اَلْفَصْلُ الْخَامِسُ بَعْدَ الرّابِعِ عَشَر: نَخبُ النّهايَة
اَلرّابع مِن أيلول..
تردّد تاريخ اليوم طائفاً عبْرَ طيّات عقلي، بينما أسير بخطىً بطيئةٍ نحو المطبخ.
وحتّى بعد أن دخلته، لم ألبث طويلاً.
التقطتُ كأساً واحداً ذا ساقٍ رفيعة.. ثم أوّل زجاجة فودكا لمحتها قرنيّتي.
أخذتُ الاثنين بين أصابع يدٍ وحيدة، ثم خطوت من جديد أغادِر المطبخ، متوجهاً نحوَ غُرفتي.. وضعتُ ما بيدي على حافة المكتب، ثم أدخلت يداً أسفل وسادتي.
أخرجتُ من هناك شريط أقراصٍ سبق و أخذتُ مِنه بضع أقراص في وقتٍ سابق، لكن الأغلبية الساحقة لازالت محصّنةً بين فقاعاتها البلاستيكية والغلاف المعدنيّ الرقيق من خلفِها.
إنه شريطٌ من أقراص الفاليوم.. أقراص منوّمة... وقد لا يستيقظ متناولها لو أخطأ الاستعمال.
كغيره من الأدوية... الجرعة الزّائدة قاتلة.
فقأتُ غطاء الأقراص واحدةً واحدة.. بينما بيدي أعترض طريق سقوطهم... لن أُهدِر أياً من السّم هذه المرة.
قرّبت الحفنة لأنفي أستنشق عبَقها.. الحقيقة أن لا رائحة مميّزةً لهذه الأقراص الصغيرة.. مجرّد رائحةٍ دوائيةٍ خفيفة عادية.
أبعدتُها عن وَجهي قليلاً... حملَقتُ بها لبضع ثوانٍ، ثم أفرغتُ كامل الحفنة عبر فوّهة الكأس الزجاجي.
مدَدتُ ذراعيَ أرفع قنينة الفودكا من خلف الكأس.. فتحتها، ثم أفرغت بعضاً من محتواها فوق الأقراص المتكدّسة.
ملأت الكأس حتى شارف على الفيضان، ثم ألقيت الزجاجة نصف الممتلئة خلفي.
صوت تهشّم الزجاج رنّ في أنحاء غرفتي، بينما السائل الشّفاف المقطّر فرش جُزءً من الأرضيّة الإسمنتيّةِ المُلمّعة.
لم أهتمّ كثيراً، لففْتُ رأسي أعيد ناظريّ لسطح مكتبي.. رفعتُ لوحة المفاتيح السّوداء قليلاً لأسحب الورقة مربّعة الشّكل من جديد.
التقطت قلماً.. هممتُ بالكتابة، لكني توقّفتُ قليلا.
غادرتُ حُجرتي لدقائق، وسرعان ما عدتُ حاملاً لشمعة صغيرةٍ موقدةٍ في يدي.. وضعتها على زاوية المكتب العليا، ثم سحبتُ ورقةً بيضاء متوسطة الحجم.
تركت الحريّة للقلم ليقود يدي كيفما شاء، كما تركت لها الحُرّية لخطّ ما شاءت بحبره.
'إلى كاميل بيرولت،
لطالما خِلتُ الشّك والظنّ سيّان... لكن ها أنا اليوم أؤكّد شكك.. و أخيب ظنّك.
آسفٌ لكِ على الاثنين.
لكن.. لمَ أعتذر؟ هل لأني أعلم كم تمنيتِ سماعه؟ أم لعلمي أنكِ لن تفعلِ..؟
أردتُ فقط أن أخبِرك.. تسريحة شعركِ التي انظرتِ من سيلاحظها لمدحكِ عليها، لكن بدا كأن لا احداً اهتم.. لم تكن بمثل إشراق ابتسامتكِ المقلوبة حين رأيتِني أنسجم مع رئيس القسم بشكلٍ أفضل.
لكنها لم تكن إلّا نفاقاً.. آسفٌ مجدّداً لإحباطك.
أَردتُ إخبارك أيضاً كم أحببتك.. أعلم بعِلمكِ بهذا، كما أعلم كم انتظرتِ سماعها منّي كما أسمعتِها لي مراراً، لكنّي أجبن من تعليق قلبِ امرأةٍ بنذلٍ عاجز عن البقاء معها.. لا أريدكِ أن تعلَمي كم أحببتكِ يا كاميل، أخشى على بياض قلبِك من سواد نيّتي.. أخشى عليكِ من قلبٍ خفق هُياماً بامرأةٍ علِمَ طوال الوقت أنها استحقّت أنقى منه.
أتمنى لكِ ربيعاً صادقاً، لا صقيعاً يلوم البيت على احتوائه.
أخبَرتِني ألاّ ألوم البيت.. لكنّي عجزتُ عن ذلك، آنها أدركتُ أنّي كنتُ الصقيع.'
أبعدت الورقة عن نظري فور انتهائي، وضعتها عِند الرّكن الأيسَر للمكتب رُفقةَ مجموعةٍ من الأوراق بمِثل حجمها.. وتقريبا بمثل مضمونها.
أعدتُ بصري للورقة المربعة الصغيرة، أقمتُ القلم من جديد.. ثم أضفتُ عبارة صينية أخرى.
