────୨ৎ────
الفصل الخامس – نداءٌ على هامش الصمت
"ما بين أنفاسي اسمكِ...
أخفيه بين الحروف، كأنني أكتبكِ لأهرب منكِ،
وأقرأكِ... لأعود إليكِ."
— رِياح
────୨ৎ────
كانت "نِفـار" تسير بخطًى متوجّسةٍ بين الممرّات، يداها مشغولتان بحمل كومة كتبٍ مستعارة من مكتبة المعهد، وعقلها… يطفو في مكانٍ آخر، مكانٍ يشبه اسمه.
الهواء من حولها كان ساكنًا… أو هكذا ظنّت.
إلى أن سمعته.
صوته لم يكن عاليًا، لكنه نفذ إليها كما تنفذ الرعشة في عمق الجَلد:
— "نِفـار…"
تجمدت.
كأنّ النداء جاء من حلمٍ لم تُكمِل رؤياه.
لم تلتفت.
كأنّ اسمها بات غريبًا حين نطق به غير أهل البيت.
— "نِفـار، لو سمحتِ، لحظة واحدة فقط."
هذه المرّة، سكن النداء شيئًا في صدرها، فاستدارت… ببطء المذهولين.
رأته هناك، واقفًا على بعد أمتار، يشيح بعينيه حين التقت نظراتهما.
وجهه متعب، لكنه لا يتهالك…
وعيناه؟
كأنهما غيمٌ ثقيل، يُخفي مطرًا لم يُولد بعد.
— "قصيدتك…" قالها، مترددًا، ثم أخرج الورقة من جيبه، مطوية كأنّها أمانة.
ناولها إياها دون أن يقترب أكثر.
يداه لم تمتدّا، لكنّ قلبه… ظل واقفًا على حافة التوسّل.
نظرت إلى الورقة، ثم إليه، وقالت، بصوتٍ بالكاد خرج من بين شفتيها:
— "لم أكن أبحث عنها…"
— "لكنها كانت تبحث عنكِ."
شهقت داخليها، دون صوت.
كلمة "كانت" صاغها كأنها نبوءة.
وكأن الورقة… لم تكن ورقة، بل مرآة.
سكتت.
فقال هو، كمن يُحاكم نفسه على الجُرأة:
— "أعرف أني غريب… وأنّكِ لا تملكين رفاهية الحوار.
لكن اسمكِ مكتوب في شيءٍ لم يُكتب بعد.
فقط… أردت أن أقول: لم أعد كما كنت، منذ سقطت الورقة."
نظرت إليه، كمن يريد أن يصرخ… لكنه تراجع عن الحق في الكلام.
ثم قالت، بحذرٍ تربّى في ظلّ الأب:
— "الورقة ليست رسالة."
ابتسم، لكنها ابتسامة من خسر المعركة قبل أن تبدأ:
— "بل كانت حياةً من ورق…
وأنا رجلٌ يتنفّس الحروف، ويُؤمن أن كل شيءٍ حقيقي، حتى الهامش."
ثم استدار، وذهب.
لم يطلب رقمًا.
لم يلمح بإعجاب.
لم يتجاوز تلك الحدود الهشة بين الرغبة والخوف.
ونِفـار؟
وقفت هناك… تحمل الورقة بيدٍ، والاضطراب بكلتيهما.
---
في البيت، طرق سِنان باب غرفتها وهو يضحك:
— "أختي نِفـار! هل يمكن أن أعطي الطيّار قصيدة؟"
— "أي طيّار؟"
— "الذي في رأسي. أريد أن يسافر على قصائدك بدل الأجنحة!"
ضحكت، رغم الألم.
رغم أن أباها كان في الغرفة المجاورة، يُقلب الجريدة كأنه يُفتّش عن خيانة في السطور.
أبوها، الحاكم الصامت، الذي لا يبتسم إلا حين يمرّ اسم "الابن الناجح" في جلسات العائلة.
"نِفـار، لا تنامي متأخّرة، غدًا عندك محاضرات."
قالها بصوته الأجش، الحادّ.
— "حاضر يا أبي."
ثم أغلقت الباب بهدوء، وجَلست خلف الستارة، تنظر للسماء… وتهمس في قلبها:
"ماذا لو أن رِياح لم يكن رِجلاً… بل سؤال؟
وأنا… كنتُ الجواب الذي يخاف من نفسه؟"
Demitra.997