ملحمة كارا

ملحمة كارا

20 0

بدأت أولى الطلقات تشق صمت الليل كصفيرٍ قادم من الجحيم، تبعها دويّ انفجار هزّ الأرض تحت أقدامهم. تحولت السماء من لونها الرمادي القاتم إلى وهجٍ أحمر كأنها تنزف دماً، وانعكست ألسنة النار على الثلوج البيضاء فبدت الأرض وكأنها تحترق من الداخل.

ركض الجنود في كل اتجاه، بعضهم يسقط قبل أن يعرف من أين أتته الرصاصة.

صرخ أحدهم من فوق برج المراقبة:

"إنهم هنا! قوات الكيان اخترقت الدفاعات!!"

تدفقت المدرعات عبر الممرات الجليدية، تضيء أنوارها الباردة وسط الدخان، وأزيز طائرات الدرون يملأ السماء.

اختبأت نوڤا خلف حاجز معدني، يداها ترتجفان وهي تراقب جنديًا من المقاومة يسقط أمامها، جسده يتلوى بين الرماد والثلج. لم تعرف هل تبكي أم تصرخ، لكن جسدها لم يتحرك، وكأن الخوف جمدها في مكانها.

جاء سام من بعيد، يطلق النار وهو يصرخ بصوتٍ متقطع وسط الضجيج:

"نوڤا! إلى الخندق الخلفي… بسرعة!!"

انطلقت تجري خلفه، والرصاص يمر بجانب أذنيها كهمس الموت.

وعندما وصلا إلى المخبأ، كان المكان يعج بالجرحى، وجنود المقاومة يحاولون الصمود حتى اللحظة الأخيرة.

أمسك سام بيدها وقال:

"اسمعيني جيداً… إذا سقطنا هنا، فكل شيء سينتهي. هناك طريق خلفي يؤدي إلى النفق الجليدي، ستخرجين من خلاله شرقاً نحو روسيا، هل فهمتِ؟"

أومأت برأسها بخوفٍ وهي تلتقط أنفاسها.

وفجأة، دوّى انفجار هائل قربهم، فاندفع سام ليحميها بجسده مرة أخرى، وارتطما بالجدار الحديدي للمخبأ.

الضوء الأبيض الكثيف غطى كل شيء، ثم بدأ الغبار يتساقط كثلجٍ قاتم.

فتحت نوڤا عينيها بعد دقائق من الصمت المطبق، لم تجد أحداً حولها. لم تسمع سوى صفيرٍ بعيد وصرير الرياح وهي تجرّ رماد الحرب.

القاعدة تحولت إلى أطلال. لا حياة فيها و لا صراخ، لا مقاومة.

زحفت على الأرض الباردة حتى وجدت جثة سام هامدة، يده ما زالت تمسك بسلاحه، وعلى صدره شارة المقاومة التى و ضعها هو و جنوده قبل بدأ المعركة .

أغمضت عينيه ببطء وقالت بصوتٍ خافت:

"لقد وعدت أن تبقاني حيّة… وها أنا وحدي"

وقفت بشجاعةٍ رغم ضعفها، التقطت سلاحه من الأرض، ونظرت نحو الأفق البعيد حيث تلوح أنوارٌ باهتة خلف الجبال الجليدية.

عرفت أنها الطريق إلى روسيا… إلى المجهول.

كان الثلج يكسو كل شيء من جديد، لكن خطواتها تركت خلفها آثاراً واضحة في الجليد، وكأنها توقّع بداية فصلٍ جديد من القدر.

هكذا غادرت نوڤا معسكر كارا الهالك، آخر قلاع المقاومة، وهي لا تعلم أن ما ينتظرها في روسيا سيكون أعظم من الحرب نفسها، وأن الدم الذي أريق هنا لم يكن إلا مقدمةً لملحمةٍ أكبر....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سمفونية النهاية : الجزء الثاني

المؤلف Youssef Elmelegy
2025/10/17 مستمرة
قائمة الفصول (18)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة