الثامن

الثامن

15 0

────୨ৎ────

الفصل الثامن: مرآة الصباح لا تعكسني

"أين أُخبّئ هذا الرجاء العالق في حنجرتي؟

أأعلّقه على جدار اللامبالاة؟

أم أذبحه بسكين الكتمان؟" — رياح

────୨ৎ────

---

كان الصباح في ذلك الحيّ العتيق قد بدأ يتسلل بخطى متثاقلة، وكأنّ الفجر ذاته لا يرغب في النهوض.

الشمس خلف الغمام تبدو كمصباح مُطفأ... أو قلب تائه.

في بيتٍ حجريٍّ قديم، يعتليه الياسمين اليابس وعبق الغبار، وقف رياح أمام مرآته. لا يُسرّح شعره، بل يُحاكم صورته.

عينيه، الحادتان كالسكاكين في الأمس، خاضعتان هذا الصباح لسؤال لا صوت له.

رفع إصبعه ولمس طرف ذقنه، تمتم بفتور:

— "ما الجدوى؟"

ثم تنفّس بعمق، وتنهيدة خرجت منه كأنها آخر دفعة من نارٍ أُطفئت بعد ليلٍ طويل.

هو لا يُجيد الكلام الكثير... لكنه يُتقن الصمت الذي يخيف.

ولا أحد في البيت غير جدّته، تلك العجوز التي تحفظ كل شيء دون أن تنبس بكلمة.

**

في المطبخ، كانت الجدة تجلس على الأرض، تُمزّق أوراق النعناع، وكأنّها تنتقي من الحياة ما يمكن الاحتفاظ به.

نظر إليها، وكأنها صدى قديم من حياةٍ لم تعد تُشبِهه.

قالت دون أن تنظر إليه:

— "القلوب التي تخشى النبض يا بنيّ، تموت وهي تمشي."

نظر إليها، بوجه شاحب...

— "وهل يستحق النبض أن نُشنق عليه يا جدة؟"

هزّت رأسها فقط... لا إجابة، بل انتظار.

**

خرج من البيت دون أن يعلم أين سيمضي، فقط ساقته قدماه إلى حيث بدأت تلك الرجفة: مقهى الزاوية.

جلس في ذات الزاوية، حيث ورقتها ذات يوم سقطت كقدرٍ بينهما.

راح يُدوّن في دفتَره الصغير، بخطّ دقيق، كأنه ينسخ من نفسه لا من خياله:

"اسمُها كأنّه صلاة.

لكنّي لا أُحسن الصلاة...

وكلما اقتربت، شعرتُ بأنّ قدميّ ليستا لي،

كأنّي طفلٌ يرتدي ثياب رجل... ويخجل أن يُحب."

**

رنّ هاتفه فجأة، كان الصوت خافتًا، لكنه أحدث فيه زلزالًا.

اسم المتصل: كريم.

رفيق الطفولة، أكثرهم فوضى، وأقربهم لما يُسمّى الحقيقة... حتى لو جاءت على هيئة صفعة.

— "أين انت؟ مدلم ألمحك البارحة فالمكتبة ولا اليوم فالمحاضرات؟"

— "أنا في الزاوية."

ضحك كريم:

— "كالعادة! أتبني وطنًا جديدًا من فناجين القهوة؟"

سكت رياح، ثم همس:

— "بل أدفن وَجهًا لا يتركني."

— "ليست كلّ العيون مرايا يا صديقي. بعضُها نيران. وانت اخترت أن تسكن الاحتراق."

**

أغلق المكالمة، وأحنى رأسه.

ثم نظر إلى طاولة قريبة... فتاةٌ تُشبهها جلست للحظة، ثم غادرت.

أحسّ بأنّ وجهها يطارد مخيّلته كأنّه نُقِش فيها.

تنفّس ثانيةً. أخرج قلماً من جيبه... وكتب:

"نِفـار...

ليتك تعلمين كم مرة أُعيد اسمك في رأسي، لا لأُطمئن قلبي، بل لأقنعه أن لا ينطق."

**

في الخارج، بدأت السماء تتغير...نسيمٌ خفيف تحوّل إلى ريحٍ خفيفة.

"ريـاح"... كرر في سره.

ثم نهض، وعيناه تبحثان في الطرقات، لا عنها فقط، بل عن النسخة التي تُنقذه من نفسه.

---

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Άβυσσοc __أبيسوس

المؤلف Demitra.997
2025/08/02 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة