اَلْفَصْلُ الثّامِن: دِفْء
_«لستَ على ما يرام، كاسيان»
نبست بهدوءٍ تدع المجال لبؤبؤها بتفحصي من أعلاي لأخمص قدميّ، نظراتها المتفحصة اتخذت نهايةَ المطافِ حدقتيّ مُستقراً:
_«الأسود حول حلقة عينك.. الآثار على وجهك.. غياب عقلك أثناء العمل.. ولم نعد نلمح بعضاً سوى في مكتب رئيس قسم التحقيق... معرفتي بك تقول أن هنالك مشكلة، و معرفتي بذاتي تقول أني لستُ نَبعها»
قالتها ترفع حاجباً مستنكراً كما جرت عادتها في كل مرةٍ ترغب بكشف خفاياي.. قبل أن تعيده مَقرّه تنبس ببعضٍ من الجدية لم تُخفِ عني حنّيتها:
_«هل ساءت اضطرابات نومك؟»
ابتسمْت..
_«قليلاً..»
قلتُ و قد ارتأيت القلق جلياً على كستنائيتيها.. لا رغبة لي بالتماس أيٍ من ذلك جوف نظراتها، التحديق بجثة أهون من غير سعادةٍ تغزو أعينها.
لكن حاستها السادسة - الصائبة أغلب الوقت - لم تكن لتمرر الأمر بهذه البساطة.. سرعان ما زمّت شفتيها بشكٍ في ردّي، قبل أن تُلقيَ سؤالها التأكيدي:
_«متأكّد؟ أنفي يشتمّ رائحة شيءٍ آخر»
_«حقاً؟ أطيبةٌ هي الرائحة؟»
قلت بعد قهقهةٍ قصيرةٍ غادرت حنجرتي، لكنها اكتفت بابتسامةٍ خفيفةٍ بالكاد ترى، بينما تقلب مقلتيها بملل.
_«تُشبه رائحة الجثث المتعفنة»
ابتسامتي اختفت دون شعورٍ مني.. ضربات قلبي ازدادت غريزياً بمجرد التقاط مسمعيّ للفظ الجثث.
هذه المرة الوخزة ليست في اللفظ عينه.. بل في مُتلفّظه.
_«كاسيان؟ ما بك؟»
بلَعت ريقي بتأنٍ.. ذلك حين استوعبت رد فعلي الغريب على مرأىً منها، ابتسمت بتكلفٍ أمامها أحاول استدراك الوضع:
_«فاجئتِني فقط... من غير عاداتكِ المزاح بشأن الجثث»
قلت مبرراً ردّ فعلي السابق، غير أن أياً من علامات الاقتناع بذلك بدت على ملامحها.
_«قصدتُ جُثث الحيوانات الميتة التي أجدها في الشارع أحياناً.. ليس ما اتجه له عقلك، هذا من ناحية.. من ناحيةٍ أخرى ذلك لم يكن في الأساس مِحور سؤالي»
قالت بجديةٍ خامَ تقوم بحركتها المعتادة برفع الحاجب الأيسر حين تود القول "لا أمزح هنا"
ابتسمتُ بتكلفٍ بينما عقلي يغلي من حديثها المشكّك، قبل أن أُخرج أثبت ما اقتدرتُ عليه من نبرةِ صوت:
_«و ما قصدكِ إذاً؟»
_«تعلَمه جيداً، كاسيان»
قالتها بنفس الجدية ترفع يدها لمستوى وجهي، قبل أن تشير للكدمات عليه، ثم الهالات أسفل عيني كأنها تقول بطريقتها "هل تظن حقاً أن ردود فعلك هي كل ما سيثير استغرابي هنا؟"
حرّرتُ تنهيدةً طويلةً أفكّرُ فيما قد أخبرها..
هل أُصارحها القول فقط؟
فيمَ أفكر؟... كيف سأواجهها بشيءٍ كذاك؟
والدها مات قتيلاً.. فكيف أصارحها أني غدوتُ من صنف البشر الوحيد الذي اقتدر حتى فؤادها الشّفّاف على كُرهه؟
فارقتُ بين شفتيّ ألقي أول ما خطر ببالي، آملا أن يُقنعها قولي هذه المرة:
_«في الواقع لم أُرد إزعاجكِ بذلك، لكن بما أنك مصرةٌ سأخبرك... أمي مؤخراً تعاني من الجدري المائي، الطبيب أكّد على ضرورة الاعتناء الحذِر بها، كما تعلمين، أمي تشرب كثيراً لذا فمناعتها سيئةٌ و قد يفتك بها المرض لو لم أعتَنِ بها جيداً.. و نظراً لتوقّفها عن عملها مؤخراً فقد بدأت بالعمل في ميناء بدوام جزئي لإيفاء احتياجاتها، لكني مبتدئٌ لذا أصيب وجهي أحيانا أثناء تلقّي الصناديق»
كُنت قادراً على لمح الاهتزاز الطفيف على مستوى حنجرتها دلالةً على بلع ريقها.. تعابيرها عبست قليلاً، قبل أن ترسم ابتسامةً صغيراً واهنةً تطبطب على كتفي:
_«ستتحسن عمّا قريب، لا تقلق.. الجدري المائي ليس قاتلاً عادةً»
أنا القاتل يا كاميل.. أنا قاتلها لا الجدري.
أنزلَت يدها عن كتفي تميل برأسها مِعيار بوصةٍ لليمين، ثم تابعت بينما دفء ابتسامتها يزيد شيئاً فشيء:
_«كان يجدر بك إخباري قبلاً، لستَ مُضطراً للعمل في أكثر من مكان... يمكنني اقتسام راتبي معك»
_«كاميل، لا—»
_«إخوتي الأربعة برواتب جيدة، حتى جدي يدعم أمي ماليا.. أعمل لتمضية الوقت لا أكثر، و راتبي يذهب في تفاهات.. تعلم ذلك جيداً»
قاطعَتني ترفع حاجبيها الاثنين بابتسامةٍ زاد اتساعها مع كل حرفٍ خرج من فاهها، قبل أن تضيف:
_«لا تردّ الآن، فكّر جيداً في الأمر.. ولو لم يُرحكَ يمكنك أخذه كقرضٍ و أعده لي على مهلك لاحقاً، المهم ألاّ تضغط على نفسك أكثر من اللازم... كما يمكنني المساعدة في الاعتناء بوالدتك، أهي في غرفتها بالمناسبة؟ أرغب برؤيتها»
كم أحب هذه المرأة..
مهلا... هل قالت أمي؟
عذراً خطيبتي.. أمي ليست في في غرفتها، هي في الثلاجة.
♪ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♪
del_lina__dod