────୨ৎ────
الفصل الحادي عشر — "صهيلُ الضوءِ من قلب الحيّ.
.
.
.
لم يكن مساءً عاديًّا، بل مساءٌ وُلد من فم المزمار، ورضع من ضحكات النساء المتحلّقات على الأرصفة، وأصوات الطبول التي تُرجّ السكون كما لو أنها تستنطق الأرواح النائمة في جدران البيوت القديمة.
في الحيّ، زُفّت العروس، لكن العيون لم تكن كلها مشدودة نحوها. ثمة نظراتٌ سرقت الدرب خلف الراقصين، تبحث عن ظلّ فتاةٍ تشبه الغياب.
كانت نِفَار تقف قرب الباب الخشبي القديم، تراقب المشهد كمن يقرأ فصلاً من كتابٍ لا يخصّه، لكنها مجبرة على حفظه.
فستانها — أزرق داكن بنقوشٍ فضية — بدا مائلًا للحذر أكثر منه للزينة. وشعرها مشدود للخلف، في حركةٍ تدلّ على انضباطٍ لا يتقنه إلا أولئك الذين تعلّموا الصمتَ في سنٍ صغيرة.
سِنان يركض في فوضى الأطفال، يحمل مشعلًا صغيرًا من الورق الملوّن ويصرخ:
"نِفار! نِفار! أرأيت العروس؟ شكلها مثل الأميرات!"
ابتسمت بصمت، تمسح على رأسه. لكن قلبها لم يكن مع سنان، ولا مع العروس، بل مع ذاك الشعور الغامض الذي بدأ منذ أن ناداها أمس... ثم تركها تمضي.
– "هيا يا نيفو! تعالي نرقص قليلاً، لقد وعدتني!" أضاف سنانن بشغف طفولي.
ضحكت بخفة شاحبة، وقالت:
– "بل وعدتك أن نكتب قصيدة بعد الزفاف، أليس الشعرُ أفضل من الرقص؟"
رمقها بعينيه اللامعتين وقال كمن يكشف سِرًّا:
– "لكن القصائد لا تُسمع في الزفّات، الرقص يفرح الناس... أما القصائد، فتُبكي من يفهمها."
فاغتسلت عيناها بدهشة طفله، وهمست له وهي تمرّر يدها فوق شعره:
– "وهل هناك أجمل من الدمع حين يكون من الشعر؟"
.
.
.
وفِي ظلّ الزغاريد والموسيقى، كان رياح هناك. يقف عند زاوية السوق القديمة، خلف كشكه المغلق — يراقب ولا يشارك. كأنما الليل يقف بجانبه، يستمع له دون أن يجيب.
أخوه الأصغر، نديم، اقترب منه:
"لماذا لا تضحك معهم؟ هل أنت في حدادٍ سرّي لا نعلمه؟"
ردّ رياح بصوتٍ كأنّه قادم من أعماق مغارة:
"الضحك حين يُقَسَّطُ لا يُداوي يا نديم... وأنا لا أُجيد السخرية من ألمي."
"هي هنا، أليس كذلك؟" "هي كلّ ما ليس هنا..."
وفي لحظةٍ مباغتة، تقاطعت نظراته بها. نِفَار... كانت قد التفتت بعفويةٍ نحوه، وربما أرادت أن تطمئن لعدم وجوده... أو وجوده، لا فرق. لكنه التقطها، تلك اللحظة التي فرّت من عينيها. وابتسم... لا فرحًا، بل أسفًا.
**
داخل الحفل، النساء يرقصن ويزغردن، يرمين بأغصان الحبق في الهواء. لكنها لم تشارك. جلست قرب عمّتها خديجة، امرأة بدينة، بشفاه تعرف الكثير من الأسرار.
"أراكِ في الأرض، لا في السماء معهم، نِفَار. لماذا تخافين الطيران؟"
"لأن الجناح الأيسر مكسور... والناس لا يسامحون السقوط."
ضحكت خديجة بصوتٍ يشبه طنين النحل:
"الناس؟ من هم الناس؟ نحنُ قطيعٌ من جهلٍ موروث، نخاف من ريشةٍ غريبة وسط سربنا! حلّقي، حتى وإن مزّقتِ صدري بذلك."
كلماتها اخترقت شيئًا في قلب نِفَار، لكنها لم تُظهر شيئًا. فقط نظرت طويلًا إلى السماء، حيث النجوم تلمع كحبات من رجاءٍ قديم.
**
العرس انتهى، لكن الليل لا ينتهي بسهولة. وفي طريق العودة، مشى رياح ببطء... حتى رأى شيئًا صغيرًا سقط من فستان نِفَار. زهرة صغيرة منسوجة بخيط فضي.
رفعها، ثم تمتم:
"حتى الزهر... يتبعها خلسة."
ووضعها في جيبه.
Demitra.997