الثاني و العشرون

الثاني و العشرون

11 0

────୨ৎ────

الفصل الثاني والعشرون: رَجْعُ النبضِ في مدينةٍ نسيت النبض.

"ثمّة لقاءاتٌ، لا تحدث كي تبدأ، بل لتعيد ترتيب الفوضى التي خلفها الغياب."

────୨ৎ────

في ذلك الصباح، كانت المدينة تخرج من نومها على مهل، كما لو أنها تستفيق من حلمٍ ثقيل... رائحة الخبز تعبق من نوافذ البيوت، وصفير الغلّة الأولى يتسلل من الحقول البعيدة، يُبارك اليوم كبركة الصمت بين عاشقين تفرّقا طويلًا، ثم التقيا دون وعود.

في الحيّ، كانت نِفار تضع وشاحًا رماديًّا بلون سكونها الداخلي، تمشي بخطى موزونة، تحمل كتبًا استعارتها من المكتبة القديمة. وفي عينيها، سكينة غريبة... ليست طمأنينة، بل تلك الهدنة التي تسبق الانفجار.

وقف "سِنان"، أخوها الأصغر، على عتبة الدار وهو يأكل شطيرةً بنصف فمه، والنصف الآخر مشغولٌ بالسخرية.

قال لها وهو يمضغ:

— "أراكِ تتأنقين أكثر هذه الأيام... أهو لأجل الكتب؟ أم لأجل من يقرأها؟"

نظرت إليه نظرةً تحمل نصف حنانٍ ونصف تهديد:

— "وما شأن طفلٍ لم يبلغ الحُلم بعد... بأسرار النساء؟"

قهقه سِنان وقال:

— "طفل؟! لقد صرت أقرأ الشعر، وأكتب رسائل غرامٍ خفيّة تحت اسم مستعار: ظلّ سنان."

رفعت حاجبها بدهشة ساخرة:

— "ومَن المَسكينة التي تقرأ لكَ؟"

أجاب بفخر طفولي:

— "لا أظنها تعرف أني أحبها... لكنني أنتظرها أن تردّ. مثلما يفعل رياح، صحيح؟"

جمدت في مكانها، وابتسمت على مضض:

— "الذين ينتظرون طويلاً، إما أن يُرهقهم الانتظار... أو يُنضجهم الصبر."

ثم تركت المنزل، وتركت خلفها ظلًا خفيفًا من عطر الرمان والحنّاء.

**

في المساء، اجتمع أهل الحيّ في "الديوان" — القاعة القديمة التي رممتها البلدية حديثًا، وجعلت منها مركزًا ثقافيًا. كان ثمّة محاضرة حول أثر اللغة في تشكيل الهوية، يُلقيها أستاذ جامعي حضر من العاصمة، ودُعي رياح ليشارك بنصٍّ شعري قصير من تأليفه.

حين صعد المنصّة، كانت نِفار تجلس في الصف الثالث، تكتب ملاحظاتها دون أن ترفع رأسها، كأنها تتجاهل شيئًا يملأ المكان، ويضيق به صدرها.

قرأ رياح، بنبرة هادئة لكن ممتلئة بالشجن:

"ما كلُّ البُعد نفيٌ،

وما كلُّ القُربِ أمنٌ،

هنالك أرواحٌ، وإن غابت،

ظلّت فينا كعطرٍ

لا نراه... لكنّه يشهق بنا."

ارتجّ الصمت للحظة.

رفع رياح عينيه، فالتقت نظراته بعينها العابرة، كأنهما صادفا بعضهما داخل آيةٍ لم تُفسَّر بعد.

**

بعد نهاية الندوة، اقتربت "أمّ عامر" — جارة العائلة، امرأة خمسينية لها لسانٌ كالسيف، لكنها محبّة بعمق:

— "يا ابنتي نِفار... أأنتِ التي كتبت تلك المقالة في النشرة الأخيرة؟"

هزّت رأسها تواضعًا:

— "بلى، لكنّها ليست شيئًا يستحق الذكر."

ضحكت أم عامر:

— "بل تستحقين الذكر والدعاء... منذ زمن لم يكتب أحد عن المدينة بهذه الروح."

ثم مالت نحوها، وهمست:

— "وذاك الشابّ... الذي قرأ الشعر؟ عينيه تفضحان أكثر مما يقول لسانه."

ردّت نِفار بخجلٍ متماسك:

— "أحيانًا، من يكتب الشعر لا يعنيه شخص بعينه... بل يعني كل من عاش الحزن بصمت."

**

بعدها، في الطريق المؤدّي إلى منزلهم، سار رياح ونِفار بخطوات متوازية، دون تنسيقٍ مسبق. كانت المسافة بينهما كافية لئلا تثير الريبة، لكنها ضيّقة بما يكفي ليسمعا أنفاس بعضهما.

تحدث رياح أولًا، دون أن ينظر إليها:

— "قرأتُ لكِ مقالتك عن صمت المدن... كان المقال أشبه برسالة غير موقّعة."

ردّت بهدوء:

— "وأنت... قصيدتك كانت شُرفةً مفتوحة على الذكرى."

سكتا. ثم قالت:

— "الحياة تغيّرنا، أليس كذلك؟"

— "بل تعرّفنا على أنفسنا أكثر... كأنها تمتحننا بالغياب، لنرى من يستحق البقاء في الذاكرة."

أجابت، وفي صوتها ما يشبه الرعشة:

— "وأنت... عدت لتبقى؟ أم لتعرف فقط إن كان لك مكانٌ هنا؟"

توقّف لحظة، ثم أجاب:

— "عدتُ... لأن الذاكرة وحدها لا تكفيني. أردتُ أن أكون احتمالاً حقيقيًّا، لا شبحًا يزوركِ في الحروف."

**

عند باب البيت، وقف سِنان يلوّح من الشرفة:

— "أنتما تأخرتما كثيرًا! سأكتب عنكما قصّة حبّ خيالية في روايتي القادمة!"

ضحكت نِفار، أخيرًا، لأول مرة منذ عودته، ضحكةً قصيرة، لكنها صافية.

قال رياح، وهو ينظر إلى الشرفة:

— "أخوكِ... شاعرٌ بالفطرة."

أجابت:

— "وأنت... كأنك صرت تفهمنا أكثر مما كنت تفهم نفسك من قبل."

**

في الداخل، كتبت في دفترها المهترئ:

"ثمّة أرواحٌ، لا يُطردها الغياب، ولا يُفزعها العتاب،

هي فقط... تعود حين يهدأ كلّ شيء،

وتجدنا ما زلنا ننتظر، دون أن نعترف بذلك."

ثم أغلقت الدفتر، وأسندت رأسها إلى النافذة، كمن يراقب بداية شيءٍ لا يشبه البدايات السابقة.

────୨ৎ────

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Άβυσσοc __أبيسوس

المؤلف Demitra.997
2025/08/02 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة