الاول

الاول

17 0

────୨ৎ────

الفصل الأول:

وتسقط القصيدة من الطابق الخامس

(من مذكرات نِفـار)

---

"كأنّ الليل مرآةٌ صدئة،

أغسل بها وجهي كل مساء،

فأتذكّرني...

كما لو أنني غبارٌ في الذاكرة."

---

المدينة ليست مدينة.

بل كُتلة إسمنتٍ ترتجفُ في صمت، تصطفّ فيها الأرواح كما تصطفّ العربات المهترئة على جانب الطريق ....والأحلام، أُغلبها مشنوقٌ بين سلكي كهرباء وجدار مائل.

في هذا الصباح الرمادي، وقفتُ فوق سطح بيتنا، أستجدي دفقة شمس لا تأتي.

الريح تُبعثر شعري، وسِنان يصرخ في الأسفل طالبًا قطعة شوكولاتة خبأتها عمداً.

أنا نِفـار…

فتاة تُشبه الدفاتر القديمة، تُخفي في جيب معطفها قصائد لم تكتمل، وتكتُب على أطراف الكتب عباراتٍ لا يفهمها إلا من عاش الخوف بين الأضلاع.

المدينة؟

أُسمّيها "الميناء الرمادي"، مدينة لا يفرح فيها المارّون إلا إذا مرّ الوقتُ سريعًا، ولا تضحك فيها البنات إلا على استحياء.

حين كنت في الخامسة عشرة، ظننت أن الحبّ رسالة وردية تُرمى في خزانتي من شابٍ وسيم في الطابق الآخر.

اليوم، في عامي الواحد والعشرين، أعرف أن الحبّ هو لحظة صمت…

بين شخصين يعرفان أن لا شيء سينقذهما، لكنهما يحاولان.

---

كنت أكتُب في دفتري الأسود، تلك الصفحة التي لم تكتمل منذ أسبوع:

"أيّها الغريب…

إن أردتَ المرور بقربي،

لا تلمس الباب،

بل المس السؤال."

و… كما هي عادتي الملعونة، نسيت تثبيت الورقة بين الصفحات.

هبّت نسمةٌ شاردة —

ونسيتُ أنها تُحب العبث بي أكثر من الناس أنفسهم —

فأخذت القصيدة وسقطت.

سقطت من الطابق الخامس…

من سطحٍ يطلّ على حيٍّ لا يعرف الشعر، ولا يقرأ الغيم، ولا يفهم معنى أن يسقط شيءٌ لا يُرى.

---

صرختُ في الهواء:

"ارجعِ! القصيدة لم تكتمل!"

لكن لا أحد يرجع.

نظرتُ من فوق، فرأيت رجلاً يحمل الورقة، يقف بجانب عربة قهوة، عيناه تمشيان ببطء على الكلمات، وكأنه يقرأ قلبي على العلن.

كان طويل القامة، يميل جسده كمن يحمل شيئًا ثقيلًا لا يُرى، وشعره فوضى منظمة — مثل قصيدة عتيقة،

وعيناه…

عيناه لم تنظر لأعلى.

بل قرأ، ثم طواها برفق، ووضعها في جيبه.

---

في المساء، سألتُ سِنان:

"هل رأيت الرجل الذي التقط الورقة؟"

فردّ بعينيه الواسعتين ككوكب:

"آه... صاحب القهوة؟ اسمه رياح. غريب بعض الشيئ… لكنه طيّب. لا يحب الضجيج."

رياح.

اسمٌ يُشبه الطريقة التي اختطفت بها الريح ورقتي.

اسمٌ يُربكني.

اسمٌ… يُشبهني.

---

في المساء التالي، مشيتُ متخفية حتى عربة القهوة.

لم أكلمه.

لكنه، دون أن ينظر إلي، قدّم لي كوبًا من القهوة،

وقال:

"قصيدتك ناقصة...

لكن مؤلمة."

فانكسر شيءٌ بداخلي…

وسمعتُ صوتًا خافتًا بين قلبي وضلوعي يقول:

هذا غريبٌ... لكن ليس ككل الغرباء.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Άβυσσοc __أبيسوس

المؤلف Demitra.997
2025/08/02 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة