الفَصْلُ التاسع: كُلُّنا
_«أقول لكِ جذري مائي.. الطبيب منع الزيارة عليها، حتى أنا سمعتُ ملايين التحذيرات منه بينما يوجّهني بكيفية الاعتناء بها»
قُلت ذلك بضحكةٍ بسيطةٍ مصطنعةٍ بينما أرفع حاجباً في وجهها، حدّقت بي بتقطيبةٍ مرتسمةٍ على جبينها لثوانٍ قبل أن تدير بؤبؤها في حركةٍ سريعةٍ ترسمُ ابتسامةً على ثغرها هي الأخرى:
_«حسناً، فكّر ملياً في عرضي لك لاحقاً.. الآن لنقم بشيءٍ مخالف»
قالتها سريعاً قبل أن تمسك بيدي تسحبني خلفها بينما تسير باتجاه فناء البيت الأمامي.. تحديداً الموقع حيث تُزهر شجيراتُ الكاميليا التي أزرعها.
اتبعتها بابتسامةٍ متعبةٍ و نظري أعلى فروة رأسها.. أردت اتباعها فقط و تركها تنتشلني من العالم الذي قلتني فقتلت مستضافيه، لكني لم أرمشٍ إلاّ لأجد يدي الشاغرة حول معصمها المُمسك كفه بأصابعي، أتوقف بين استغرابنا الاثنين من فعلي المفاجئ.
لا دِرىً حُزته.. أمِن صفاء ذهني معها.. أمِن خرس أصوات عقلي في حضرتها.. أم فقط شعوراً لم أقوَ على مقاومته، ما أعلمه أني لم أشعر ببدني إلاّ وهو محتضنٌ المرأة التي احتضنت جوفه.
حتّى بيدٍ حول خصرها و أخرى خلف ظهرها، حتى بذقني أعلى كتفها و بصري تجاه الزرع خلفها.. كُنت قادراً على الشعور بافتراق شفتيها عن بعض في تفاجؤٍ من حركتي المباغتة.
لكنها سرعان رفعت ذراعها الحُرّ تطبب به على ظهري.. شعرت بلسع ألمٍ مكان مسّها لي.. فلا عِلمَ لها أن جراح وجهي زينةٌ مقارنةً بما يطبب عليه كفّها الآن.
البارحة.. حين ظننت روح ضحيتي قد غادرت جسده، باغتني بخنجره لظهري.. كان يحتضر فلم يكن صدّه حينها بالأمر الصعب، لكنه قد ترك أثراً لم يجفّ بعد على ظهري.
لكنها سعيدة..
أعلم أنها كذلك.
أناملها قد تحسست قماش الضمادة موضعَ يدها، وهي سعيدةٌ أنّي أخذت بنصيحتها حين أخبرتني أن أضاعف ملابسي.. سعيدةٌ أني أهتم بنفسي وصحتي كما لطالما أملت.
ابتسمتُ بدوري.
ألمي فدى سعادتها... تلك سعادتي أنا.
لم تنبس ببنت شفة.. كانت تعلم أني من يملك شيئاً لإخبارها... ولذلك، أعطتني كامل الوقت للقاء حروفي ببعضها.
_«شكراً لك.. كاميل»
حررتُ كلماتي بنبرةٍ أقرب للهمس، و كردّ.. فصلت هي العناق تعود خطوةً وحيدةً للخلف، رفعت رأسها نحوي تكشف عن ابتسامتها المتّسعة:
_«دائماً»
بقدر ما قلّت كلماتي.. بقدر ما بدت بسيطة الوقع و المعنى، بقدر ما أيقنتُ و كاميل عمق منبعها.
هذا ليس كل ما وددت قوله و هي أدرى بذلك، جوفي قصائد و مخطوطات تمنيت لو لِلساني الجرأة على تحريرها.. كم قصةً وددت تلاوتها لحظتها وكم كذبةً أردت تصحيحها.. كم أملت بعض الشفافية لحظتها، كم أردت إيلائها وجهي الآخر.. حقيقتي حتى لو كانت لتتركني بعد لمحةٍ عنها.
لكنّي لم أستطِع..
ربما لم أُرد حقاً كما ظننت.. ربما لم أكن إلا واهما وضيعاً، يسعى لإقناع نفسه أن جوفه مازال ليّناً و أن الصدق لازال بعضه من اقتدائه.
هي تقتسم سعادتها معك.. جازِها باقتسام ألمك معها.
وضيعٌ بشارة تمجيد..
صوت جوفي المزعج كان يقاطعني عند كلّ فكرةٍ تراودني بمصارحتها القول.. كان محقاً بقدر ما كان مؤلماً، و الأسوأ أن قائل ذلك يكون أنا.
من أكون حقاً؟ أيهم كاسيان؟ كم شخصاً يستوطنني؟ لم أعد أفهم..
من أين لي بالعلم و أفكاري مناقضةٌ لبعضها؟ فِكري المكلَّف بالفهم هو الغير مفهوم.
لا أفهم.
لا أفهم شيئا..
شعرت بقبضةٍ ناعمةٍ تطوق معصمي.. رمشت تباعاً لثوانٍ قليلة.
كاميل.. كانت تُحدّق بوجهي بتقضيبة قلقٍ على جبينها، بينما يدها على رسغي.. رسغي الذي لا أعلم ما أوصله قرب رأسي.
باطن كفّي كان ضاغطاً على جبهتي، أعلى حاجبي الأيمن تحديداً.. الضغط كان قوياً لدرجةٍ دفعتني لتقطيب جبيني بينما أُرخي عضلات ساعدي قليلاً.
متى حدث هذا؟ متى رفعت يدي ومتى—
صداع..
صداعٌ يكاد يشقّ رأسي شطرين، شعرت به كأن خنجراً يفصّل الزاوية اليمنى من رأسي.
تباً..
قبضتي اشتدت من جديد في نفس المكان.. كيف لصداعٍ أن يكون مفاجئاً بهذا الشكل؟
ربما لم يكن؟
ربما.. إدراكك المفاجئ؟
ربما ليس صداعاً؟ ربما ما أنت إلاّ واهمٌ من جديد؟
الأكيد الأوحد.. أنت مجنون.
كلنا مجانين..
كلنا.. الجنون بحدّ ذاته.
♪ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♪
del_lina__dod