{حَـــــــــــــــــــــــــظّ}

{حَـــــــــــــــــــــــــظّ}

21 0

اَلْفَصْلُ الثّالِثُ عَشَر: حَظّ

لم أومِن يوماً بإمكانية إحياء ما مات، حتى دلَفتْ كاميلُ حياتي.. دون إدراكٍ من أيٍ مِنّا، أحيَت شغفاً جوفي.. شغفٌ ظننته اختنق منذ أعوام بين قضبان صدري.

أذكُر ذلك اليوم أوضح من تخرّجي.. ذاك اليوم الماطر منذ سنتين وبضع شهور من اليوم، في الرابع عشر من سبتمبر، من العام الثالث بعد الألفين..

نسيت مِظلّتي يومها رغم التوقّعات السيّئة لحالة الطقس الليلة السابقة، والنتيجة كانت وقوفي عند باب المركز لدقائق أُفكّر في الزكام الذي سيصيبني لو عدت للبيت سيراً.

عزَمتُ في قرارة نفسي حينها أنّي سأقف هناك و انتظر أوّل سيارة أجرةٍ تمرّ كي أستقلّها.. رغم خلوّ الشارع عادةً وندرة مرور سيّارات الأجرة منه، كان بإمكاني الانتظار بقدر ما تطلّب الأمر.. لم تكن معضلةً كونية.

لكنّ شرودي في الطّريق قُطع بِطَرق كعبٍ متسارع دلالةً على ركض صاحبته، أدرتُ رأسي قليلاً أنوي تأكيد توقّعي عن هوية غريبة الأطوار القادمة باتجاهي، وكانت هي فعلاً دون غيرها.. المتدرّبة المندفعة كاميل بيرولت.

وقَفَت، رأسها على بُعد بوصتين أو أقل من كتفي، تفحّصتها بنظرةٍ جانبيّةٍ وهي تُلقي حذائها بعيداً بابتسامة بلهاء على وجهها كأنها تنظر لنعيمها الخاص.

أعدت نظري للخارج.. الأمطار القويّة تصفع الأسطح كرصاص متساقط، الحفر الموحلة على جانبيّ الطريق اكتست بلونٍ بنيّ قاتم.. فيم خفّ اللون مائلاً للشفافية في الأرصفة.. أما الشارع الرئيسي، فلم يكُن إلاّ منحدراً للسيل الأقرب للشفافية من مياه الأمطار، ومع ارتفاع الرصيفين على جانبيه، بدا كنهرٍ مصغّرَ جارٍ مع انحدار الطريق.

حتّى الكلاب الضالة احتمت تحت سقوف البيوت.. بعضها أتت المركزَ بحثاً عن سطحٍ يحجب القطرات الباردة عن فِرائها الهشّ.

لكن هذه المرأة؟ باغتنني حين رأيتها تمدّ مطريتها الأرجوانية نحوي بابتسامة كادت تصل بين الأذن و أختها.

هل توّد مني فتحها لها؟ أخذتُ المظلّة منها بتردد، ما كدتُ أمسك بها حتى وجدتها تفلت قبضتها حول ساقها-أي ساق المظلّة-، قبل أن تنسحب للخارج دونها.

_«لا داعي لإعادتها لي.. اعتبرها هديّة الخريف»

نبَسَت أثناء هروَلَتها للخارج، تتركني هناك واقفاً في حيرةٍ من أمري.

أكانت غريبةً أم غريبة أطوار؟

وقفتُ هناك فقط.. أشاهدها تقترب بخطواتٍ سعيدةٍ من حافة الرصيف.. توقّفَت عندها قليلاً، أخفضَت قدمها ببطءٍ تغطس مشطها أولا في المياء الجارية، ثم على مهلٍ نزلت كلياً للشارع.

كنت قادراً على استشعار رجفة جسدها من مكاني.. جسدها يرتعد برداً بينما هي تسير بسعادةٍ لوسط الشارع حيث مستوى المياه منخفضٌ لا يغمر أصابع قدمها.

التفَتَتْ تِباعاً للجانبي الطريق تتحقّق من خلوّهما، ثمّ... بدأت بالرقص؟

ضيّقتُ عينيّ أتبيّن صورتها بشكلٍ أوضح.. أتأكد ما إن كان ما أراه حقيقةً أم سراباً.

وما كان بِسراب..

إنها ترقص حقاً.

أقدامها العارية تلتفّ و تقفز، ثم تنزل مجدداً تُساطح الشّارع الزّلِق، بعض الزُّرقة الخفيفة تسلّلت تكسو المكشوف من جِلدها كوصمةٍ على جنون صاحبته.

دارت حول نفسها عدّة مراتٍ بينما تجمع كفيها عند منتصف صَدرها.. الأكمام الواسعة المتدليّة من فستانها الأبيض دارت حولها تناغما مع حركة الأسفل منه.. بعضُ اللون الغامق المائل للشفافية صبَغَ كامل أجزاء فستانها بعد فترةٍ قصيرةٍ من نزولها الشارع.

شعرها الكستنائي الحرّ تطاير يرسم حلقته حولها هو الآخر، حتّى أن المطل في مرحلةٍ ما يعد يلامس سوى أطراف فستانها، كون شعرها شكّل حولها قُرصاً أشبه بحاجز بينها وبين القطرات المتساقطة من السماء.

رقصتها بدت شبيهةً ببعض أنواع الرّقص الصيني التقليدي، ومع فستانها المقارب لشكل الهانفو -الزي الصيني التقليدي- في هيئته الفضفاضة الطويلة و أكمامه الواسعة المتدلّية.. فقد كنتُ قادراً على استشعار الجانب الصّينيّ من أصولها.

وقفتُ هناك صنماً وحيداً بعد أن غادر كلّ زملائنا المركزَ من فترة.. مِظلةٌ في يدي وامرأةٌ اتخذت العاصِفة إيقاعاً صوبَ عينيّ.

لا شرودي ولا رقصتها استمرّا طويلاً.. سرعان ما انزلَقت قدَمُها مع سيل المياه، فقدَت توازنها في لحظةٍ تقعُ من طولها وسط الشارِع.

لا إرادياً، وجدت نفسي أركض نحوها بينما أحتمي بالمظلة التي أعطتني منذ وهلة.

انحنيت على رُكبةٍ أضرب كامل مجهوداتي في الحفاظ على جفاف ملابسي عرضَ الحائط، أملت رأسي قليلاً، تزامناً مع رفع خاصتها نحوي.

و معطوبة الفِكر كانت تضحك!

ملامحي المُقتطِبةُ قلقاً قابلت ضحكتها العبثية.. ماكادت بندقيّتاها تقابلان عينيّ حتى تفجّرت حُنجرتها بقهقهةٍ جعلتني أشك للمرّة الثّامنةِ بعد الألفين في إمكانياتها العقلية.

أطلقتُ نفساً مستسلماً كنت أكبته منذ فترة.. هَوَيت بنظري لكاحلها المكشوف، مددت يدي نحوه أتحقّق منه.. ولم يبدُ كأن ضرراً بليغاً لحقه.

اعتصرته بخفّةٍ بين جدران قبضتي، بينما أعاين تعابيرها جانبياً... و مازالت تضحك..

_«هل تضرر كاحلك؟»

_«من يدري..»

ردّت بين قهقهاتها المجنونة..

ما المُضحك لهذه الدرجة؟

بل و الأهم.. مالذي تقصده بِـ'من يدري'؟ لو هي لا تعلم.. أمي من ستفعل؟!

سرعان ما بلغني ردّها على تساؤلي، بعد أن أخذت نفسا عميقا تتوقف عن الضحك أخيراً:

_«قدمي باردةٌ لدرجة لم أشعر بشيء.. تخيّل لو وَقعتُ أثناء السير؟»

يدي توقّفت مكانها، لا.. الوقت من حولي هو من توّقف.

جُننت.. عدواها انتقلت لي، وها أنا أفكّر في احتماليتها بكامل جديّتي.

لو كنت مكانها.. وحدث ووقعتُ وأنا أقوم بهوايةٍ لي، كُنت لأعزف عنها.. ولو وقعت وأنا أسير، كُنت لأشتم حظّيَ السيّء والشّارع الزلق، وربّما كنتُ لأتوقّف عن السّير بِه.

لكنّها وعلى عكس ما بدى لي، فكّرت في الإصابة.. لا أقلّ ولا أكثر.

_«على من تضحكين؟.. ستشعرين به على أي حالٍ بمجرّد عودة الدّفء لِجَسدِك»

_«بحلول ذلك الوقت قد أصرخ أو أبكي من الألم.. الآن أشعر بالامتنان لذا أضحك، أعني.. تخيّل أن تكون متهوّراً مجنوناً و تكافءَ بحظٍ جيّد؟ الآن يمكنني السّير حتّى البيت دون مشاكل»

قالتها ببساطةٍ كأنها تستظهِر أبسط مُسلّمات حياتها.

اضحك حين تفرح..

ابكِ حين تحزن..

اصرخ حين تتألّم..

هل كان الأمر بهذه البساطة حقاً..؟

حتى السقوط أرضاً قد يكون حظاً جيداً..

هل تُدرِكُ عُمقَ كلماتها؟

..أم أنا من لا يُدركُ بساطتها؟

♪ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♪

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رُبّـــــــمـــــــــآ |[مُكتَمِلة]| ᎷᎯᎽᏰᎬ

المؤلف del_lina__dod
2025/09/15 مكتملة
قائمة الفصول (21)
الفصل 0: -...-
2025/09/15
الفصل 0.1: الْعَتَبَة
2025/09/15
الفصل 1: {هَذا أَنـــــــآ}
2025/09/15
الفصل 2: {تَــــجــديـــــــد عَـــــــقْـد}
2025/09/15
الفصل 3: {الـــثَّــــــــــــلاثَـــــةُ مَعــــاً}
2025/09/15
الفصل 4: {أَنــــــــــــــآ أَنْـــــت}
2025/09/15
الفصل 5: {هَــــــــدَف}
2025/09/15
الفصل 6: {اَلْـــحُرِّيَّـــــــــــــةُ قَــيْــــــــــــد}
2025/09/15
الفصل 7: {كُلّــــــــــــي}
2025/09/15
الفصل 8: {دِفْـــــــــــــء}
2025/09/15
الفصل 9: {كُـــلُّـــــــــــــــــنـــا}
2025/09/15
الفصل 10: {مَـــجْــــــــــــــــــــنـون}
2025/09/15
الفصل 11: {اَلصَّــــقيـــــــــــــــــــع}
2025/09/15
الفصل 12: {زَهْــــــــــــــــــرَةُ الْكــاميــــــــــلْيــــا}
2025/09/15
الفصل 13: {حَـــــــــــــــــــــــــظّ}
2025/09/15
الفصل 14: {سَــــبْــــــــــــــــــــــــــعُ ســاعـــــــــــــــــات}
2025/09/15
الفصل 15: {هَــــــدِيّــــــــــــــــــــةُ الْــخَريـــــــــــــــــف}
2025/09/15
الفصل 16: {أَيْــلـــــــــــــــــــــــول}
2025/09/15
الفصل 17: {أَنْـــــــــــــــــــــــــت}
2025/09/15
الفصل 18: {الــرّابِـــــــــــــــــــــعِ عَــــــــــــــشْـــــر}
2025/09/15
الفصل 19: {نَـــخْـــــــــــــــــــبُ النِّـهايَــــــــــــــــــــــــة}
2025/09/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة