الرابع عشر

الرابع عشر

15 0

────୨ৎ────

الفصل الرابع عشر: "وداعٌ على هيئة صمت"

وفي تلك الليلة، لم ينم أحدٌ في قلب نِفار.

نامَ البيت، وسهرت روحها، تتجوّل بين أطلال نبضٍ لم يكتمل.

كانت الجدران تتهامس بصوت خطواته، كأنها تحفظ أثره أكثر منها، وكان الضوء المتسلل من تحت الباب يشبه ما تبقى منه… لا يدفئ، ولا يغيب.

قامت من أمام المرآة. اقتربت من النافذة، فتحتها…

فاندفع نسيمٌ بارد، بعثر أوراقها، وذكرياتها، وهمساتها التي لم تُقال.

ندت عنها تنهيدة طويلة، ثم خرجت من غرفتها، كأنها تهرب من ذاتها.

في المطبخ، كانت خالتها "جميلة" تجلس، تلفّ سبحتها حول أصابعها، وتراقب الماء يغلي .

نظرت إلى نِفار، وقالت بهدوء امرأةٍ خبرت الفقد أكثر من مرة:

– "القلوب يا نِفار… لا تنكسر بالضربة الأولى، إنما بالذي لم يُقَل، وبالذي قِيلَ متأخرًا."

جلست نِفار قبالتها، وعيناها غارقتان في ضوء المصباح المتدلّي، همست:

– "لماذا لا نتعلّم أن نصرخ حين يجب أن نصرخ؟

لماذا نخاف أن نُظهِر ضعفَنا؟"

ضحكت خالتها بخفوت، وأجابت:

– "لأننا في هذه البلاد، نربّي البنات على الصبر، لا على البوح.

نخيط لهنّ أثواب الاحتشام، وننسى أن نعلّمهن كيف يحمين قلوبهن من الخذلان."

سقطت دمعة من عين نِفار، ليست حزينة تمامًا، لكنها كانت حارّة بما يكفي لتحرق أثره في قلبها.

في الجهة الأخرى من المدينة، كان رياح قد صعد الحافلة.

جلس قرب النافذة، ومدّ يده نحو الزجاج البارد، كأنّه يلمس وجهها الغائب.

بجانبه، جلس رجلٌ مسنّ، يحمل في عينيه بساتين من الخيبات القديمة.

نظر إلى رياح، ولاحظ شروده، فقال:

– "الذي يشبهنا… دايمًا يضيع بين الحرف واللحظة.

نكتب للغائبين، لكننا ننسى أن نطلب منهم البقاء حين يكونون هنا."

أومأ رياح، وكأنّ الكلمات طعنته دون أن تلمسه.

– "أنا لم أكن جبانًا…" قالها هامسًا، وكأنّه يحاول إقناع نفسه.

ردّ الرجل، بعد لحظة:

– "بل كنتَ حذرًا… والحذر أحيانًا، خيانة خفيّة."

في اليوم التالي، خرجت نِفار إلى الشرفة، بيدها فنجان قهوة لا طعم له، تنظر إلى الشارع الذي تعلّق فيه قلبها آخر مرة.

مرّت "رحاب"، صديقتها القديمة، التي كانت تعرف من عيني نِفار كل شيء.

توقفت، رفعت رأسها وقالت:

– "علمتُ أنّه غادر."

نِفار، دون أن تلتفت، أجابت:

– "كأنّ الرحيل أصبح عُرفًا لا يُسأل عن أسبابه."

، بشيء من الأسى:

– "وهل أخبرته؟ هل قلتِ له ما يجب أن يُقال؟"

– "قلت له… بصمتي."

– "والصمت لا يُفهم يا نِفار… الصمتُ يُساء فهمه، يُترجَم خوفًا أو كبرياءً، أو أسوأ: لا مبالاة."

في آخر الليل، عادت نِفار إلى دفترها،

وكتبت فيه:

"هناك وداعٌ لا يُقال فيه وداع، بل يُقال فيه: كُنتُ أودّ أن أكون لك، لكنّي كنتُ لي أولًا… فغفرتُ لنفسي."

وفي محطةٍ بعيدة، حيث توقّفت الحافلة عند أوّل مدينة خارج المدينة، تذكر رياح الورقة المطوية التي سبق و ان خبئها بين صفحات رواية مفضلة لها في المكتبة ، اعادها الى رفها خلسة،و غادر.

"نِفار، إن عُدتِ يومًا إلى المكتبة، ووجدتِ هذه الرسالة بين صفحات الكتاب القديم، فاعلمي أنّني لم أرحل عنكِ… بل عن فكرة أنني لستُ كافيًا لك."

.

.

.

في مكانٍ ما…

في زمنٍ قادم، قد تجدها.

وقد تفهم.

وقد تبكي.

لكن الوقت، كما قالت خالتها، لا ينتظر البوح المتأخّر.

────୨ৎ────

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Άβυσσοc __أبيسوس

المؤلف Demitra.997
2025/08/02 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة