الأنفاس الأخيرة " السكين في العين"

الأنفاس الأخيرة " السكين في العين"

17 0

(الجزء الرابع)

مع شروق شاحب للشمس خلف الغيوم الرمادية، بدأ الدخان يتلاشى جزئيًا، كاشفًا عن بقايا القاعدة المدمرة. المقاومون، مثقلون بالدماء والتراب، وقفوا بين الركام، كل جندي يلهث من التعب، كل عين تحمل مرارة الألم وقوة الانتصار.

نوڤا كانت في المركز، جسدها ممزق بالجروح، لكنها ثابتة، رمز حي للمقاومة. حولها المقاومون رفعوا سكاكينهم مرة أخرى، صيحة جماعية تتردد عبر الحطام:

السكين في العين!

قوات الكيان المتبقية تراجعت ببطء، جثثهم على الأرض، دباباتهم المدمرة تتصاعد منها الدخان، والقاعدة الآن تحت سيطرة المقاومة. لكن نوڤا تعرف أن هذه ليست النهاية. على الأفق، خطوط جديدة من قوات الكيان تظهر، وهدير دباباتهم البعيدة يذكّر الجميع بأن المعركة لم تنته بعد.

نوڤا تنفست بعمق، عينها تتجول بين المقاومين،وتقول لهم :

لقد انتصرنا اليوم، لكن الغد سيحمل لنا تحديات جديدة. لا تنسوا… كل سقوط للعدو… السكين في العين!

حركة نوڤا بين الجنود لم تتوقف؛ كانت ترفع المصابين، توجه القناصة، توزع الذخيرة، وتزرع في كل قلب روح القتال المستمر. كل ضربة، كل طلقة، كل انفجار أصبح جزءًا من أسطورة تُكتب في دماء المقاومين، وكل مقاتل يشعر بأنه أكثر من مجرد جسد يقاتل ، إنها إرادة لا تنكسر.

القاعدة تهدأ تدريجيًا، لكن الغموض يملأ الأفق. نوڤا وقفت على حافة إحدى الأبنية المدمرة، نظرت بعيدًا، الدخان يغطي الشمس جزئيًا، والرماد يتطاير في الهواء. في تلك اللحظة، كان كل شيء هادئًا بشكل مخيف؛ صمت قبل عاصفة، انتظار لما سيأتي.

صمت الميدان للحظة… فقط أنين الحديد المحترق وصوت المطر وهو ينزل فوق الجثث.

السماء تشتعل من أثر الصواريخ، وريح باردة قادمة من الشمال ترفع بقايا الدخان فوق القاعدة الأخيرة.

كانت نوڤا واقفة على أطلال أحد الأبراج المنهارة، كتفها مضمد بقطعة قماش غارقة بالدم، يحيط بها عشرات المقاتلين الجرحى.

رفعت سكينًا مغطاة بالدم، غرستها في عين جندي من الكيان ، وقالت بصوت يسمعه الجميع:

كل من يقتل واحدًا منهم، يزرع سكينًا في عيونهم… ليتذكروا أننا لا نموت.

خلفها، كانت صفوف الدخان تنشقّ عن أفق جديد… أسلحة الكيان الثقيلة ، دباباتهم المحطمة تتناثر في الثلج. المقاومة، رغم الدم، انتَصرت ولو مؤقتًا.

اقترب منها القائد الميداني وقال:

لقد فعلناها… ولكنهم سيعودون، بأعداد أكبر.

ردّت وهي تنظر نحو السماء الرمادية:

فليعودوا… نحن الآن نعرف الطريق إلى أعينهم.

ثم التفتت نحو الجميع، ورفعت يدها الملطخة بالدماء:

لا تنتظروا المعجزات، بل اصنعوها…السكين في العين!

ردد الجميع الصرخة، مئات الأصوات تملأ المدى، صدى حاد يرتد بين الجبال الثلجية.

من بعيد، كانت صواريخ المقاومة محلية الصنع تُجهّز للإطلاق، راجمات بدائية لكنها قاتلة، تحمل شعارًا واحدًا محفورًا على المعدن:

“السكين في العين”.

أطلقت الصواريخ نحو الأفق، انفجرت فوق رؤوس العدو المنسحب،

وهناك -تحت المطر الرمادي-كانت نوڤا تبتسم لأول مرة منذ شهور.

وجهها مجروح، لكنها تقف مستقيمة، يداها ترتجفان، والسلاح على كتفها، و تمسك قلادة أمها و تقول بهمس لا يسمعه إلا الريح:

لقد و عدتك يا أمي ... و عدتك بأن الحرب لن تنتهي هنا .

المشهد يبتعد تدريجيًا ...

القاعدة تتحول إلى ساحة موحّدة من النار والثلج، والمقاتلون يتحركون لتثبيت الدفاعات الجديدة.

في الأفق، أضواء الكيان تتراجع، لكن ظلّهم لا يختفي.

بين الثلج والنار، بقيت نوڤا واقفة، والسكين في يدها، لا في العين فقط ، بل في قلب كل من ظن أن الأرض تخضع لمن يملك القوة ، بل تخضع لمن يعزف سمفونية العزيمة والإصرار .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سمفونية النهاية : الجزء الثاني

المؤلف Youssef Elmelegy
2025/10/17 مستمرة
قائمة الفصول (18)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة