القلادة

القلادة

19 0

بينما كانت تلك الورقة التي تحمل شكل "النبض" تستقر في كف يحيى، شعر برجفة خفيفة تسري في هالتة الزرقاء. لم تكن مجرد ورقة؛ كانت "رسالة مشفرة" من الضفة الأخرى. في الواقع، كان شقيق سلمى يحبس أنفاسه أمام الشاشة التي بدأت ترسم خطوطاً غير مفهومة، لكنها منتظمة بشكل مذهل.

​"سلمى، هل ترين هذا؟" قال يحيى بصوت يملؤه الحماس والقلق. "شقيقكِ لا يناديكِ فقط، إنه يمد يده عبر هذا الضباب. الورقة في يدي تنبض بنفس إيقاع قلبه."

​نظرت سلمى إلى الورقة، ثم إلى العجوز خديجة التي كانت تراقب المشهد بصمت مهيب. "خديجة، هل يمكنني الرد؟ هل يمكن لروحي البنفسجية أن تلمس شاشة في عالمهم البارد؟"

​أجابت خديجة وهي تحرك مغزلها ببطء: "الروح لا تلمس المادة يا ابنتي، لكنها تلمس 'المعنى'. إذا أردتِ إرسال إشارة، فعليكِ أن تجعلي مشاعركِ حادة كالإبرة، وصافية كالبلور. اذهبي إلى كاي.. هو الوحيد الذي يعرف كيف يحول الشعور إلى خط."

​هرع يحيى وسلمى مجدداً إلى كوخ الرسام الصيني. وجداه جالساً يتأمل الفراغ، وهالته البنفسجية تبدو اليوم أكثر شفافية، كأنه بدأ يذوب في هواء الغابة.

​"كاي! نحتاج إليك،" صاح يحيى. "نريد إرسال رسالة للواقع. جهاز شقيق سلمى يلتقط نبضاتها، لكننا نريد أن نخبره أنها هنا.. أنها تسمعه!"

​رفع كاي نظره الباهت، وابتسم بمرارة. "تريدون 'الرسم بالنبض'؟ هذا يتطلب جهداً قد يضعف هالة سلمى لدرجة الخطورة. ستحتاجين يا سلمى أن تخرجي من تحت حماية الشجرة الكبيرة تماماً، وتصعدي إلى 'منصة البرق الصامت'."

​"سأفعل أي شيء،" قالت سلمى بإصرار لم يره يحيى فيها من قبل.

​انطلقوا الثلاثة نحو قمة شاهقة تقع خلف غابة الذكريات، حيث تضرب صواعق من النور الأبيض الأرض باستمرار، وهي صواعق تمثل "الأفكار المفاجئة" التي تأتي للبشر في الواقع. هناك، وضع كاي فرشاته في يد سلمى.

​"اسمعي يا سلمى،" قال كاي بجدية. "يحيى سيمسك يدكِ اليمنى ليمدكِ بطاقة لونه الأزرق التي تربطه بالواقع أكثر منا، وأنا سأمسك يدكِ اليسرى لأوجه تدفق ذاكرتكِ. عندما تشعرين بحرارة صوت شقيقكِ، لا تفكري.. فقط 'اشعري' بالكلمة التي تودين قولها."

​أغمضت سلمى عينيها. في المستشفى، كان الشقيق يهمس بانهيار: "سلمى.. إذا كنتِ تسمعينني.. تذكري يوم العيد.. يوم أضعتِ قلادتكِ الذهبية في الحديقة وقلتِ لي أنكِ ستجدينها بالأمل.."

​في عالم الهالات، اخترقت تلك الكلمات سماء المنصة كصاعقة ذهبية. مسكت سلمى الفرشاة بكل قوتها، وبمساعدة يحيى وكاي، بدأت ترسم في الهواء "شكل قلادة". لم تكن ترسم باللون، بل كانت ترسم بـ "الرغبة في العودة".

​على شاشة الجهاز في الواقع، صرخ الشقيق ووقع من على كرسيه. الخطوط العشوائية بدأت تتشكل ببطء شديد لترسم "فراشة صغيره"، وهو الشكل الدقيق للقلادة التي ذكرها.

​"يا إلهي!" بكى الشقيق وهو يلمس الشاشة. "إنها تسمعني.. سلمى هنا!"

​في تلك اللحظة، في عالم الهالات، بدأت هالة سلمى تبهت بشدة، وسقطت مغشياً عليها بين يدي يحيى. كان الجهد الذي بذلته هائلاً.

​"سلمى! استيقظي!" صرخ يحيى، وشعر لأول مرة بخوف حقيقي من فقدانها.

​فتح كاي يده، ووجد فيها بقايا لون أزرق من يد يحيى قد امتزج ببنفسجي سلمى. "لقد فعلتموها،" قال كاي بتعب. "لقد عبرت الرسالة الحجاب. لكن الثمن كان غالياً.. الشجرة الكبيرة بدأت تنادي سلمى للعودة لحضنها، وإلا ستتلاشى روحها هنا قبل أوانها."

​حمل يحيى سلمى بين ذراعيه، وركض بها نحو الشجرة، بينما كانت نور الطفلة البيضاء تطير فوقهما وهي تنثر مسحوقاً من الضياء ليفتح لهما الطريق وسط الظلام الذي بدأ يزحف مجدداً.

​عندما وصلا، كانت خديجة بانتظارهما، لكن وجهها كان يحمل خبراً جديداً. "يحيى.. خيطك الأزرق بدأ يقصر بسرعة. شخص ما في الواقع يحاول إيقاظك بقوة. إذا لم ترحل الآن، فقد تظل عالقاً هنا بهالة بنفسجية للأبد."

​نظر يحيى إلى سلمى المغيبة في حضنه، ثم إلى خديجة. "لن أرحل بدونها. إذا استيقظتُ ولم أجدها، فسيكون الواقع مجرد غيبوبة أخرى."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خيوط القدر

المؤلف 💛🧡Esraa💛🧡
2026/04/19 مكتملة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة