{زَهْــــــــــــــــــرَةُ الْكــاميــــــــــلْيــــا}

{زَهْــــــــــــــــــرَةُ الْكــاميــــــــــلْيــــا}

24 0

اَلْفَصْلُ الثّاني عَشَر: زَهْرَةُ الْكاميلْيا

حرّكتُ ذقنيَ قليلا بينما أُميل رأسي بضع سنتيمتراتٍ لليسار، بصري تفحّص تقاسيم وجهها..

لقد نامت.

أحسست بذلك منذ استشعرت سكونها غير المعهود ليقظتها، حتى ثِقل جسمها زاد شيئاً فشيئاً الدقائقَ الأخيرة.

رفعت نظري للسّماء.. لون البرتقال الطازج استوطن طياتها.. قرصُ الشمس على وشك الغوص خلف الأفق، لكن تصبغاته الزاهية مازالت تمدّ السماء ببعضٍ من إشراقه البهيّ.

ربما في وقتٍ ما كنت أحب رؤية ذلك.. لكن ليس هذه المرّة، ليس و أنا على علمٍ بمن سيتحرّكُ نحوي بمجرد غروب النور.

عليّ إعادة كاميل... بقاؤها معي لن ينتج عنه سوى تعريضها لِلخطر.

رفعتُ يدي كي أوقظها، لكنها توقّفت قُرب وجهها..

لقد نامت للتّو.. لا أريد إيقاظها.

من سُرعة نومها ووضعيته.. يمكنني استنتاج مدى إرهاقها، و إن بدت بلا هموم، بنظراتها الإيجابية ومقتها لعيش دور الضحية العاجزة.. مازلت أُدرك أنها ذاقته أيضا و إن كرهت.. أعلم أنها كانت ضحية عديداً ولذلك كرهت الأمر.

لطالما كانت امرأةً عمليّة، لم تُنكر يوماً ألمها.. لكنها لم تُمجّده أيضاً.. تميل للتفكير في الحلّ أكثر من التداعيات التي خلّفتها المشكلة.

لا أعلم ما أرهقها هذه المرّة، لكنها اختارت القدوم إليّ على الراحة في بيتها.. لن أزعج نومها و أنا على عِلمٍ بذلك.

تسللت يدي جوفَ جَيبِ مِعطفها الجانبيّ، بحثت هناك حتىّ بلغتُ ما ارتأيته... هاتفها النقال.

الخاص بي لازال على المائدة مركزَ الصالة، و بالتالي لا خيار سوى استعارة هاتفها.

شغلته أبحث بين الأرقام، و أخيرا وجدت رقم أخيها الأكبر سناً.

اتّصلت.

سرعان ما بلغني صوته:

_«كاميل..»

_«أنا كاسيان»

ردَدتُ بهمسٍ أتجنّب إزعاج كاميل.

لثوانٍ مُتبعِّضة، لم يصلني منهُ ردّ.. لاحقاً سمعتُ صوته من الجانب الآخر يسأل بجدّيةٍ قلقاً على شقيقته:

_«ما الذي يفعله هاتف أختي معك أولا؟.. ولمَ تهمس ثانيا؟»

_«أختك نائمةٌ فوقي أولا لذلك لا يمكنني التحرّك لإحضار هاتفي.. و أهمس كي لا أزعج نومها ثانياً.. تعال و خُذها ثالثاً»

وصلني الردّ عبارةً عن صافرةٍ دالةٍ على إنهاء الطرف الآخر للمكالمة... ترجمةً للغته، فذلك مرادفٌ لِـ"دقائق و تجدُني أمامك"

إخوتها حقاً مختلفوا الطِّباع عنها..

أعدت نظري لها..

بضع دقائق... و يعود البيت مُقفراً كسابق عهده.

عقلي بدأ تلقائيا في مكافئتي بذكريات معرفتي بكاميل بدل أفكاري السوداوية المشتتة.

أول قدومٍ لها.. حين أتت كمتدربة جديدةٍ تحت إشرافي.

كيف كانت مجرد خريجةٍ جديدةٍ في خريفها الثاني و العشرين، لا تعرف شيئاً عن المهنة لكن ذات طموحٍ للمعرفة.. كانت هاوية، ولم تخجل يوماً من الإقرار بذلك.

كانت تقولها بابتسامةٍ سخيفة تشقّ وجهها.. تقول أنها مبتدئةٌ عديمة الخبرة.. أنها مازال بحاجة أشهر طويلةٍ وحتى سنوات بيننا كي تحوز الجرأة لتلقيب نفسها بالمحققة.

حتىّ نقاط ضعفها.. لم تسعَ يوماً لحجبها... في وقتٍ ما، لم أر في ذلك سوى شفافيةً مبالغةً من فتاة مندفعة، و انقاصاً من قدر نفسها أمام الغير.

لاحقاً بدأت ألحظُ أسباباً لأفعالها.

شفافيتها تلك و إقرارها بضعفها هو ماكان يمنع كل من يقابلها من رفع آماله ناحيتها.. بقدر ما بدى لي ذلك عيباً بحدّ ذاته بادئَ الأمر بقدر ما ضبطت نفسي لاحقا و أنا أتمنى في أعماقي لو فعلت المثل في حياتي.. في كلّ مرةٍ لمحتُ بها نظرات الخيبة الموجّهة لي على أبسط الأخطاء.

لم يُنظَر لها بشيءٍ لو فشِلَتْ، ولم يُنظَر لي بشيءٍ لو نجحْت.. فنُظر لها بامتنانٍ حين نجحت، و نُظر لي بخيبةٍ حين فشِلت.

فهمت أن الأمر لم يكن له علاقةٌ بمدى قوة شخصيتها أو ثقتها بذاتها، بقدر ما كان مجرّد جزءٍ من كينونتها، كانت قادرةً على فهمه و التعايش معه.. جزءٌ أراد فقط أن يعيش بسلامٍ بعيداً عن توقّعات الغير منها و ثقتهم بها.

أكانت واثقةً من نفسها أم لا؟ تركت الأمر لجوفها فقط ليعلم.

لا هي قلّلت من قدر ذاتها، ولا هي مدحتها... هي فقط لم ترَ نَفسها بحاجةٍ لِفعل أيٍ من الاثنين.

أذكر حين بدأ خيط الصداقة الرّقيق بالنشوب بيننا، حين بدأتُ باكتشاف جوانب كتلك من شخصيتها.. جوانب كانت مسلّماتٍ لها فيما أشعّت نوراً في قلبي حين استكشفت طياتها و أُسُسها.

كانت تبدو جِدّ متفرغةٍ رغم تفانيها في عملها، حتّى كدت أشك ما إن كان يومها حقاً يقف عند الساعة الرابعة و العشرين.

امتلكت عدّة هوايات في الآن نفسه.. أحبتها جميعاً و مارستها في كلّ مرةٍ شعرت بالرغبة لفعل ذلك، قد تنقطع عن إحداها أسابيع أو شهوراً، ثم تعود بمجرّد عودة شغفها.

بديهياً... لم تكن الأفضل في أيٍ من هواياتها، ولم تمانع ذلك أيضاً، مقابل استكشاف كلّ ما يثير اهتمامها.. لم تمانع سطحية استكشافها، بل وكانت ترى الأمر كَـ'صفقةٍ رابحةٍ لغريبة أطوارٍ فضولية' بحسب قولها.

كانت تستنبط الجمال من كلّ ما تلمحه عينها.. لاحقاً استنبطتُ من ذلك السبب الآخر لِجمال قُزحيّتها عدا عن جيناتها الوراثية.

بؤبُؤها اتسع إعجاباً حتى غدَت تلك اللّمعة المُبهَرة جُزءً من ظاهره.. صار الإعجاب الأصل فيه وفي كلّ عينٍ تلمحه.

تبكي حين تحزن.. تضحك حين تفرح.. و تصرخ حين تغضب، لم تكن تخجل يوماً من أي مشاعر تراودها... كانت تُقدّس فطرتها.

مرةً حكَت لي عن اليوم الذي سئلت أمها صُدفةً عن معنى اسمها، حين أخبرتها أنه اختصارٌ لاسم زهرةٍ لم تُضع أي وقتٍ و سارعت تبحث بنفسها عنها.. سألتها بدوري عمّا وجدته كي يثيرها لهذا الحدّ، ولم تبخل عليّ، بل و أجزم أنها كانت تنوي إخباري حتى لو لم أسئلها.

نبتةٌ على هيئة شجيرةٍ صغيرةٍ بأوراق سميكة خضراء على مدار العام، كغيرها من النبات، تُزهر مواسمَ و تُفلت بتلاتها في أُخرى.. لا تفرض على زهورها لوناً أوحدَ بل تدع التصبغات لِتُبدع في أوراقها الناعمة.. حتى أن كلّ زهرةٍ أمكنها الحِظيان بأكثر من لون في الآن ذاته.

زهرةٌ ناعمةٌ لطيفة الشكل و الرائحة، لكنها لا تحاول أن تكون الأجمل أو الأقوى رائحة.. محافظةٌ على رِقّتها رغم قدرتها على الاستمرار في طقسٍ بارد، لكنها مازالت تاركةً لحدودٍ في قدرة تحملها.. حتى في نقاط قوتها... قد تستمر في بضع درجات أقل من الصفر، لكن ستذبل بمجرد أن تنزل الحرارة عن السالب عشرة.

بحُكم الأصول الصينية لوالدتها، كانت أحيانا تُخبرني ببعض الأساطير المرتبطة بهذه الزهرة.. و للحقيقة أحببتُ الأمر.

الحمراء منها -الزهور- دلّت عادةً على الشجاعة، كان يقال أن تلك الزهور تنبت على أراضِ الحرب، تلك المسقية بدماء المحاربين تخليداً لشجاعتهم.

لُقّبت أيضاً بِـ'زهرة التناغم بين الين و اليانغ' أين البتلات الزاهية مثّلت الين -أي الرّقة- و الكأس مثّل اليانغ -أي الحماية-، لأنها وعكس أغلب غيرها من الأزهار، لم تكن تنفض بتلاتها الواحدة تلوَ الأخرى، بل يسقط الكأس بالكامل دون تخلٍّ عن أوراقه.

واستناداً لذلك أيضاً - كيفية سقوط أزهارها- لقّبها البعض بِـ'زهرة الخلود والحب الأبديّ' نظراً لالتحام أجزائها ببعض عند السقوط كما عند التفتّح.

تفتّحها بحدّ ذاته اعتُبِر مُباركة!

في مناطق جنوب الصين، تحديداً بين قومية الـ'يي' و الـ'داي'، أُشير لها بكونها الحاملة لأرواح الأجداد، فإذ هي تفتحت بشكلٍ جيد أعتبر ذلك كإشارةٍ على مباركة الأجداد الأوائل للعائلة، و إذ هي ذبلت فجأةً اعتبر ذبولها إشارة شُؤمٍ وتحذير بمصيبة.

حتى أن القصة المتداولة عن ظهورها، ما كانت إلاّ قصّة فتاةٍ هادئة، عُرفت بصمتها أغلب الأحيان رغم نظراتها اللطيفة لمن حولها، في يومٍ أتى جندي مصابٌ لقريتها فعالجته بنفسها دون أن تنطق حرفاً.. وبعد ذلك بدأت بوضع زهرةٍ جميلةٍ عند نافذة المحارب كلّ صباحٍ تعبيراً له عن حبها الصامت، أما هو فرغم مشاعره نحوها ظن الأمر لا يتعدّى شفقةً منها على حاله.

مشاعر حبه لها نمت شيئاً فشيئاً، إلى أن أخذ القرار بالبوح لها بما بجوفه.. صباح اليوم الذي عقد به العزم على الذهاب لبيتها، لم يجد أي زهرةٍ عند نافذته، خرج متجها لبيتها فرأى الناس مجتمعين حوله وملامح الحزن تغزو وجوههم، حين سأل.. علِم أن الفتاة ماتت بسبب مرضٍ لم يعلم أحدٌ أنها كانت تعاني منه.

تقول الحكاية أن مكانَ جلوسها المعتاد، ظهرت نبتةٌ صغيرة، سرعان ما نمت النبتة لتغدو شجيرةً تعلّق على أغصانها زهرة ناعمةً لم يروا مثيلاً لها قبلاً.

أُطلِق على النبتة اسم 'كاميليا' على اسم الفتاة التي 'أحبّت دون أن تنطق'

هوسها بتلك الزهرة أزهَر داخلي فضولاً للبحث عنها بدوري، و بقدر ما تعمّقت في بحثي، بقدر ما أدركت كم ناسَبَت اسمها.. وبقَدر ما تردد هذا الأخير بصوتٍ أوضح بَين ضجيج عقلي.

♪ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♪

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رُبّـــــــمـــــــــآ |[مُكتَمِلة]| ᎷᎯᎽᏰᎬ

المؤلف del_lina__dod
2025/09/15 مكتملة
قائمة الفصول (21)
الفصل 0: -...-
2025/09/15
الفصل 0.1: الْعَتَبَة
2025/09/15
الفصل 1: {هَذا أَنـــــــآ}
2025/09/15
الفصل 2: {تَــــجــديـــــــد عَـــــــقْـد}
2025/09/15
الفصل 3: {الـــثَّــــــــــــلاثَـــــةُ مَعــــاً}
2025/09/15
الفصل 4: {أَنــــــــــــــآ أَنْـــــت}
2025/09/15
الفصل 5: {هَــــــــدَف}
2025/09/15
الفصل 6: {اَلْـــحُرِّيَّـــــــــــــةُ قَــيْــــــــــــد}
2025/09/15
الفصل 7: {كُلّــــــــــــي}
2025/09/15
الفصل 8: {دِفْـــــــــــــء}
2025/09/15
الفصل 9: {كُـــلُّـــــــــــــــــنـــا}
2025/09/15
الفصل 10: {مَـــجْــــــــــــــــــــنـون}
2025/09/15
الفصل 11: {اَلصَّــــقيـــــــــــــــــــع}
2025/09/15
الفصل 12: {زَهْــــــــــــــــــرَةُ الْكــاميــــــــــلْيــــا}
2025/09/15
الفصل 13: {حَـــــــــــــــــــــــــظّ}
2025/09/15
الفصل 14: {سَــــبْــــــــــــــــــــــــــعُ ســاعـــــــــــــــــات}
2025/09/15
الفصل 15: {هَــــــدِيّــــــــــــــــــــةُ الْــخَريـــــــــــــــــف}
2025/09/15
الفصل 16: {أَيْــلـــــــــــــــــــــــول}
2025/09/15
الفصل 17: {أَنْـــــــــــــــــــــــــت}
2025/09/15
الفصل 18: {الــرّابِـــــــــــــــــــــعِ عَــــــــــــــشْـــــر}
2025/09/15
الفصل 19: {نَـــخْـــــــــــــــــــبُ النِّـهايَــــــــــــــــــــــــة}
2025/09/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة