اَلْفَصْلُ السّادِس: اَلْحُرِّيَةُ قَيْد
أنفاسي.. أورِدتي.. نبضي.. كله يشتعل.
ثاني مرة... لثاني مرةٍ يحدث هذا، كافٍ لتأكيد مدى سوء الشعور.
رئتاي تحترقان.. قلبي يكاد يغادر مقطنه.. قطرات العرق أنببت من على جبيني في عِزّ صقيع الشتاء.
أتحسس الجلد جنب رقبتي، دافئ... و لزج.
دم.
حملقتٌ لثوانٍ براحتي المدمية بعد أن تموضعت أمام ناظري.
ليست أفضل من البقع على ملابسي... على الأقل جُلّ هذه الأخيرة لا تعود لي.
أسدلت جفوني محاوَلةً لتجنّب النظر للجثة قبالتي، لكن أي فائدةٍ ترجى حين أعلم بوُجودها؟
أخذت نفسا قصيراً... قبل أن أقوم من مكاني أتقدم خطوات معدودة أقرب لضحيتي، انحنيت عند جثته.
اعفِنا من تأنيبك يا ضميري...
هو قاتلٌ و أتى للقيام بعمله، فقمتُ بعملي عوضاً عنه.
ابتسمت.
الآن يمكنني القول أني ساهمت في انقاص عدد قتلة العالم واحداً.
لكن غرضي ليس واحداً.
إذاً كم؟ لا أعلم أيضاً.
رفعت يدي لأرى الساعة.. الثالثة فجراً.
كنتُ محقا في توقع استحسانهم الليل لمشاغلهم.
هل ما أقوم به جنون؟ هل أنا مجنون؟
ربما..
لكني لم أُجبَر عليه، قمتُ به عن قرارٍ لا تلبيةً لرغبةٍ صدرَ غيري.
لم أكن بحاجةٍ لذلك.. لو أردت، لأثبتّ أن قتلي لوالدتي لم يكن إلاّ دفاعا عن حياتي.. لو لم أُرد ما أنا بصدده هذه المرة، لما بدأته... هذا كل ما يبعث شعوراً بالراحة جوفيَ للآن.
شعوري بالحرية ما هو غير كذبةٍ من صنعي.. لكنها من صنعي و بقرارٍ أناني من صلب عقلي، هذا ما يهم.
ما الحرية حتى؟ مجرّد قيدٌ نختار نوعه بأنفسنا.
حرية اختيار مجال تخصصي؟ الحق في اختيار أي مجالٍ سأُقيّد اختيار عملي به. حرية اختيار عملي؟ الحق في اختيار أي عملٍ هو اللذي سأقيد حياتي العملية و اليومية به. حرية فعل ما أقدمت عليه من جرم؟ الحق في وسم نفسي بلقب القاتل لما تبقى لي من حياة.
ولو لم أفعل، و إن بُرِّئتُ جنائيا، لم يكن جفنٌ لي ليغمض و قد أنهيت حياة من بدأت حياتي.
لأن البريء يتجوّفه ضمير، و ذلك ما لا حاجة لي به.
بريء: مقيّدٌ بضميره.
مذنب: مقيدٌ بذنبه.
لا خلل في الأفعال نفسها، الخلل في تعريفنا لحرية القيام بها.. مهما تعددت خيارات ما يمكننا القيام به تظل محدودة، و بالتالي فالحرية ليست أكثر من مسارٍ من عدة أبواب، كلٌ منها مُؤدٍ لعددٍ أقل من السابق، إلى حين بلوغ باب أوحد لا غيره جنبَه ولا خلفه.
الباب الأخير..
الموت.
كلّنا... كل سائرٍ على هذا الكوكب.. يحوز حريةً كاملة، كلنا نفعل ما نريد فعله... لأن الواقع أن عقلك من يصدر أوامر كل ما تقدم عليه، و بالتالي فلا مُقِرّاً لأفعالك غير عقلك.
عقولنا هي كل ما يقرر مسارتنا و أي أبوابٍ سنفتح، الخلاف أن بعضها يعلم ما خلف كل باب و الآخر يجهل.. المشترك أن كلها يعلم قاطن الباب الأخير.
♪ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♪
del_lina__dod