بعد رحلةٍ طويلة فوق بحار الشمال، من حدود أيسلندا البحرية حتى مضيق كارا في شمال غرب روسيا، وصلت نوڤا نيدڤيد أخيرًا إلى اليابسة.
كانت الرياح الباردة تصفع زجاج المروحية العسكرية كأنها تحاول إسقاطها، وصوت المحركات يتلاشى تدريجيًا مع كل كيلومتر يقتربون فيه من الأرض.
قال سام وهو يحدّق في مؤشرات الوقود:
"نقترب من النهاية… إن لم نهبط الآن، سنسقط قريبًا."
أومأت نوڤا بصمت، تنظر من النافذة إلى رقعة الأرض البيضاء التي تمتد بلا نهاية، حتى لاح لهم من بعيد مدرج طيران نصف مطمور بالثلج وأبراج مراقبة محطّمة.
اقتربت المروحية وهبطت بعنف، ودوّى صوتها وسط الصمت الجليدي للمكان.
فتح سام الباب الحديدي وقال بصوتٍ عالٍ وسط العاصفة:
"تحركوا! حافظوا على التشكيل!"
هبطوا واحدًا تلو الآخر، والثلج يغمر أحذيتهم حتى الركبتين، إلى أن لمح أحد الجنود أعمدة دخان خفيفة تتصاعد من خلف المدرج.
تقدّم سام ببطء رافعًا سلاحه، وصاح:
"هنا فرقة حماية قادمة من واشنطن! هل من أحد؟"
لم تمر لحظات حتى خرج من بين الدخان مجموعة من الرجال بزيٍّ عسكري أبيض مموه، على اكتافهم شعار المقاومة الروسية، وجوههم مغطاة بالأقنعة، وأعينهم متحفزة ، و متأهبين لأي اشتباك .
تقدّم أحدهم وقال بلهجة حازمة:
"من أنتم؟ هذا الموقع تحت سيطرة جيش المقاومة الشمالية. أية وحدة تتبعون؟"
تقدّم سام خطوة وقال:
"النقيب سامويل ديڤيد ، وحدة الحماية المدنية من الدرجة الأولى 01. معنا ناجية بأمرٍ مباشر من قيادة أوسلو."
سادت لحظة صمت، ثم قال بسخرية :
" سقطت أوسلو للأسف ، مصيركم محتوم معنا "
و أشار إليهم و قال :
"أنزِلوا السلاح، وادخلوا. هذا المكان ليس آمناً في الخارج، العين ما زالت تراقب."
دلفوا إلى داخل القاعدة، وهناك رأت نوڤا ما لم تتوقعه ، عشرات الجنود، نساءً ورجالاً، يرممون الأسوار ويصلحون المركبات المعطوبة.
كانت الأرض مليئة بالصناديق الخشبية، وبنادق موضوعة على طاولات معدنية، وشاشات مراقبة تعرض خرائط تتبع إشارات جوية.
رائحة الزيت والدخان والبارود تملأ الجو، لكن كان فيها شيء من “الحياة” رغم الدمار.
قال أحد القادة، رجل في الخمسين بملامح حادة وندبة عميقة على وجهه:
"أهلاً بكم في معسكر كارا، آخر ما تبقى من جيش الشمال."
ثم نظر نحو نوڤا بتعجب :
"وهذه الصغيرة… أهي من طاقمك؟"
رد سام بسرعة:
"ناجية من واشنطن، نُقلت بأمر مباشر من قيادة أوسلو . لا أحد يقترب منها إلا بإذن."
ابتسم القائد ابتسامة باهتة، وقال:
"واشنطن ؟ الم تسمع بأنها سقطت منذ أسبوع بضربة نووية قاسية و محت أكثر من مليار نازح بتوابع زلازل و تسونامي مسحت سواحل أوروبا الغربية و معظم دول شرق آسيا!؟؟"
ساد الصمت. نظرت نوڤا نحو سام بعيونٍ متسعة، وكأن آخر خيط أملٍ كان بداخلها انقطع.
ثم قال سام بصوتٍ متوتر:
"ومن يدير المعسكر الآن؟"
"اللجنة الانتقالية للمقاومة. نحاول الحفاظ على الشمال قبل أن يبتلعنا الكيان تماماً."
اقتربت نوڤا من إحدى الشاشات، كانت تُظهر نقاطًا حمراء تتوزع على خريطة روسيا، وسألت بخفوت:
"وما هذه الإشارات؟"
قال لها :
"طائرات استطلاع للكيان. تقترب أكثر كل يوم من هنا"
ثم قال أحد جنود المراقبة الجوية :
" الكيان رصدنا !! على بعد ٣٠ ميل ! "
ثم قال القائد بسرعة بصوت صارخ :
"لقد سمعتم ما قاله !! ارفعوا حالة الاستعداد القصوى ، لدينا ٣٠ دقيقة !!! "
تحركت القاعدة بأكملها، الجنود يجهزون الأسلحة، والأضواء الحمراء تدور فوق الأسطح.
جلست نوڤا في زاوية الغرفة، تتنفس بصعوبة وهي تراقب الاستعدادات من حولها، تدرك أن ما ينتظرهم هذه المرة لن يكون مجرد معركة دفاعية.
اقترب سام منها وقال بهدوء:
"علينا أن نصمد حتى الفجر، بعدها سننطلق إلى الشرق… إلى القواعد المتبقية."
ثم قالت :
"الشرق؟ إلى أين بالتحديد؟ ولما لانذهب إلى الملجأ !؟ "
قال :
"هل سمعتي ما أقول ؟؟ لا يمكننا الذهاب إلى الملجأ ، سنغرق في الثلوج !! "
نظرت نوڤا من خلال النافذة الصغيرة في الجدار، حيث كان الثلج يتساقط بغزارة، وصوت صفارات الإنذار يعلو أكثر فأكثر.
كان في عينيها مزيج غريب من الخوف والإصرار، وكأنها بدأت تدرك أن دورها لم يعد مجرد نجاة، بل بداية مسار جديد سيقلب حياتها رأسا على عقب .
وفي الخارج ، بدأت أولى طلقات الليل تُسمع من بعيد…
كانت ملحمة كارا قد بدأت للتو.
Youssef Elmelegy