كانت "قاعة البيداء" تموج برجال الحكم وحكماء القبائل،
والأحاديث تتشابك فيها كالخيوط،
كل خيط يحمل فكرة،
وكل فكرة تحمل خوفًا مكتومًا لا يتجرأ أحد على الاعتراف به.
آدراكس يجلس على مقعده المرصع بالياقوت الأسود،
وعيناه تراقبان كل شيء:
الوجوه، الحركات،و حتى الصمت
لكن في ذلك اليوم،
كان هناك شيء لا يراه أحد، سوى الأرض.
بدأ المجلس كالمعتاد.
طرق الطبول الثلاثة اهتزت في القاعة،
وتبعها صوت الكاتب الملكي وهو يعلن بداية الجلسة.
وقف أول زعيم من زعماء الساحات وقال:
"مولاي، التجارة تتراجع.
على الناس أن يشعروا بأن المملكة تمتد لا تنكمش."
ردّ آدراكس ببرود صلد:
"المملكة لا تمتد بالطرق،
بل تتسع بالعدل."
ثم التفت إلى رجل آخر وهو يرفع راية حمراء صغيرة.
كان لونها علامة على أمر خطير.
قال الرجل بصوتٍ خفيض:
"مولاي، هناك حديث بين العامة.
شائعات عن ترددات غريبة على السطح.
تتحرك و تقترب من أحد مداخل المملكة."
توقّف المجلس لحظة.
السرمديون لا يحبّون الحديث عن السطح.
السطح بالنسبة لهم:
إمّا موت، أو أسطورة.
ردّ آدراكس بهدوء أشبه بالسكين:
"الشائعات ليست دليلًا.
والخوف لا يحكم به شعب."
لكن قبل أن يكمل،
حدث شيء لم يشهده أحد في أرض العزة من قبل.
ارتج الجدار الحجري للحظة قصيرة.
اهتزّ كأن قلبًا ضخمًا تحته نبض نبضة واحدة.
سكت الجميع،
حتى الأنفاس توقفت.
لم يكن ذلك زلزالًا ، ولا انهيارا ، بل ومضة .
ومضة ضوء أبيض خافت،
لم يشع،
بل انطفأ قبل أن يرى.
كأنه حاول أن يولد ثم مات.
شعر بعض الحضور بأن الهواء انكمش.
آخرون شعروا بأن أصواتهم اختفت لجزء من الثانية.
وآخرون رأوا ظلهم يتأخر بكسرة لحظة.
قال أحد القادة وهو ينظر إلى رجليه:
" هل رأى أحدكم ما رأيته؟"
قال آخر وهو يلمس جدار القاعة:
"أحسست كأن الجدار تنفس!"
لكن آدراكس.
كان الوحيد الذي لم يتحرك.
بدا كأنه يعرف هذا الشعور.
أو يتذكره.
أو يخشاه.
اقترب إرمان وقال بصوت خافت،
كأنه يخاطب نفسه:
"هذا ليس خللاً في الأرض،
هذا شيء آخر.
ومضة لا تأتي من الداخل…
بل من خارج المملكة."
رفع آدراكس عينه ببطء وقال:
"من أين؟"
رد إرمان، وعيناه ترتعشان دون إرادته:
"من فوق.
من حيث يعيش أهل القبة."
ساد صمت أثقل من الصخر.
منذ قرون لم يصل المؤثرون من فوق الرمال إلى أرض العزة.
لم يحدث تداخل.
لم يحدث عبور.
لم يحدث صوت.
لكن ما حدث اليوم:
لم يكن صوتًا،
ولا صورة،
ولا حركة.
كان خيطا زمنياً صغيرًا ضل طريقه.
وقف آدراكس فجأة.
حركة واحدة فقط،
لكنها كانت كافية لتسكت المجلس كله.
ثم قال:
"الزمن لا يخطئ.
وإذا دخل زمن غريب أرض العزة…
فذلك يعني أن هناك شيئًا يتحرك فوق الرمال."
اقترب منه إرمان وقال:
"مولاي، هل نرسل القوات للتحقق؟"
أجابه آدراكس بصوتٍ منخفض:
"لا.
من يتحرك فوق الأرض…
لم يدخل بعد.
ولكنه سيحاول…
وسنراه حين يقترب."
ثم قال:
"هذه الومضة… لم تكن لنا.
كانت رسالة لم يفهمها مرسلها…
ولم نُخلق بعد لفهمها."
تراجع المجلس ببطء،
وخرج القادة واحدًا تلو الآخر،
لكن كل واحد منهم كان ينظر إلى جدران البيداء
وكأنه يتوقع أن تتنفس مرة أخرى.
وقبل أن يغادر إرمان،
قال لآدراكس:
"مولاي… إذا تكرر هذا الحدث،
فهذا يعني أن العالم فوق يحاول أن يقول شيئًا."
رد آدراكس:
"ولن أسمح له أن يقول شيئًا
قبل أن نعرف من المتكلم."
خرج إرمان،
وبقي آدراكس وحده في القاعة.
رفع رأسه نحو السقف الحجري،
حيث لا يرى شيئًا،
لكن يشعر بكل شيء.
ووضع يده على الجدار
وقال بصوت لا يسمعه أحد:
"الزمن بدأ يطرق الباب،
ونحن لسنا جاهزين بعد."
Youssef Elmelegy