────୨ৎ────
الفصل الحادي و العشرين:
"يا لهذا الغبار الذي لا يزول عن الذاكرة...
حتى بعد الغياب، ما زال في القلب متّسعٌ لها."
────୨ৎ────
في المساء، كانت المدينة تتكئ على صمتها، كشيخٍ تعب من الحكمة... ضوء المصابيح يتناقص كأنّه يتردّد في أن يضيء للقلوب المعتمة، في زاوية مقهى قديم، تطل نوافذه على شارعٍ نائمٍ منذ زمن. المقهى نفسه بدا كأنه لا يريد استقبال أحد، سوى من أثقلته الحياة بأسئلتها الوجوديّة.
جلس الحاج زكرياء، والد نِفَار، في مقعدٍ خشبيّ قرب النافذة، يرتدي عباءة تقليدية فوق قميصه الأبيض المكويّ بدقّة. يده لا تزال تمسك مسبحةً بنية داكنة تدور بين أصابعه كأنها تمسح عن ذهنه الأسئلة. أمامه فنجان قهوة سوداء لا تنبعث منه رائحة… لأن التفكير كان أعمق من أن يشمّ.
دخل رياح، بخطى مترددة، عيونه تبحث عن قرارٍ لم يُحسم بعد. حيّى الرجل وقبّل يده باحترام، ثم جلس بصمت، واضعًا كفّيه على ركبتيه كما يفعل الصغار في حضرة الكبار.
زكرياء:
"لم أكن أتوقّع أن أراك ثانية، بعد ثلاث سنوات غربة."
رياح (بصوتٍ هادئ):
"ولا أنا، لكنّ القلب الذي عاد بي إلى المقبرة… هو ذاته من أتى بي إلى هنا."
نظر زكرياء إليه، بعينٍ لا تبتسم، لكنها لا تطرد أيضًا.
زكرياء:
"أتعلم يا بني… نحن لا نعيش في زمنٍ يسمح للكلام أن يُغني عن الأنساب."
رياح:
"ولا أنا أطلب شيئًا يُخالف ما تحترمه يا عمّي. ما بيني وبين نِفَار لم يتجاوز شيئًا يغضب الله، ولا والدها."
زكرياء (ببطء، وهو يحرك المسبحة):
"هي ابنتي يا رياح… ولستُ من الآباء الذين يسلّمون قلوب بناتهم بسهولة. رأيتك هناك، واقفًا كأنّك تزن الحياة، لا القبر فقط."
رياح:
"لأن نِفَار ليست فتاة عابرة… هي فكرة تغيّر في داخلي شكل الحزن. معها شعرت أنني لا أهرب من الماضي، بل أستعدّ لغدٍ يشبهني."
هزّ زكرياء رأسه، وقال:
"والغد الذي يشبهك… هل يُشبه ما تريده هي؟ أم هو غدك وحدك؟"
رياح:
"لا أعلم بعد… لكني مستعدّ أن أنتظر جوابها، كما إنتظرتها لسنين الغربة، واقفًا بلا كلام، فقط حاضر."
نظر إليه زكرياء طويلاً، ثم قال بنبرة متعبة:
"إن أردت أن تخطبها يومًا، لا تطرق بابها أولًا… بل بابي."
ارتفع نظر رياح، بعين تلمع بشيء يشبه الشكر، لكنه لم يبتسم.
رياح:
"لن أقترب منها دون رضاك… حتى وإن رضيت هي."
نهض زكرياء ببطء، وقال:
*"أحترم هذا… وأحترمك."
ثم وضع يده على كتف رياح، وهمس:
"البنت تُعرف من عيني أبيها، إن ابتسم لهما، فاعلم أن قلبه لا يمانع."
وخرج من المقهى، يترك خلفه أثر عباءةٍ تخبّئ أوجاعًا قديمة… لكنّه للمرة الأولى، لم يغلق الباب خلفه.
.
.
رياح:
هل أنا مجنون؟
أجلس في مقهىٍ كهذا، كأنني على وشك ارتكاب جريمة قلبية... أم خطيئة اجتماعية؟
أين كنتَ، يا رياح، منذ عامين؟
هارِب؟... أم هاربٌ من هروبه؟
كان يمكنني أن أدفن تلك المدينة خلف ظهري، أن أعود إلى باريس، إلى الزحام النقيّ... حيث لا أحد يعرفني، ولا أحد يعرفها.
لكنها، المدينة التي لفظتني، لم تُخرجها من قلبها.
نفار...
اسمها وحده يجعلني أتنفّس بصعوبة، كأن الهواء يخجل من المرور عبر رئتي حين يُقال.
لماذا جئتُ؟
أيعقل أن قلبي بهذا الضعف؟
أن أضع كرامتي على الطاولة، وأنتظر والدها كمتسوّلٍ عاطفة؟
كأنّي أطلب فتات الحُب من مائدة تقاليدٍ لم تترك لي شيئًا؟
لكنّني أتيت.
وسأنتظر.
لأن بعض النساء لا يُنسين بالصمت.
ولا يُمحين بالغربة.
ولا يُستبدلن بماضٍ جديد.
أنا لا أريد أن أسكن قلبها، أريد فقط... أن تُطفئ في قلبي هذا الاحتراق الصامت.
────୨ৎ────
Demitra.997