اَلْفَصْلُ الثّاني: تَجْديدُ عَقْد
طوال الليالِ القليلة الفارطة، تبادرت لذهني عدّة افتراضاتٍ و احتمالات بطبيعة عملي، لكن صِدقاً... هذا لم يكن ضمنهم..
أُحدّق بالصّور المشوّشَةِ لكاميرا المُراقبة... لا، ليْسَتْ واضحةً بما يكفي للجزم.
لكن تحاليل الحمض.. البصمات.. السلسلة الرقيقة الفضية... كله يخصّ والدتي.
لا مجال للشك.
أعدتُ نظري لِملفّ القضيّة... صُوَر الضّحيّة المُشوّهة.. صدرها المفتوح... من الواضح أن القاتل تاجر أعضاء، لكنه هرب حين باغتته الشرطة.
القاتل؟ لمَ لا اقول أمي فقط!
سأكون غبياً بشارة شرفٍ لو أدّعيت أن الأدلّة غير كافيةٍ للإيقان، لكن مازال الأمر..
لا أعلم..
..ثقيلاً.
صادماً بطريقةٌ ما، و مُزعِجاً.
مضت سنواتٌ منذ علِمتُ عن طبيعة عملها الغير قانونيّ، حتماً لم أرها دقيقةً كقدوةٍ لي.. لكن لا علماً حزته قبلاً عن نسبة تورّطها..
أعني... تجارة الأعضاء؟ هذا أوحش ممّا قد أغطّي عليه.
هذا يعني أنّ أمي وحشٌ صحيح؟
لا رغبة لي بالتفكير بهذا الآن... لكن بمَ أيضاً قد أفكر؟
كيف سأُعلم مخفر الشرطة؟ أم كيف سأواجهها بعد ذلك؟ أم هل سأواجهها بعده أم لا؟
رفعت يدي أسند بها رأسي، أشعر أنه سيلامس سطح المكتب عما قريب من ثقل أفكاره... يمكنني التماس ارتعاشةٍ طفيفةٍ في بعضٍ من أطراف أصابعي.. حتى أن حلقي يوهمني بجفافه، رغم أن طعم القهوة لم يفارقه بعد.
دوار... أشعر ببعض الدوار.
هل كل هذا جراء صدمةٍ واحدة؟ لا يجدر به أن يكون كذلك.. لم يجدر بهذا القدر من العجب أن يحل على رأسي، أمي مجرمة و أنا أعلم ذلك منذ سنوات، فلمَ..؟
مددت يدي المرتعشة نسبياً نحو مقبض الفنجان على مكتبي، قرّبته من ثغري آخذ رشفةً أخرى.. القهوة باردة، فلِمَ أتحسس دِفئاً قرب وجهي.
_«كاسيان..؟»
لم أبتلع قطرةً مما دلف لفمي... لم أقوى على ذلك.
أقرب مما يجب.. الصوت أقرب مما يجب..
و الأسوء... أعرف صاحبه وما يفكّر به الآن.
أمي..
لا أذكُر حتى كيف أعدت الكوب لمكانه على سطح المكتب من جديد... ربما هو فقط فشل عضلاتي ما أغلَب وزن يدي على قوتي لحملها.
...ذراعي أثقل مما خِلت.
مرةً واحدةً استدرت لأواجهها، و يا ليتني امتنعت..
بصري لمح شيئاً قبل وجهها... شيئاً كان يفصل بيني و بينها... شيءٌ كانت تمسك بطرفه بينما توجه الآخر لمنتصف حنجرتي... شيءٌ بارد.. شبه شفاف... و حاد.
شظية زجاج..
شظيةٌ كبيرة بما يكفي لأقول أنها على بعد بضع بوصاتٍ من شقّ قصبتي الهوائية لشطرين.
تصنّمت مكاني.. دون مشورةٍ مني، انتقلت مقلتاي بين السلاح و حاملته.
هل كُنت أشكوا حالي من لحظات؟ سأعتبره درساً في تقدير النِّعم.
_«ماذا.. ماذا هناك أمي؟»
نطقتُ أخيراً.. حروفي خرجت متلعثمةً لحدٍ ما، لكن أجزم أنها توقعت شيئاً مشابها كردّ فعلٍ على الوضع اللذي نحن به الآن.
و كردّ... أمالت رأسها قليلاً دون أن تزيح ما بيدها إنشاً، ثم ابتسمت.
_«عزيزي كاسيان... حين تعلم أن ما بالكأس هو حمض الكلوريدريك، لا حاجة لك بتذوقه لتعلم أن طعمه لاذع... هذه أساسيات، لم أخلكَ بهذه الفظاعة في الكيمياء»
قالتها بارتياحٍ بادٍ من نبراتها، تمد يدها الشاغر بمحاذات أذني، حتى احسست بالشعيرات على جلدي تنتصب، لكنها لم تمسّني في النهاية..
رأيتها تسحب يدها من جديد، بينما اصبعاها السبابة والوسطى يقطران بسائلٍ بني اللون... يمكنني القول أن كل ما فعلته كان أن غمست أصابعها في فنجان قهوتي؟
سرعان ما أدخلت اصبعيها المنقوعين جوف فمها تمتص السائل منهما.. استطعمته لثوانٍ، قبل أن تقطب حاجبيها باشمئزازٍ لم تجاهد قيد أنملةٍ لإخفائه.
_«فاشلٌ في الكيمياء.. في عملك كمحقق.. و في إعداد القهوة أيضاً؟»
أنزلت يدها تمررها بضع مراتٍ على ثوبها تنظفها به كعادتها، بينما تتابع حديثها المتحسّر:
_«تباً لكم يا جيل السبعينات، أخبرني فقط أي مشعوذٍ هذا الذي أقنعكم أن مكعبات الثلج و القهوة يلتقيان في الكوب نفسه؟»
قالتها بكامل جديتها تنتظر مني جواباً فعليا عن هوية المشعوذ اللذي أتى بخلطة القهوة المثلجة، غير أنها سرعان ما تداركت الوضع الذي جمعنا لحظتها.
_« حسناً لا تقلق، على الأقل لن ألومك على عيبٍ وراثي كالقدرة على ربط المواضيع»
قالتها بتلقائيةٍ تهز رأسها ببطئٍ يمينَ شمال، بينما تزم شفتيها بحسرةٍ مصطنعة:
_«و الآن بنيّ.. دعنا ننهي الأمر سريعاً، من الواضح أن كلينا نفضل انتهاء المحادثة المنحوسة بأسرع وقت»
_«ماذا تريدين مني؟»
نطقتُ أخيراً.
_«لا جديد، نفس ماكنت تفعله منذ اشتغالك بالتحقيق.. اعتبره تجديد عقدٍ فقط»
_«موافق»
ضحِكَت..
لأيّ نكتةٍ تمهّد هذه المرة؟
_«كاسيان عزيزي.. أنت لم تسمع الشروط الجديدة حتى، ألم تكتب بنفسك بحثاً في السابعة عشرة عن مخاطر توقيع العقود دون قراءة بنودها، أم..»
تخافتت قهقهتها ببطئٍ حتى اختفت تماماً، مخلفةً ابتسامةً واحدة مجنونة تزين ثغرها، قبل أن تميل برأسها بضع بوصاتٍ جهة اليمين، مستتبعةً بنبرةٍ أهدأ:
_«... لا تخبرني أنك تنوي الاستمرار بنفس بنود عقدنا السابق؟»
♪ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ♪
del_lina__dod