقة في غابة الذكريات، عاد يحيى وسلمى إلى جوار الشجرة الكبيرة، لكن شيئاً ما قد تغير. وجه الأم المرسوم على الجذع كان يبعث دفئاً غريباً في المكان، كأنه قنديل غير مرئي. وبينما كان يحيى يحاول استيعاب ما رآه، انشقت العتمة الخفيفة عن كتلة من الضياء الأبيض الصافي، ضياء لا يؤذي العين بل يطهر الروح.
كانت طفلة لا تتجاوز السابعة، هالتها بيضاء ساطعة لدرجة أنها كانت تترك خلفها أثراً من النور فوق العشب الفضي. كانت تركض وهي تضحك، وصوت ضحكتها يشبه رنين الأجراس الصغيرة.
"إنها نور،" همست سلمى، وارتسمت على وجهها ابتسامة حقيقية. "الروح الوحيدة التي تجعل هذا العالم يبدو كجنة."
توقفت نور أمام سلمى، ونظرت إليها بعينين واسعتين تشعان براءة مطلقة. لم تكن نور في غيبوبة، بل كانت "هالة بيضاء"، روحاً رحلت عن جسدها المتعب بسلام، لكنها اختارت أن تظل قليلاً في هذا البرزخ لتلعب.
"سلمى! هل تعبتِ من الجلوس؟" سألت نور بصوت رقيق. ثم التفتت إلى يحيى وقالت: "أنت أزرق جداً! هل تفتقد البحر؟"
ارتبك يحيى أمام نقاء الطفلة. "أنا.. أنا كنت أسبح فعلاً."
"تعالا معي،" قالت نور وهي تمد يديها الصغيرتين. "سأريكما العالم من الأعلى، حيث لا توجد جدران مستشفيات ولا رائحة أدوية."
بمجرد أن أمسكت نور بيد سلمى ويحيى، شعر كلاهما بخفة غريبة، كأن الجاذبية قد فقدت قبضتها عليهما. ارتفعوا عن الأرض ببطء، وتجاوزوا قمة الشجرة الكبيرة. من الأعلى، بدا عالم الهالات كلوحة سحرية؛ أنهار من الضوء الأزرق والبنفسجي تتقاطع، وغابات الذاكرة تبدو كبقع ملونة في وسط الضباب.
"انظرا،" أشارت نور بسبابتها نحو الأفق، حيث كانت تطير أسراب من الكائنات الشفافة. "هذه طيور الأمل. هي التي تحمل صلوات الناس من الواقع وتوزعها علينا هنا. كلما دعا لكِ أخوكِ يا سلمى، يولد طائر جديد."
كان الطيران فوق هذا العالم يمنح يحيى شعوراً بالحرية لم يعرفه منذ الحادث. لكن سلمى كانت تشغلها فكرة واحدة، فكرة تحرق قلبها البنفسجي منذ سنوات. التفتت إلى نور وسألتها بصوت مخنوق: "نور.. أنتِ بيضاء.. أنتِ ترين ما لا نراه. أخبريني.. هل أمي معكِ هناك؟ هل هي في الجانب الآخر من البحر؟"
توقفت نور عن الطيران، وظلت معلقة في الهواء وهي تنظر لسلمى بوقار لا يناسب عمرها الصغير. ابتسمت ابتسامة غامضة، واقتربت من أذن سلمى وهمست: "الهالة البيضاء يا سلمى لا تعني الموت فقط، بل تعني التحرر من الألم. وأمكِ.. أمكِ لم تغادر الشجرة أبداً. أنتِ فقط من يغلق عينيه عن رؤيتها لأنكِ ترفضين وداعها."
صُعقت سلمى. "ماذا تقصدين؟ لقد رأيتها في الحادث.. لقد ذهبت!"
قالت نور وهي تعود لتمسك يدها: "الأمومة في عالمنا ليست جسداً، بل هي حماية. انظري للشجرة جيداً عندما نعود.. انظري للخيوط التي تغزلها العجوز خديجة. الحقيقة تحت قدميكِ، وليست في السماء."
في تلك اللحظة، في عالم الواقع، دخل شقيق سلمى إلى غرفتها ومعه باقة من الزهور التي تحبها أمهم. بدأ يقرأ لها رسالة قديمة وجدها في أغراض الأم. وفجأة، في عالم الهالات، هبت ريح قوية جعلت طيور الأمل تضطرب.
"يجب أن نعود،" قالت نور بجدية. "هناك من يناديكِ بقوة يا سلمى، وصوته يزلزل أركان العالم."
هبطوا ببطء نحو الأرض. وعندما لمست أقدام سلمى التراب بجانب الشجرة، رأت العجوز خديجة جالسة بمغزلها، وبجانبها خيط بنفسجي طويل جداً يلتف حول جذع الشجرة كأنه قيد، وخيط آخر أبيض مقطوع النهاية لكنه مغروس في قلب الخشب.
ركضت سلمى نحو خديجة وصرخت بمرارة: "لماذا يا خديجة؟ لماذا خيط أمي مقطوع ومنتهٍ هنا؟ لماذا تركتِ نهايتها تكون هكذا؟"
رفعت خديجة عينيها المليئتين بالحكمة والدموع، وقالت بهدوء: "أنا لا أقطع الخيوط يا سلمى، أنا فقط أربط النهايات لتبدأ بدايات جديدة في مكان آخر. خيط أمكِ لم ينتهِ، بل تحول إلى جذور لهذه الشجرة لكي تظل تظلكِ حتى تستعدي للرحيل."
انهارت سلمى تحت الشجرة، بينما وقف يحيى بعيداً يشاهد بصمت، وهالتة الزرقاء تلمع بشدة، مدركاً أن الحكاية أكبر بكثير من مجرد غيبوبة.. إنها رحلة لقبول الفقد.
💛🧡Esraa💛🧡