أرض العزة

أرض العزة

17 0

في الجنوب الغربي من الصحراء، حيث تموت الرياح قبل أن تصل، وحيث تنحني الشمس إجلالًا للرمال القديمة، تقع المملكة التي لا يجرؤ أحد على ذكر اسمها بصوت خافت..." أرض العزة "

لم يكن الوصول إليها ممكنًا من فوق الأرض، إذ تبدو الصحراء التي تغطيها بلا نهاية، ممتدة بلا علامة، بلا أثر حياة، كأنها قبر للقرون البالية.

لكن من يعرف السر،

يعرف أن ما يُرى ليس إلا الغلاف الأول للعالم.

على عمق ثلاثة أميال من الرمل، تنفتح المملكة كأنها قلب الأرض نفسه، متوهجة بضوءٍ ذهبي خافت، صادر من آلاف الأحجار المتلألئة، تلك التي تركها المصريون القدماء يوم أدركوا أن زوال عصرهم يقترب.

فبنوا مدينة لا يليق بها إلا الخلود.

السرمديون — أهل الأرض الباطنية — لم يكونوا مجرد شعب.

كانوا سلالة متماسكة، تخلّقت من حكمة الجنوب ودهاء الفراعنة وقدرة الناجين على تحويل البوار إلى حياة.

وجوههم تشبه الرمال التي تحيط بهم: هادئة، صلبة، وأبدية.

عيونهم تحمل لون العتمة العتيقة ورائحة التاريخ المطعون في خاصرته.

كانوا الأقرب إلى الأرض من أي شعب.

يسمعون همسها حين تغضب، ويدركون صمتها حين تحزن.

يتعاملون مع المعرفة بقدسية، ومع القوة باحترام، ومع الخيانة...

بصرامة لا نجاة منها.

في وسط المدينة، يمتد سوق "العين الكبرى"

ممرات حجرية واسعة، تتلألأ جدرانها بنقوش أجدادٍ أخفوا أسرارهم بين الحروف،

وتعلوها قبب زجاجية عملاقة تسمح للضوء الاصطناعي بالانسياب داخل الأزقة،

فتمتزج الظلال كأنها رقصة بين الماضي والحاضر.

رجال السرمد يرتدون أزياء بسيطة، لكنها تحمل في أنسجتها رموزًا دلالية تقول لمن يراها:

“هؤلاء ليسوا أبناء اليوم ، هؤلاء أبناء القرون.”

أما نساؤهم فكنّ أشبه بالتمائم الحيّة:

وقار في الخطوات، حكمة في العيون، وقوة لم تختبر بعد.

في ذلك الصباح، نقل الجنود إلى الساحة العليا رجلًا مكبلًا بالسلاسل.

وجوههم جامدة، كأنهم يؤدون طقسا دينياً لا مهمة عسكرية.

وقفوا عند حافة دائرة كبيرة محفورة في الأرض

دائرة تعرفها مملكة العزة جيدًا . تدعى " حفرة الهيم".

حفرة لا يقال عنها سوى جملة واحدة:

“من دخلها ، دخل لقبره.”

اقترب آدراكس ببطء، كأنه يزن الأرض تحت قدميه مع كل خطوة.

كان ظهره مستقيمًا، وصوته حين يتحدث لا يحتاج إلى ارتفاع كي يسمع .

يكفي أنه صوته.

حدّق في الرجل الراكع أمامه.

لم يصرخ، لم يبكي، لم يطلب رحمة.

كان يعلم أن الرحمة لا تعطى لمن يطعن شعبه ،

و يخون ملكه .

قال آدراكس بنبرة ثابتة:

"أرض العزة لا تسقط بالخيانة.

ومن يريد أن يسقطها ، يسقط وحده ."

ارتجفت جدران الساحة بصدى صوته،

وشعر الجميع بثقل الكلمة وهي تهوي على صدر الرجل.

رفع آدراكس يده إشارة للبدء،

فأمسك الجنود بالخائن واقتادوه نحو حافة الحفرة.

لم تكن الحفرة عميقة جدًا ،

لكن الخروج منها كان مستحيلًا.

ترددت صيحة قوية ، تتلاشى مع كل متر من السقوط ،

حتى اختفت .

سكت الجميع لحظة.

ثم قال آدراكس بصوتٍ خافت لكنه مسموع للجميع:

"الخيانة ليست فعلًا ، بل وباء.

لو لم يسقط ، فسينتشر ."

انحنى الشيخ إرمان — كبير العلماء — وقال:

"مولاي، الشعب يراك كما رأيناك حين ظهرت لأول مرة:

عينًا لا تخطئ… وسيفًا لا يصدأ."

لم يبتسم آدراكس، ولم يظهر على وجهه أي أثر للرضا.

بل قال:

"الشعوب لا تبنى بالهيبة،

بل بالعدل.

واليوم، قد اكتمل العدل."

رفعت الجموع أصواتها تهتف:

"آدراكس! آدراكس! آدراكس!"

وارتفعت الهتافات من الممرات العميقة، من البيوت،

إلى الساحلت ،

كأن الأرض تردد تاريخها العظيم ،

وتردد اسم الرجل الذي جاء ليوقظ الرمال بعد نوم طويل.

لكن آدراكس كان يعلم — وحده —

أن النوم انتهى،

وأن زمن العيون المفتوحة قد بدأ.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سمفونية النهاية : الجزء الثاني

المؤلف Youssef Elmelegy
2025/10/17 مستمرة
قائمة الفصول (18)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة