{الـــثَّــــــــــــلاثَـــــةُ مَعــــاً}

{الـــثَّــــــــــــلاثَـــــةُ مَعــــاً}

24 0

الفصل الثالث: الثلاثة معاً

_« إليك الأمر؛ كنتَ أوّل من خرق أحد بنود اتفاقنا السابق حين غُصتَ أعمق مما يجب حتى فكّرتَ بخيانتي، و بالتالي سأكون كريمةً و أضيف بنداً واحداً، كل مبتغاه التأكد من عدم تكرر ذلك.. أليس عدلاً بهذه الطريقة يا خريجَ الحقوق؟»

لا نناقش العدل بزجاجٍ قبالة الحلق يا خريجة المصحّة!

من البديهي القول أني حتماً لم أكن لأجرؤ على نطقها خارج جدران جمجمتي.

لا أصدق حتى أني مازلت واعياً و قادراً على التفكير بشيءٍ كهذا.. يالي من متبلّد.

أطبقت شفتي فقط انتظرها لإنهاء حديثها... بالأصح لأول رمشة غفلةٍ منها كي انتزع ما بيدها.

_«كل ما عليك فعلُه الآن، هو لمس إحدى الجثث، إضافة لسلاح الجريمة... و أظنني في غير حاجةٍ لإخبارك بمغزى ذلك»

_«أي أن أغدو شريكاً في الجريمة؟»

_«جنائياً أجل، عملياً لا... اعتبره ضماناً، لا تقلق لن أجبرك على مشاركتي ما أفعله حقاً.. لستُ بحاجة هاوٍ ليكون شريكي»

هي تعرف ما تفعله.. ففي النهاية لن أضمن تبرئة نفسي لو فعلتُ ما تطلبه.

لو تركتُ بصماتي ثم كشفتُ أمرها.. حتّى لو أخبرتُ المركَز عمّا جرى لن أضمن أن يتّم تصديقي، فلا دليل قد يدعم كلامي.

وعلى الجانب الآخر، سيكون من السّهل عليها الاعتراف عليّ بمساعدتها، سيكون منطقياً بل ومدعوماً بدليل عدم كشفها طوال هذا الوقت.. ففي النهاية لن تَكذب حتّى لو قالت أنّي ساعدتها.

_«لمَ قد تحتاجين ضماناً؟ أنا ابنك»

قُلتها أهدفُ لمسّ عاطفتها.. دائماً ما أسمع عن غلبة عاطفة النساء على عقلهنّ، رغم أن وضعنا لا يدعم الفرضية..

لكني مستلقٍ في الحضيض سلفاً... حتماً لن أخشى الوقوع.

الوحيد الذي قد أُسميه وضعاً أسوء مما أنا به الآن، هو تقدّم يدها بوصاتٍ للأمام.

و ها قد حدث.. علي التوقف، ربما هي تقرأ أفكاري.

تباً، لمَ لم أدرس كيف أكبح مخيلتي في مواقف كهذه؟

أعادتني قهقهتها للعالم المحسوس بينما تقرب الزجاج الحاد أكثر من وريدي المضطرب.

_«أنتَ ابني.. أجل، أنتَ ابني من صلبي و دمي...  لذلك انسَ أن أثق بكَ يوماً»

هل هذا طبيعيّ؟ من بين كل مايسري من حولي، و كل أصناف الجنون التي شهِدتُها هذا المساء.. هذا ما يخلّف وخزاً أيسر صدري.

لماذا؟

لا علم لي حتى عمّ أنا بمتسائلٍ تحديدا.. لكن فقط... لماذا؟

لماذا تُخبرني بهذا؟ لمَ عليّ أن أكون بهذا الوضع؟ لمَ أسمع ذلك من أمي؟

أعني.. هي لم تكن الأفضل يوماً، لكنها لم تكن الأسوء أيضاً..

