────୨ৎ────
الفصل السادس عشر: بعد كل شيء
“من لم يلتفت يومًا إلى الوراء، لن يرى نفسه تهرول نحوه في كل ذكرى.”
— نِفار
مرت ثلاثُ سنين.
ومثلما يُطفئ المطرُ رماد الموقد، خفتت النيران التي كانت تشتعل في كفّيها، لكن لم تنطفئ...
نِفار لم تعد تلك الفتاة التي تهرب من ظلّها، ولا التي ترتجف أمام حروفٍ غير منطوقة.
لكنها لم تتحوّل أيضًا إلى امرأة كاملة، بل صارت فراغًا يتّسع، صمتًا يستدير كالموج، امرأةً تربّت على الهاوية كلما خطت بثوبها الأبيض بين جدران البيت.
كانت في الثانية والعشرين، وقد صار البيت أكثر صمتًا من قبل، وأكثر برودة.
أبوها لم يتغير كثيرًا، سوى أن نبرته صارت أكثر خشونة، وصدره أقل انفتاحًا...
أما "سِنان"، فكبر قليلًا، وصار يُضحكها في ساعات الموت، حين تنكمش تحت الغطاء كأنها تعود طفلة.
في صبيحةٍ خريفية، جلس سِنان على عتبة الباب ممسكًا بدفتَر رسم، يرسم ظلًا طويلًا لرجل يحمل بين عينيه عاصفة.
قال وهو ينظر لها دون أن يرفع عينيه عن الورقة:
ـ "هو عاد؟ الرجل الغريب اللي كنتِ تحلمين فيه؟"
ابتسمت نِفار بمرارة، ومرّ طيف العيون الهادئة في ذاكرتها كغيمةٍ ثقيلة.
ـ "سِنان، لا تسألني عن أشباح الماضي، أنا بالكاد أستطيع احتضان ظلي."
---
أما رياح...
فقد نجا من الغرق الجسدي، لكنه غرق روحيًا ألف مرة.
اختار أن يُكمل دراسته في أوروبا، تحديدا فرنسا، لنكون اكثر دقة جامعة باريس ..ديكارت كما سميت في الماضي، الطب النفسي...
ربما ليجد تفسيرًا لوجهه حين رآها ترتعش ذات مساء، أو لِمَ كانت نظرتها كأنها تعتذر للعالم عن وجودها.
لم يعد الرجل ذاته.
وجهه صار نحيلًا، وحين يضحك، لا تلمع عيناه.
في حقيبته صورٌ مطوية، رسائل لم تُرسل، وكتاب بخطّها الصغير لم يقرأه إلا مرات معدودات...
كانت غرفته تعجّ بسكونٍ غير قابل للشرح.
وفي إحدى جلساته الجامعية، سُئل:
ـ "ما أصعب شيء فقدته؟"
أجاب بصوتٍ خفيض، لا يسمعه إلا الذين سكنوا الندم طويلًا:
ـ "صوتٌ لم أسمعه كفاية، ويدٌ لم أُمسك بها عندما خافت."
---
وفي الجزائر، في تلك الغرفة البيضاء الصغيرة، كانت نِفار تكتب على أطراف الليل:
"لو التقينا مرة أخرى، لن أهرب... لكنني لن أقترب أيضًا. سأكتفي بأن أراك من بعيد، وأبتسم. ابتسامة كاملة، خالية من الخوف."
وفي الغربة، في مقهى هادئ، كان رياح يقرأ في دفتره بخطٍ لم يعرفه أحد:
"في مكانٍ ما، هنالك امرأة تحمل اسمي في نبضها... لكني خذلتُ الاسم."
Demitra.997