«在四我死»
[zài sì wǒ sǐ]
«في الرّابع أموت»
يدي امتدّت نحو الكأس شبه المملوء، بعض من المسحوق لؤلئيّ اللون احتثل في القعر.. لكن لا مشكلة، فقد كان متوقعاً.
رفعتُ الكأس.. حدّقتُ به لثوانٍ... ثم أخذتُ رشفة.
عيناي تتبّعتا القطرات الخفيفة من خلف زجاج النّافذة.. ابتسمت.
التقطتُ القلَم من جديد، ثم تابعتُ أملؤُ آخِر مساحةٍ فارغةٍ على الورقة المربّعة..
«在十我是»
«Zài shí wǒ shì»
«في العاشِر أكون»
«在十四 我释死»
«zài shísì wǒ shì sǐ»
«في الرّابع عشر أُحيا»
«在四我死»
«zài sì wǒ sǐ»
«في الرّابع أموت»
«到秋我去,在秋还去»
«dào qiū wǒ qù, zài qiū hái qù»
« نحو الخريف أتّجه، وفي الخريف أيضاً أذهب»
أشعُر ببعض النعاس..
أخذتُ رشفةً أخرى من الفودكا.
أخرجتُ ورقةً للمرّة الثالثة.. هذه المرة لم أُطل، فقط كتبتُ عنوان المخزن الذي احتفظتُ فيه بالجثث، ثمّ وقّعتُ الورقة.
وقفتُ من مكاني.. أخذتُ أولا الأوراق المتكدّسة يسار ركن المكتب، ألقيتُ نظرةً أخيرةً خاطفةً عليها، ثمّ وضعتها أرضا.
كلّها اعترافاتٌ كتبتها، بتواريخ مختلفة، لكن باسم مستلمٍ أوحد: كاميل بيرولت
رغم معرفتي أنها لن تستلم أياً منها.. رغبتُ كتابة اسمها على كلّ رسالة.
التقطتُ الشمعة التي أحضرتها في وقتٍ سابق، انحنيتُ على رُكبةٍ وحيدةٍ قرب مجمع الأوراق.. ثم لامستُ طرف إحداها بلهب الشّمعة.
لم أُطل التّحديق بها.. سرعان ما استقمتُ تاركاً النّار لتبتلع غذائها.. كنت سأرمي الورقة الصغيرة أيضاً، لكنّي عزفت.
لا داعي لذلك.. لا تحمل الكثير على أي حال.
تَركتها رفقة العنوان الموقّع على سطح المكتب، أخذتُ الكأس نصف الممتلئ في يدي.. ثم رفعتُ الشّمعة أنفُخ على شغلتها الصغيرة بعد أن أنهت دورها.
خطوت خارج الغرفة، لا... خطوت خارج عتبة البيت.
مشيتُ أترنّح حافياً.. أشعر بالعشب المبلول على قدميّ يخالطُه بعض الطين الضحل، غطّيت فوهة الكأس بكفيّ، بينما أسمح للمياه المُنزّلة بالانزلاق عبر كلّ شبرٍ من جسدي.
جلستُ قرب شجيرات الكاميليا.. مكاننا المعتاد.
أشعر ببعض الخدر في أطرافي..
هل هو البرد؟
صحيح..
أتيتَ مجدداً لإقناعي بما أودّ تصديقه.. يالك من صديق صالح.
لن تحتاجني بعد الآن..
تشرّفتُ بمعرفة ذلك.
رفعتُ الكأس مزيحاً يدي التي غطّته في وقتٍ سابق، أدرتُه في يدي كرجٍّ خفيف للسّائل كي يمتزج بالمسحوق الحاثل.. ثمّ رفعتُ نخباً.
_«نخبُ المُحقَّق من أهدافي.. و الثّمن من حياتي»
تجرّعتُ ما تبقىّ من السائل المُقطّر دُفعةً واحدة.
كلّ ما قمت به من جرائم.. كان أوّل الأهداف الشخصيّة لي، بعيداً عن توقع أمّي.. حتّى وإلّم يكُن أوّل هدفٍ أضعه، فقد كان أوّل ما نجحتُ بتحقيقه.
و حياتي..
في الرّابع عشر من سبتمبر قبل ثلاث سنوات، كانت بداية إحيائي.. هناك بدأت حياة كاسيان.
الآن أتخلّى عن الحياة التي وهبَتْني.. لقاء الهدف الذي وهبْتُني.
هل كُنتُ نادماً..؟
لا.
أو.. رُبّما.
اِنتهى.
✧ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ✧
بَــــــــــــــــــــــدَأَتْ الـواحِــــــــــدَ وَالعِــــــشْـريـــــــــــــــــــنَ مِــــــــــنْ حَيْــــــــــــــــــــــــــــــزُران
انْتَـــــــــــــــــــهــت الـرّابِــــــــــــــــــــــعَ عَشْــــــــــــــــــــــرَ مِـــــــــــنْ أَيْـــــــلـــــــــــــــــــــــول
مِـــــــــــنَ الْعـــامِ الْخـــــــــامِــــسِ وَالعِــــــشْـريـــــــــــــــــــنَ بَـــــــعْدَ الْأَلْـــــــــــــفِيَّــــــــــــــــــــــتَيْـن
.
كانت معكم ديلينا🍁🍂
del_lina__dod