طوال سنين عيشي معها... لم أرَ فيها قط الأم الحنون ولا المرأة الصالحة.. لكني رأيت فيها الشريكة المسؤولة بعض النظر عن نواياها من ذلك.. رأيت فيها الطرف الذي فضّل تحمل نتائج علاقاته الفاشلة على صنع متشردٍ جديد مقطوع النسب ليسرق الخبز من الباعة.

بغض النظر عن طريقتها في ذلك، هي سبب نموّي و قدرتي الآن على الاغتناء عنها.. لولم تُرد لما تعلّمت.. لو لم تُرد لماَ اشتغلت... لو لم تُرد لما استمريت في الحياة.

ربما فعَلت ذلك لمصالحها و ربما لا، لكن بغضّ النظر.. كنت أراها الشخص الذي أنا هنا بسببه و لأجله.

لذلك بديهياً... كان لها نسبةٌ من الاحترام في بضع زوايا من قلبي، شعوري نحوها لم يكن بتلك القوة أيضاً، لكنه لم يكن منعدما كما أُكنّه لوالدي.

مجدداً.. قُطِع حبل أفكاري بيدها تضرب المكتب من خلفي تتابع حديثها..

_«لسوء حظك.. لستَ أكثر من خليطٍ بين دماء خائنين متغارمين في الغثاثة... يستحيل أن أثق بشخصٍ مثلي، كما يستحيل أن أفعل مع أمثال والدك النذل... فكيف بمزيجٍ من الاثنين؟"

قهقهةٌ طويلةٌ أسمعت جدران الحجرة غادرت ثغرها.

لقد جُنّت.. أمي جنّت.

لكن للحظة.. رفعت رأسها للسقف منغمسةً في جنونها.

فرصتي..

لم أُضع ثانية، مباشرةً نهضت من مكاني أقبض على الطرف الموجه لي من الزجاج بيدي العارية أشعر بالحواف الكريستالية الرقيقة تقتحم جلدي تتغلغل بين طبقاته كما كان يحدث مع يدها النّازفة.

لكنها لم تكن غبية.. لا، بل لم تكن عاديةً حتى.. إنها قاتلة.

سرعان ما أتى ردّ فعلها.. أعنف مما قد يصدر من امرأة في أواخر عقدها الخامس.

أحكمت قبضتيها معا على جهتها من الشظية تدفعها بكل قوةٍ نحوي.

و لاستخفافي بها أول الأمر.. تمكنت من رمي كامل وزن جسمها علي بينما أنا نصف واقف فقط.

و ها قد سقطنا معاً أرضاً.. أنا بالأسفل و هي فوقي.. ولحسن الحظ كنت متنبها بما يكفي لتركيز قوتي على دفع الزجاج بعيداً عن وجهي.

ركّز يا كاسيان! أنت تواجه قاتلة

لكنها أمي..

هي تحاول قتلك!

لكنها..

هي قاتلةٌ يا كاسيان، و هاهي تعاملك على هذا الأساس..

هي لا تنظر لك كابنٍ فلا تنظر لها كأم.

لطالما فعلت... لطالما كانت أمي.

و لطالما كنت ابنها.. لكن ليس اليوم.

.. اليوم أنت محققٌ و هي قاتلة، تعامل على هذا الأساس.

_« أرأيت يا كاسيان.. ألم أخبرك أن دماء الخونة هي كل ما ينبض في عروقك؟ ها أنت تفعلها و تنقض العهد قبل كتابته»

ككل مرةٍ اقتلعتني كلماتها الثقيلة من عزّ ضجيج عقلي.

تباً.. سأموت عما قريب، يداي بدأتا تتعبان من جُلّ وزنها الذي ألقته علي باتخاذ ذراعيها مركزاً لثقل جسمها حين اتكأت به عليهما.

قطرات الدم المنزلقة عبر الزجاج لامست وجهي... لوهلةٍ كدتُ أنسى كم كان سيئاً ملمس الزجاج المكسور.

لحسن الحظ مازلت متفوقاً جسمانياً... قلبت وضعنا بحركةٍ سريعةٍ مباغتةٍ من جسدي، فصرت أنا المرتكز فوقها.

لكن الوضع مازال لصالحها نوعا ما... كامل غرضها متجلٍ في دفع الشظية، بينما غرضي سحبها... و تزامن الأمرين ضرب خيال.

كي أنتزع ما بيدها... عليها أن توقف دفعه نحوي.

_«كفّ عن هذا أمي... لا يمكنك قتلي، أنا ابنك»

_«جرّب إرخاء يدك واختبر صِحّة النظرية بنفسك»

قالتها دون أخذ ثانية تفكيرٍ واحدة.

هي عازمةٌ على قتلي.. يمكنني استشعار نية القتل في قوة دفعها.. في نبرة كلامها.. حتى في نظراتها، لا ألمح أي عاطفة أموية.

و بسبب شرودي الملعون.. ها قد قلبت وضعنا مجدداً.

إلى متى سأقاوم؟

هي حتّى تبدو أكثر جديةً من قبل... و أكثر قوة.

لن تستسلم.. هي لن تستسلم.

أمعنى ذلك أني أعيش أخر مساءٍ لي على قيد الحياة؟

قبلتُ وضعنا للمرة التي فقدت عدّها... لكن لمَ؟.. لمَ ارتختْ يدُها فجأة؟

مهلاً... أنا أتوهم.. هذا غير صحيح، هي لم تتوقف عن الحراك.

رمشت بضع مرّاتٍ تباعاً، أحقق مع بصري ما إن كان ما ينقله لعقلي سراباً.

الزجاج.. عنقها..الدّم... لمَ اشترك الثلاثة ذاتَ المكان؟

♪ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♪

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رُبّـــــــمـــــــــآ |[مُكتَمِلة]| ᎷᎯᎽᏰᎬ

المؤلف del_lina__dod
2025/09/15 مكتملة
قائمة الفصول (21)
الفصل 0: -...-
2025/09/15
الفصل 0.1: الْعَتَبَة
2025/09/15
الفصل 1: {هَذا أَنـــــــآ}
2025/09/15
الفصل 2: {تَــــجــديـــــــد عَـــــــقْـد}
2025/09/15
الفصل 3: {الـــثَّــــــــــــلاثَـــــةُ مَعــــاً}
2025/09/15
الفصل 4: {أَنــــــــــــــآ أَنْـــــت}
2025/09/15
الفصل 5: {هَــــــــدَف}
2025/09/15
الفصل 6: {اَلْـــحُرِّيَّـــــــــــــةُ قَــيْــــــــــــد}
2025/09/15
الفصل 7: {كُلّــــــــــــي}
2025/09/15
الفصل 8: {دِفْـــــــــــــء}
2025/09/15
الفصل 9: {كُـــلُّـــــــــــــــــنـــا}
2025/09/15
الفصل 10: {مَـــجْــــــــــــــــــــنـون}
2025/09/15
الفصل 11: {اَلصَّــــقيـــــــــــــــــــع}
2025/09/15
الفصل 12: {زَهْــــــــــــــــــرَةُ الْكــاميــــــــــلْيــــا}
2025/09/15
الفصل 13: {حَـــــــــــــــــــــــــظّ}
2025/09/15
الفصل 14: {سَــــبْــــــــــــــــــــــــــعُ ســاعـــــــــــــــــات}
2025/09/15
الفصل 15: {هَــــــدِيّــــــــــــــــــــةُ الْــخَريـــــــــــــــــف}
2025/09/15
الفصل 16: {أَيْــلـــــــــــــــــــــــول}
2025/09/15
الفصل 17: {أَنْـــــــــــــــــــــــــت}
2025/09/15
الفصل 18: {الــرّابِـــــــــــــــــــــعِ عَــــــــــــــشْـــــر}
2025/09/15
الفصل 19: {نَـــخْـــــــــــــــــــبُ النِّـهايَــــــــــــــــــــــــة}
2025/09/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة