────୨ৎ────
الفصل الثاني:
"هذا الذي سكن الورقة... وخرج مني"
(من أوراق رِياح)
---
"كأنني ظلُّ فكرةٍ لم تُكتَب، أمشي على حوافّ الهامش، أتحاشى الضوء، وأتجنّب السؤال."
---
ثمّة وجوهٍ تمرّ بكَ مرًّا لا يُشبه المرور...كأنهم سُلالة الصمت، ينتزعون منك شيئًا دون أن يلمسوك، كأنهم يشبهون وجعًا تعرفه، ولم تسرده بعد.
أنا رِياح...
ولدتُ في حيٍ لا يُحب الشعراء، حيّ يصفق للواقعيين، ويهتف باسم الذين "اشتغلوا في الورشة"، لكنني كنتُ — ضد رغبة الجميع —
أهوى كتابة ما لا يُقال.
أبي قال ذات شتاء:
"أيُّ فائدة من الكلمات يا بُني؟!
هل تُطعم؟ هل تُشفي؟"
لم أُجبه.
لكنني كلّ ليلة، كنتُ أكتب على حافّة دفاتري:
"لولا الكلمات... لانتحرت النجاة."
---
ذلك الصباح...
كنتُ واقفًا بجانب عربتي البسيطة — عربة قهوة ورثتها عن خالي، أُعدّ أكوابًا للغرباء الذين لا ينظرون في عينيّ،
حين سقطت أمامي ورقة.
لم تكن ورقةً عادية...
بل شهقة مكتوبة.
قصيدة ناقصة...
حزينة مثل وجه أمي حين يبتسم مجاملة.
قرأتُها كمن يقرأ رسالة من ماضٍ لم يعشه:
"أيّها الغريب…
إن أردتَ المرور بقربي،
لا تلمس الباب،
بل المس السؤال."
سألتُ نفسي:
من هذه التي تكتب هكذا؟
من هذه التي تُشبهني؟
من هذه التي تركت جزءًا من روحها في ورقة،
وسقطت عند قدميّ دون موعد؟
---
طويتُ الورقة برفق، وضعتُها في جيبي كمن يخشى أن تتناثر روحه، وقلتُ في داخلي:
"إن عادت تبحث عنها... فهي لي."
وإن لم تعد…فلا بأس، سأعيد كتابتها كل ليلة، إلى أن أُكمل السطر الناقص.
---
في اليوم التالي، جاءت.
كأن السماء قرّرت أن تعتذر لي عن كل خيباتها دفعة واحدة.
شعرها داكن، عينان تائهتان كأنهما تبحثان عن شيء لم يُولد بعد، وجسدها… واقفٌ كمن لا يُريد أن يُرى.
لم تكلّمني.
لكنني كنت أعرف.
هذه هي.
فناولتها كوب قهوة دون سؤال،
وقلتُ، بصوتٍ لم أظنّ أنه لي:
"قصيدتك ناقصة...
لكنّها تُؤلم."
رفعت رأسها، نظرت إليّ نظرةً لا تشبه نظرات الذين مرّوا قبلي، وهمست، بصوتٍ يكاد يكون صمتًا:
"لأنها لم تُكتب لتنتهي… بل لتُوقظك."
---
في تلك اللحظة،
عرفتُ أنني التقيت بنوعٍ آخر من النساء.
لا يُضحكن بصوتٍ عالٍ، ولا يتجمّلن بالكلمات…
بل يُشعلن شيئًا فيك دون أن يقصدن.
---
أغلقتُ عينيّ في المساء، ولأول مرة منذ سنين، لم أكتب في دفتري شيئًا…
لأنني كنتُ ممتلئًا بها.
Demitra.997