الرابع و العشرون

الرابع و العشرون

13 0

────୨ৎ────

الفصل الرابع والعشرون: حين يتقدّم الحرفُ خطوةً نحو اليقين.

"ثمّة لحظةٌ في حياة القلب، لا يعود فيها احتمال الحبّ كافيًا...إمّا أن يُعاش بكلّ ما فيه، أو يُترك كذكرى لا يليق بها التكرار."

────୨ৎ────

صباحٌ خريفيّ، تتسلّل فيه الشمس كعاشقة خجولة،

تمرّر أصابع الضوء على النوافذ،

وتوقظ المدينة من نعاسها الطينيّ،

كأنّها تهمس لها: قومي، فما عاد في التأجيل حياة.

في مقهى "العبق"، حيث اعتاد المثقفون والكهول والفتيان الضائعون أن يشربوا الذاكرة مع القهوة،

جلس "رياح" في الزاوية الهادئة، يُدوّن شيئًا في دفتَرٍ جلديّ،

كان يكتب كمن يضمّد جرحًا خفيًّا...

كلمات حارّة، لا تقال، لكنها تُنقذ.

دخل "أبو نِفَار" — الحاجّ زكرياء — دون موعدٍ،

بل دون استئذانٍ من الزمان والمكان،

مشيته الهادئة كأبٍ عرف كل الإجابات، ثم اختار أن يسأل السؤال الأصعب.

اقترب وجلس قبالة رياح، بعينين لا تخافان الحقيقة،

وقال، بعد رشفةٍ صامتة من قهوته:

— "الرجلُ يا ولدي... حين يُحبّ، لا يكتفي بالشعر.

يطرق الأبواب، ويطلب، ويثبت."

رياح، رفع نظره من الصفحة، وفي عينيه احتشاد ما بين الندم والرغبة:

— "الحبّ، يا حاج، لم يكن يومًا خوفًا... بل خوفي أن لا أكون كافيًا."

ضحك الرجل بخفة لم تُطفئها السنين:

— "كلنا لسنا كافين، يا رياح...

لكن الحياة لا تنتظر أن نصير مثاليين،

إنما تُريدنا شجعانًا."

**

في بيت "نِفَار"،

كانت تنشّف شعرها المتعب من ماء الغسل،

وفي وجهها ملامح امرأة تقف على ضفة التحوّل:

لم تعد تنتظر… لكنها مستعدّة، إن جاء الصدق.

دخلت أمها، بصحن شاي بالنعناع وقطعة صغيرة من الخبز المحمّص،

وضعت الصحن أمامها وقالت دون مقدمات:

— "أبوك التقى رياح اليوم... في المقهى."

رفعت نِفَار حاجبها:

— "وأيُّ حديثٍ دار؟"

— "قال له: إن كنتَ تريدها، فلا تطوّف حول الحلم... بل تعال للبيت."

شهقت نِفار، ثم همست:

— "أبي؟ فعلها أبي؟"

— "أبوكِ ليس ضد الحبّ يا بنتي... فقط ضدّ الذين لا يعرفون كيف يصيرون رجالًا فيه."

**

بعد الغروب، عاد رياح يرتّب قميصه كمن يُصلّي،

يحمل بين يديه علبة صغيرة مغلّفة بخيطٍ زهري،

وفيها شيء لم يكن خاتمًا... بل مفتاحًا.

مفتاحًا قديمًا، صدئًا بعض الشيء... لكنّه يحمل وعدًا.

طرق بابهم، وفتح "سِنان" الباب، وقد ارتدى قميصًا مقلوبًا بالمقلوب — كعادته في اللحظات الجديّة —

ثم همس وهو يفتح الطريق:

— "ادخل، أيّها الشاعر... الميدان ينتظرك."

**

في غرفة الضيوف،

وقف رياح أمام الحاج زكرياء وأم نِفَار ونِفَار ذاتها،

وكان الهدوء كأنّه صلاة، أو حكمٌ معلق.

قال رياح، دون أن يقرأ من ورقة،

بل من قلبه:

— "جئت اليوم لا كعاشقٍ يطلب يدَ من يحبّ،

بل كرجلٍ يطلب يد الحياة... يد الصدق،

التي تعينه على أن يكون خيرًا، لا شعرًا."

ثم التفت إلى نِفَار، ومدّ لها العلبة الصغيرة:

— "هذا المفتاح... لا يفتح بيتًا،

ولا صندوقًا...

بل يفتح قلبي، لكِ وحدك،

إن أردتِ أن تدخليه لا ضيفة، بل سيّدة."

نظرت إليه،

وكان في عينيها فرح خائف، وخوفٌ جميل:

— "هل ستبقى؟"

— "سأبقى ما دامت الشمس تشرق من نوافذنا،

وما دام حرفكِ يؤنسني إن صمت العالم."

ثم أضاف، وهو يبتسم لأول مرة منذ زمن:

— "أريدكِ معي، في مشروع الحياة، لا في القصائد."

**

في تلك الليلة، كتبت نِفَار في دفترها:

"الحبّ الذي لا يُترجم إلى قرار، يظلّ مجرّد نغمةٍ جميلة.

أمّا الذي يخيفك لأنّه حقيقي...

فهو وحده الذي يستحقّ أن تُرمى لأجله كلّ التردّدات."

وأغلقت الدفتر،

كمن أغلق فصل الحيرة...

وفتح فصلاً جديدًا،

لا يُكتب بالحبر،

بل يُعاش.

────୨ৎ────

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Άβυσσοc __أبيسوس

المؤلف Demitra.997
2025/08/02 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة