كان الهواء حول الشجرة الكبيرة يرتجف، ليس بفعل الرياح، بل بفعل النداءات القادمة من "الأسفل". كان يحيى يشعر بهالتة الزرقاء تنسحب من أطراف جسده الطيفي، كأن هناك مغناطيساً عملاقاً يشد روحه بعيداً. في الواقع، كان الأطباء في غرفته يهللون؛ فجسد يحيى بدأ يستجيب، وخطيبته "سارة" تمسك يده وتبكي فرحاً وهي تناديه: "عد إليّ يا يحيى.. ارجع يا حبيبي."
لكن هنا، في عالم الهالات، كان يحيى جاثياً على ركبتيه، يضم سلمى إلى صدره. كانت هالتها البنفسجية باهتة جداً، كأنها شمعة تصارع في مهب عاصفة.
"خديجة! افعلي شيئاً!" صرخ يحيى والدموع الزرقاء تبلل وجنتيه. "إنهم يسحبونني.. سأرحل وأتركها هنا! هي لا تملك أحداً يحميها من الظلام."
اقتربت العجوز خديجة، ولم تكن تمسك بمغزلها هذه المرة، بل وضعت يدها المجعدة على جذع الشجرة، وتحديداً فوق وجه "الأم" المرسوم. وفجأة، توهج الرسم بنور أبيض حليبي، وبدأ الجذع ينشق ببطء ليخرج منه وهج دافئ غمر المكان.
"يحيى،" قالت خديجة بصوت يملؤه الوقار. "هذا العالم لا يسمح بالرحيل المزدوج. لكل روح توقيتها. لكن.. بما أنك آمنت بسلمى، وبما أن سلمى أرسلت رسالتها للواقع، فقد فُتحت ثغرة صغيرة."
ظهرت نور فجأة، وكانت تمسك بـ "خيط الضوء" الذي نتج عن رسالة سلمى (شكل القلادة). "يحيى! أمسك بهذا الخيط! هذا هو الجسر الذي صنعته سلمى بحبها لأخيها. إذا تمسكت به، يمكنك سحبها معك قليلاً نحو النور."
أمسك يحيى بالخيط بيد، وباليد الأخرى أحكم قبضته على يد سلمى الباردة. في تلك اللحظة، في المستشفى، حدث أمر لم يسبق له مثيل في تاريخ الطب؛ أجهزة القلب في غرفتين مختلفتين تماماً بدأت تنبض بإيقاع واحد، كأن قلباً واحداً يدق في جسدين.
"سلمى! اسمعيني!" صرخ يحيى في أذنها وسط ضجيج الرياح الكونية التي بدأت تشتد. "لا تغمضي عينيكِ! انظري إلى الشجرة.. انظري إلى أمكِ!"
فتحت سلمى عينيها ببطء شديد. لم ترَ يحيى، ولم ترَ الغابة.. رأت ضوءاً ينبعث من قلب الشجرة، رأت يداً تمتد إليها من داخل الخشب، يد ناعمة ودافئة، يد كانت تعرف ملمسها منذ نعومة أظفارها.
"ماما؟" همست سلمى، وصوتها اهتز له كيان العالم.
ظهر طيف الأم بوضوح، هالتها كانت بيضاء ناصعة كالثلج تحت الشمس. لم تتحدث الأم، لكن نظرتها قالت كل شيء. مالت على سلمى وقبلت جبهتها، وفي تلك القبلة، انتقلت عشر سنوات من الحب المخزون. شعرت سلمى بقوة جبارة تسري في عروقها البنفسجية، وبدأت هالتها تتحول ببطء إلى أرجواني ساطع.
"اذهبي معه يا ابنتي،" كانت الكلمات تتردد في عقل سلمى كالأصداء. "حان وقت الاستيقاظ.. أخوكِ ينتظركِ بقلادة الأمل."
دفع طيف الأم سلمى نحو يحيى بقوة. وفجأة، انفجر المكان بضوء أبيض غامر أخفى كل شيء؛ الشجرة، خديجة، ونور.
في غرف المستشفى، ساد صمت مطبق لثانية واحدة.. ثم شهق يحيى شهقة عميقة وفتح عينيه في واقعه، ليجد سارة تصرخ من الفرح بين أحضان الأطباء.
أما في غرفة سلمى، فقد اهتزت أصابع يدها اليمنى لأول مرة منذ عشر سنوات. لم تفتح عينيها بعد، لكن ممرضتها لاحظت شيئاً غريباً؛ كانت سلمى تمسك بقوة بـ "هواء" فراغ يدها، كأنها ما زالت تقبض على يد شخص كان يسحبها من بئر عميقة.
بكى شقيقها وهو يرى جهاز النبض يستقر. "لقد عادت.. حبيبتي عادت."
لكن المعركة لم تنتهِ؛ فيحيى الآن في واقعه، وسلمى ما زالت عالقة في "منطقة برزخية" بين العالمين، فهل سيتمكن يحيى من الوصول إليها في الحقيقة ليتمم ما بدأه في الخيال؟
💛🧡Esraa💛🧡