{اَلصَّــــقيـــــــــــــــــــع}

{اَلصَّــــقيـــــــــــــــــــع}

23 0

اَلْفَصلُ الْحادي عَشَر: اَلصّقيع

_«الكاميليا جميلة حقاً.. لا أملّ النّظر لها»

قالتها كاميل قاطعةً الصمت القصير اللذي حلّ بيننا، بينما عيناها تتأملان حُقيل الكاميليا أمامنا.. شجيراته مازالت صغيرة الحجم نسبةً للمتوسط، لكن الأزهار المُتفتّحة فارِشةٌ لمختلف ألوانها، و هذا ما يهمها.

_«صحيح.. ولا أنا»

قُلت دون شعورٍ مني، ودون إزاحةٍ لبصري عن فروة رأسها.

_«لطالما عشِقَ أبي هذا النبات في شبابه.. حتى أنه كان سبب لقائه بأمي، وبعد أربع ذكور ووفاتين للجنين قبل أوان ولادته.. أخيراً رُزِقا بي... حاملةُ ذكرى هُيامهما المشترك»

نطقت يهدوء نبرتها المعتاد... رأسها مال مقدارَ بوصةٍ للجانب بينما تُرخي جسدها أكثر، عادت إنشات للخلف بظهرها تدعه ليستند براحةٍ على صدري.. ولحسن الحظ لا أحوز أيّ إصاباتٍ هناك.

_«حتى بعد اغتياله.. أمي استمرت في زرع بذور الشجيرات في كلّ ركنٍ من فناء المنزل، ومع الوقت و ثرثرة أمي المستمرّة عنها و الأساطير المرتبطة بها، وجدت نفسي أنجذب لها بدوري، الآن أشعر بالفخر لحملي اسماً مقارِباً لاسمها»

تابعت بنفس النبرة، قبل أن تتوقف قليلاً ترفع رأسها مُميلةً إياه نحوي بحاجب واحد مرفوع، بدا مُخفَضاً مع جبهتها المقلوبة لبصري:

_«و الآن... العدوى بدأت تنتقل لك أيضا، سيد برييل»

_«بدَأَتْ..؟»

ردّدتُ أرفع حاجباً واحدا بدوري بابتسامةٍ مستنكرةٍ تغزو شفتيّ،  أعادت هي رأسها لسابق موضعه نظراً لألم وضعيته الجديدة، فيما أردفتُ أنا أنقل نظري للشّجيرات أيضاً:

_«البيت الذي ترينه حين تلتفتين خلفكِ، لم يكن يوماً أكثر من عمرانٍ مقفرٍ بلا ألوان تُبهجهُ ولا حياة تملؤه.. كان مجرد بناء صلب أجوف.. مجرد مأوى أختبئ فيه من أخطار الليل و الطقس..»

رفعت يداً من اللتين كنت أسند ثِقل جذعي عليهما بينما أعدّل موضع الأخرى لألاٌ يختلّ توازن جسدي... ثم أخذت أمرّر أنامل يدي الشاغرة بلطفٍ على غُرّة شعرها بينما أتابع كلامي:

_«لكن حتى مكانٌ مقفر كهذا.. ما إن عرف تراب فنائه بذور الكاميليا، حتى أمسى مُستقرّاً باهيا تطوف به الألوان، أمسى مأوىً لي من ضجر الحياة قبل أخطارها... الآن، الكاميليا هي روح بيتي الحقيقية.. دونها هو ميّت»

_«منذ متى تحمل كل هذه المشاعر نحو النبتة؟ خِلتُكَ تزرَعُها بالمكان لأنها زهرتي المفضلة لا أكثر.. لكن مشاعرك الآن تبدو أعمق مما ظننت»

ابتسمْت.

أخذت نفساً عميقاً، أُخفض يدي للأرض و أرفع نظري للسماء:

_«رُبّما.. سابقاً كان الأمر كذلك، لم أكن مُلِماً بشيءٍ عنها سوى اسمها و حبّك لها، لكن بمجرد أن فعلت.. صرتُ أرى كامل كياني بين أوراقها.. الآن كلّ خوفي أن يتسبب جوّ بيتي في ذبولها يوماً ما..»

_«الكاميليا ورُغم نعومة شكلها و ملمسها.. تبقى قادرةً على تحمّل بعض البرد، الصقيع... هو كل ما قد يؤدي لقتلها..»

صمتت قليلاً، قبل أن ألمح جُزءً بسيطاً من ابتسامتها نظراً لموضِع مُقلتيّ، ثم أكمَلَت:

_«لحُسن الحظّ... بيتك ليس بتلك البرودة»

علّها فهمت أنّ الحديث ليس عن البيت..

أخذتُ نفساً قصيراً، ثم نبسْت:

_«حظاً أو نحساً... سأهدم هذا البيت لو سلب صقيعه ألوانها»

_«لا ذنب للبيت بأيّ طقسٍ يمرّ عليه..»

_«ولا هو ذنب الزهرة..»

_«بعضُ الأمور خُلقت للقدر وحده كي يديرها.. لا داعي لأن تكون لنا أيدٍ في كل ما حولنا»

_«طالما لي يدُ في إدخال الكاميليا فنائيَ المُقفر، فلي يدٌ في ماسيحدث لها بين أسواره»

بلغ مسامعي صوت التنهيدة المنزعجة المغادرة فاهها إعقاباً على قَوْلي الأخير.. كأنّ حديثي السلبيّ مجدداً على وشك إصابة رأسها بصُداع.

_«شاهد زهرتكَ فقط»

قالتها نهايةَ المَطافِ بعد أن ذاقت ذرعاً من سلبيّتي اللامتناهية، تفعل ذلك في كلّ مرةْ توّد القول "اجلس في سلامٍ لبعض الوقت.. تحتاجُه حقاً"

لكنّ صمتها لم يدُم.. سُرعان ما نبست فُجاءً حتّى كاد عقلي يشرد من جديد:

_«إياك ولَوْم ضحيّة.. ذلك أقسى الإجرام»

_«كُلّنا ضحاياً لمجرمين.. و كُلّنا مجرمون في حقّ ضحاياً»

_«لا المجرمون سيانٌ في قسوتِهِم.. ولا الضحايا سيانٌ في ألمِهِم... فلا ضيْرَ مِن محاولة تقليل النِّسبَتَيْن... و إلّم تقدِر على الاثنَين فإحداهما دائماً بيدِك»

♪ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♪

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رُبّـــــــمـــــــــآ |[مُكتَمِلة]| ᎷᎯᎽᏰᎬ

المؤلف del_lina__dod
2025/09/15 مكتملة
قائمة الفصول (21)
الفصل 0: -...-
2025/09/15
الفصل 0.1: الْعَتَبَة
2025/09/15
الفصل 1: {هَذا أَنـــــــآ}
2025/09/15
الفصل 2: {تَــــجــديـــــــد عَـــــــقْـد}
2025/09/15
الفصل 3: {الـــثَّــــــــــــلاثَـــــةُ مَعــــاً}
2025/09/15
الفصل 4: {أَنــــــــــــــآ أَنْـــــت}
2025/09/15
الفصل 5: {هَــــــــدَف}
2025/09/15
الفصل 6: {اَلْـــحُرِّيَّـــــــــــــةُ قَــيْــــــــــــد}
2025/09/15
الفصل 7: {كُلّــــــــــــي}
2025/09/15
الفصل 8: {دِفْـــــــــــــء}
2025/09/15
الفصل 9: {كُـــلُّـــــــــــــــــنـــا}
2025/09/15
الفصل 10: {مَـــجْــــــــــــــــــــنـون}
2025/09/15
الفصل 11: {اَلصَّــــقيـــــــــــــــــــع}
2025/09/15
الفصل 12: {زَهْــــــــــــــــــرَةُ الْكــاميــــــــــلْيــــا}
2025/09/15
الفصل 13: {حَـــــــــــــــــــــــــظّ}
2025/09/15
الفصل 14: {سَــــبْــــــــــــــــــــــــــعُ ســاعـــــــــــــــــات}
2025/09/15
الفصل 15: {هَــــــدِيّــــــــــــــــــــةُ الْــخَريـــــــــــــــــف}
2025/09/15
الفصل 16: {أَيْــلـــــــــــــــــــــــول}
2025/09/15
الفصل 17: {أَنْـــــــــــــــــــــــــت}
2025/09/15
الفصل 18: {الــرّابِـــــــــــــــــــــعِ عَــــــــــــــشْـــــر}
2025/09/15
الفصل 19: {نَـــخْـــــــــــــــــــبُ النِّـهايَــــــــــــــــــــــــة}
2025/09/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة