الثالث و العشرون

الثالث و العشرون

13 0

────୨ৎ────

الفصل الثالث والعشرون: حين يتكلم الصمت بلهجة القلب

"ثمّة لحظات لا تُسمّى لقاء، ولا وداع،

بل تلك البرهة التي تتعرّى فيها الأرواح، وتختبر احتمال العودة."

────୨ৎ────

كانت الليلة تمشي على رؤوس ضوءٍ خافت،

والمدينة تتهيّأ للنوم كما تتثاءب امرأةٌ عجوز،

تحتفظ تحت وسادتها برسائل لم تصل، ودموع لم تُذرف بعد.

في الزقاق المؤدي إلى بيت "نِفَار"،

سار "رياح" وحده، يجرّ في قلبه كل الصمت الذي لم يُقال،

كل ما لم يستطع أن يكتبه، لأن اللغة خذلته يوم احتاجها أن تكون شجاعة.

لم يكن يقصد زيارتها.

ولا أن يصادفها.

لكنّه كان يبحث عن نفسه في الطرقات التي كانت تمرّ منها.

كأن خُطاها نسجت خريطةً سرّية،

لا يقرأها سواه.

**

على الجهة الأخرى من الزقاق، كانت "نِفَار" تجلس على مقعد حجريّ مهمل أمام البيت،

تحمل كتابًا، لكنها لا تقرأه…

عينها غارقة في بقعة بعيدة من السماء،

كأنها تتحدث إلى نجمة لا يراها أحد سواها.

اقترب رياح، ببطء يشبه التردّد في قلب عاشق،

ثم قال، بصوتٍ يكاد يكون همسًا:

— "الليل جميل... لكنّه يُجيد فضح من يحاول الاختباء خلف الصمت."

نظرت إليه، نظرة لم تكن دهشة، بل كأنها كانت تعلم أنّه سيأتي.

كأن قلبها سبق قدميه.

— "بل الليل... هو وقت الشجعان. الذين لا يكتبون رسائل، بل يظهرون بأنفسهم."

جلس بقربها، دون أن يلمس حدود ظلّها،

وقال:

— "أعرف أن العودة وحدها لا تكفي... وأن الغياب لا يُمحى بكلمات.

لكنّي لم أعد أستطيع أن أكون في مكانٍ لا يحتوي اسمك، أو يشبهك."

أطرقت لحظة. ثم قالت، بنبرةٍ تحمل وقارًا حزينًا:

— "حين رحلت، لم تقل وداعًا.

لم تترك حتى ورقة،

كأنّك كنت خائفًا من أن تراك حزينة."

أجاب، وقد انكسر صوته من الداخل:

— "كنت خائفًا من أن أراكِ تنتظرينني… فلا أستطيع أن أعود."

**

من نافذة البيت، كانت "الخالة أم عامر" — جارة الطفولة،

تراقب المشهد بهدوء امرأةٍ قرأت ألف رواية،

ثم نادت بصوتٍ يحمل دعوةً ونصيحة:

— "يا رياح... إن كنت رجلًا كما عهدتك،

فلا تقف عند العتبة، بل ادخل من الباب.

والقلوب... لا تُقرع كالأبواب، بل تُؤمن أولًا."

ضحكت نِفار بخجل،

وأجاب رياح — كأنما يشكرها بطريقته:

— "الخالة أم عامر… كانت دومًا تعرف متى يتكلم القلب، ومتى يصمت اللسان."

**

دخلوا البيت على استحياء،

وجلست نِفار في الزاوية ذاتها التي طالما كتبت فيها رسائلها،

وجلست الخالة أم عامر تراقبهم وتعدّ الشاي،

وقالت لهما:

— "الحبّ وحده لا يكفي.

الحياة، يا أولادي، تحتاج عقلًا يصدّق القلب، لا يُكذّبه."

أجابت نِفار، بصوت منخفض:

— "نحن لا نطلب المعجزات، يا خالة...

نريد فقط أن نحبّ دون أن نخسر أنفسنا في الطريق."

**

وبعد لحظات من الصمت،

نهض رياح، اقترب منها،

ثم قال:

— "إذا كان القلب لا يُطلب،

فأنا لا أطلب قلبكِ.

أنا فقط… أعرض عليكِ أن نمضي،

لا كعاشقين، بل كرفيقين... نجرّب أن نكون معًا، دون أن نكسر شيئًا فينا."

نظرت إليه، وفي عينيها ماءٌ كثير، لم ينسكب بعد.

— "رفيقٌ لا يهرب...؟"

— "ولا يتخلّى."

— "ولا يكتبني في قصيدة، ثم يتركني للحبر؟"

— "بل يكتبكِ... ثم يعيش كل حرفٍ فيكِ."

**

وفي آخر الليل،

في الصفحة الأخيرة من دفترها المهترئ،

كتبت "نِفار":

"ثمّة رجالٌ، لا يحتاجون أن يُقسموا،

وجودهم وحده، قسمٌ كافٍ للطمأنينة."

وأسندت رأسها إلى النافذة،

كمن لا ينتظر أحدًا،

لكنّه للمرة الأولى… لا يخشى أن يُنتظَر.

────୨ৎ────

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Άβυσσοc __أبيسوس

المؤلف Demitra.997
2025/08/02 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة