────୨ৎ────
الفصل التاسع عشر:
“ليس كل من عاد يريد أن يُستقبَل… بعضهم فقط يريد أن يُفهم.”
— نفار
────୨ৎ────
في صباحٍ رماديّ، لا بردٌ فيه ولا دفء، فقط حياد يشبه الصمت بعد البكاء، استيقظت "نِفار" على صياح سِنان وهو يُناديها من المطبخ:
— "استيقظي، إشتريت فطورا من المخبزة التي تحبيها!"
تحرّكت من فراشها، لا بسرعة، ولا كسل… بل كما يتحرك من ترك حلماً مفتوحًا، وعاد إليه مستيقظاً.
في المطبخ، كانت والدتها تُعدّ الشاي، بعينين تُراقبان ما لا يُقال.
و"سِنان" كان يُحاول قصّ شيء، لكن حماسه خانَ ترتيب أفكاره:
— "تخَيلي! قال لي رِياح أنه سيبقى فترة هنا! ويشتغل في جمعية الدعم النفسي، بجانب الجامعة!"
توقّفت نِفار للحظة، وكأن الجملة لم تكن جملة، بل سهمًا خفيفًا استقرّ على صدرها.
قالت أمّها، وهي تنظر نحو ابنتها بعينين فيهما حكمة الخيبات:
— "يا بنتي، ليست كل عودة عودة للقلب. أحيانًا، الناس ترجع لتكفّر، لا لتُكمّل."
اكتفت نِفار بقطعة خبزٍ صغيرة، ثم نهضت.
قال سِنان بفضوله الصاخب:
— "أستذهبين إليه!؟"
نظرت إليه نظرة خفيفة، وقالت:
— "لا… إذا هو لم يغيّر مكانه، فأنا غيّرت توقّعاتي."
**
في الجانب الآخر من المدينة، جلس رياح داخل القاعة الصغيرة للجمعية، يُرتّب ملفات الأطفال، وأوراق المحاضرات القادمة.
لكن تركيزه كان هشًا، كأن كل ملفٍّ يحمله يذَكّره بملفٍ لم يُغلق بعد: نفار.
طرق أحد المتطوعين باب المكتب، ودخل.
— "أستاذ رياح، هنالك طالبة من الجامعة، أرسّلت لك هذه القصاصة، وقالت: إذا فهمتَ، تعال."
ناوله ورقة مطويّة بعناية.
كان الخطّ أنثويًا، رقيقًا، يعرفه كما يعرف اسمه.
كُتب فيها:
"لا أطلب لقاءً.
لكن إن أردتَ أن تسمع شيئًا لم يُقَل بعد…
اذهب إلى الساحة خلف المدرسة، عند الشجرة العرجاء، الساعة الرابعة."
لم تكن موقّعة. لم تحتج.
هي الوحيدة التي تناديه بدون مناداة.
**
في الرابعة تمامًا، كان رياح هناك.
والشجرة… ما تزال تعرج، وكأن الريح التي نحتتها تشبه رِيح تلك الفصول القديمة.
انتظر، ومرّت دقائق كأنّها قرون.
ثم ظهرت… من خلف الجدار، تمشي بثبات من يبحث عن المعنى، لا الذكرى.
لم تقل شيئًا أولاً.
ثم قالت:
— "أتدري، لوهلة تمنّيت ألا تأتي… كي أُثبت لنفسي أنني لم أعد أنتظر."
أجاب، صوته مزيج من حنينٍ وخوف:
— "ولوهلة تمنّيت أن لا أراكِ… كي لا أُدرك أنني ما زلتُك."
نظرت نحوه نظرة محمّلة بكل ما لم يُكتب، ولم يُقال:
— "لماذا اخترت أن تعود بعد أن رتّبتُ غيابك بعناية من لا يملك إلا الاحتمال؟"
تنفّس رياح ببطء، ثم قال:
— "لأنني فهمت، بعد دراسة آلاف العقول… أن الإنسان لا يهرب من الآخر، بل من نفسه ،داخله.
وكل مرة كنت أهرب… كنت أهرب منكِ فيّ."
**
سكتا.
ثم رفعت رأسها، وقالت:
— "أتعرف؟ نحن لا نُشفى من الحبّ… فقط نتعلّم كيف نتعايش معه كألم نبيل."
قال، وابتسامة باهتة ترتسم في عينيه لا فمه:
— "هل هذا يعني أني… مجرد ألم الآن؟"
هزّت رأسها، وقالت:
— "أنت… كنت وطنًا، لكن الوطن أحيانًا يُهجر حتى يبقى جميلًا في الذاكرة."
**
وبعد لحظة، مضت…
تركت وراءها ورقة صغيرة على المقعد، كتب فيها سِنان بخطّه:
"أحيانًا، نغفر… لا لأنهم يستحقّون، بل لأننا نستحقّ أن نهدأ."
────୨ৎ────
Demitra.997