────୨ৎ────
الفصل السابع عشر:
مرّت ثلاث سنوات، أو كأنها قرون خرساء.
كلُّ شيء تغيّر... إلا داخلهما.
نفار، تلك التي كانت تحتمي بثنايا خجلها، غدت أكثر اتزاناً، لكن ليس أقل حنيناً.
مضت في دراستها بتفوق مريب، وكأنها تهرب من شيء ما، أو من شخص ما.
البيت... لم يعد كما كان.
أبوها، الذي كان السيف المسلول فوق روحها، هدّه المرض، فاستحال ظلًا لما كان.
وسِنان... يا سِنان!
أضحى صبيًا ذو أحد عشر ربيعاً، أطول قامة، وأكثر ثرثرة، يحتال على الحزن بضحكة، ويحاول أن يُعيد البهجة إلى عينَي أخته التي نضجت قبل أوانها.
أما رِياح...
فقد خرج من الغربة كما يخرج الجندي من حرب طويلة: بأوسمة على الورق، وندوب على الروح.
نال شهادته، وصار يُدرّس الفيزياء الكمية بعد ان تخلى عن علم النفس، لكن ما زال يكتب في الليل رسائل لا يرسلها، على أوراق مهترئة، بنفس الخطّ القديم الذي كانت نِفار تحفظه.
.
.
.
عاد... لا مهرجانات ولا ضجيج.
عاد، لأنه ضاق بالغربة، لا بالبلاد فقط، بل بالغربة التي بينه وبينها.
لم يُخبر أحدًا أنه سيعود. لم يكتب شيئًا على صفحته، لم يرسل بريدًا، فقط اشترى تذكرة باتجاهٍ واحد.
عاد في صيف خانق، والحي كما تركه:
المسجد على الزاوية، الرصيف المشقّق، والأبواب القديمة لا تزال تئن.
لكنه لم يأتِ بحثًا عن نِفار.
أتى ليزور قبر والدته.
كان يحمل في يده وردة واحدة، وفي الأخرى كتابه الأوّل — كتاب ألّفه عن “تجربة الموت دون أن تموت”.
خرج رياح من المقبرة، بصمتٍ ثقيل.
ترك وردته على شاهد أمه، وغادر بخطى بطيئة، كأنّه لا يريد للشارع أن يعرف أنه عاد.
السماء كانت رمادية، والغبار يتطاير مع الريح كذكريات قديمة ترفض أن تُدفن.
مرّ من أمام بيته القديم، لكنه لم يتوقف.
ألقى نظرة واحدة نحو نافذة الطابق الثاني…
كانت مغلقة.
أخذ الطريق السفلي المؤدي إلى الساحة التي كانت تُقام فيها حفلات المدرسة.
كل شيء بدا أصغر.
حتى الأشجار التي كانت تغطي السماء بأوراقها، بدت كأنها شاخت.
.
.
.
---
في تمام الخامسة والنصف مساءً،
ترجّلت نيفار من الحافلة متعبة، ببطءٍ يشبه من ينزل من ذاكرة، لا من مركبة.
لم تكن ترتدي شيئًا لافتًا — فقط معطفها الكحليّ الباهت، وحقيبة جلدية بنّية تهزّ كتفها بتعبٍ شبيه بتعب القلب.
الشارعُ المؤدي إلى حيّها العتيق كان مبلولًا، لا من المطر، بل من شتاءٍ مرّ من هنا وترك آثار قدميه.
كانت الأرض تُصدر أصواتًا رخوة تحت حذائها، وكأنها تتنهد كلما خطت.
في الزقاق الأول، مرّت بجدارٍ مغطّى بالكتابات القديمة، بعضها عن الحب، وبعضها عن الوطن، وبعضها لم يُفهم أبدًا…
لكن نيفار، دون وعي، مدّت يدها ولمست حرفًا منها…
ربما الحرف الوحيد الذي يشبهها: "صبر."
مرّت بباب الجارة العجوز، تفوح منه رائحة النعناع المغلي.
القط الرمادي الممزق الأذن يتبعها كعادته، وكأنه أقسم أن يحرس وحدتها.
.
.
.
"بعض الوجوه لا تغيب… بل تختبئ في الجُرح، وتنتظر أن نشهق بالذكرى."
وقف هناك، والريح تحرّك أطراف معطفه، بينما كل شيء فيه يُقاوم… حتى عينيه.
وهناك، على بُعد خطواتٍ من الصمت،
كانت هي قادمت..بخطوات متعبة.
نِفار، بملامح لم تتغيّر إلا قليلًا.
تلك النظرة نفسها، التي كانت تُشبه أوراق الخريف: شاحبة، خجولة، دافئة…
لكن خلفها الآن، ظلّ خفيف لحزنٍ ثقيل.
لم تكن ملامحها تقول "نسيان"،
بل "مقاومة".
لم تتظاهر بعدم رؤيته، بل رأته…
وتراجعت نصف خطوة، وكأن قلبها لم يتدرّب على مثل هذا اللقاء، وكأن كل ما تكسّر في طفولتها… عاد يئن.
اقترب رياح، بثقل ثلاث سنين، وقال بصوتٍ مبحوحٍ كأنّ الحنين يُخنقه:
"أنا لم أهرب… كنت أبحث عن طريقة لا أنساكِ فيها."
جفلت عيناها، كأنّ الكلمات اخترقت شيئًا صلبًا في صدرها.
همست، والهواء يُرتجف بين شفتيها:
"ووجدت؟"
هزّ رأسه… لا نفيًا ولا إيجابًا.
بل كمن يقول: "أنا تعبت من البحث."
**
مشى كلاهما سويا...
نِفار تمشي بنصفها الهارب، ورياح يمشي بنصفه العائد.
قال رياح فجأة:
"لم أرد أن أراكِ هنا. أردتكِ في نورٍ يشبهك، لا ظلّ يشبهني."
أجابت، ونظرتها مُرتبكة بين السماء والوحل:
"وأنا لم أرد أن أراك في زمنٍ يُربكني، بعد أن رتّبت غيابك كما تُرتّب الخزانة القديمة… لم أكن مستعدّة أن أفتحك من جديد."
**
توقّفوا عند مدخل الزقاق،
الناس لم يكونوا يعلمون أن خلف خطوات نِفار الهادئة…
قلبًا يُصفّق خجلًا، وأن رياح الذي عاد، لم يعد ليمكث، بل… ليواجه ما تبقّى منه.
قالت فجأة:
"إن أردت البقاء… لا تطرق بابي كغريب."
Demitra.997