الفصل الأول بعد الرابع عشر: هديّة الخريف
كاميل بيرولت كانت سبب اللوحة ومضمونها.. وبالتالي قرّرتُ إهدائها إياها.
ترددّتُ كعادتي وقتها.. حدّقتُ بالرّسمة مراراً وأصوات عقلي نهشت بعضها، لكنيّ قررتُ اتباع شعورٍ لا عِلم لي بمصدره.. شعورٌ أخبرني أنّي طالَما أُعطيها لوحتي الأولى، سأضمن أنها لن تكون الأخيرة.
ولسببٍ ما.. أصابَ.
لحظةَ وقوع قرنيتيها على ما رسمتُه.. لمحتُ دموعاً في عينيها.. تلك المسماة دموع السعادة.
لن أكذب لو قلتُ أنّي رأيت ردّ فعلها مبالغاً وقتها.. لكن لم أكن لأستغرب، لو وددتُ الاستغراب من تصرّفاتها لحُزت صفّاً طويلاً قبل أن نصل لردّ الفعل على شخصٍ رَسَمها.
للحظةٍ خاطفة.. شعرتُ بالسوء، على سعادتي بضِحكتها.. كنت سعيداً أكثر من أي وقتٍ مضى.. ابتسامتها الممتنة على رسمي أعطتني شعوراً أفضل مما فعلت ابتسامةُ والدتي الفخورة في كلّ مرّةٍ غطّيتُ بها على الممنوع من أعمالها... شعرتُ بالسوء لأني أسعد بفرحة امرأةٍ قابلتها من بضع شهور، أكثر مما فعلتُ مع امرأةٍ قضَت جُلّ عمرها معي.
لكنّي تذكّرت إحدى مقولات كاميل..
«كُلّ ما تتحكّم به ليس بمشاعر.. فلا تَلُم نفسك على ما لم يكن يوماً بيدك»
رُبما مجدداً.. كانت ترى أعمق مما فعلت، لذلك تَعلّق بؤبؤها المتّسع بالصورة لدقائق كاملة.
لم تكنُ مثالية.. ولا حتّى جيدةً بالنسبة لرَسمي الحالي، لكنّها حملت نكهةً خاصة.. نكهة شغفٍ وُئدَ حيّا، لكن يداً حفرت بين تراب قبره.. فصارت اليَدُ جُزءاً منه.
أتوَقع أن ذلك كان سبب إعجابها؟
لم تكُن آخر رسمةٍ لي.. ولا آخر صورةٍ لها على مرسمي.
بعد ذلك عُدت للرسم.. كهوايةٍ أمارسها حين أضجر.. حتّى أمي، رغم استغرابها، لم تُبدِ أي اعتراض.. كانت في الأساس تُبعِدُني عن كلّ ما يستهويني كي أركّز في دراسة تخصصي، بعد أن تمّ ضمان مكاني بمركزِ التّحقيق.. لم تبدِ أي اهتمام لا بِرسمي ولا بما ظهر لي بعده من هوايات.
مضَت الأيام.. كلٌّ منها أضاف طبقةً أقوى لخيطِ صِلَتي بكاميل.. مع الوقت بدأت أكلّمها دون رسميات.. دون تحفّظ.. بدأت أرى فيها صديقتي المفضّلة.. ثم رفيقة دربي.. ثمّ توأم روحي.
تقدّمتُ لخُطبتها.. في الرابع عشر من سبتمبر.. في العام الرابع بعد الألفين.
رُبما نسَت في البداية.. لم تلاحظ اختياريَ الدّقيق للتاريخ، إلى أن قرأَتْ المنقوش على حلقة خاتم الخطوبة.. اذكُر انفجارها ضحكاً أمام الكل لحظتها.
'هديّةُ الخريف'
صحيحٌ أنّي من طلَب من الصائغ نقش ذلك، لكنّي لم أتوقّع ردّ فعلها ذاك بتاتاً.. قلبتُ وجهي أدّعي النظر للمزهرية قرب الأريكة، ذلك حين شعرتُ بنظرات إخوتها الأربعة تتفحّصني من أعلى لأسفل كأني من ضحك لا شقيقتهم.
مرةً واحدةً أخفضَت الخاتم تحدّق بي بدورها، ضيقَتْ عينيها تتفحّصني من رأسي لأخمص قدَميّ.. قبل أن تمد يداً واحدةً أمامي كدعوةٍ لمصافحة اتفاق:
_«حسنا.. تعادلنا الآن سيد برييل.. عليّ هدية خريف السّنة القادمة، وعليك الزفاف خريفَ تاليَتِها»
سمعتُ صوت سقوط ما بيد والدتها من المطبخ.. إخوتها منهم من دعك جبينه، و منهم من بدا كأنه على وشك ضربه بالحائط.. ومن كان يصبّ القهوة منهم، تحجّرت يَدُه على قبضة الإبريق، بينما رفع عينيه لأخته بنظرة:"اثقلِ قليلاً"
لكنها وردّا على نظراتهم.. ما كان منها إلا أن أنزلت يدها لوهلة تُطلقُ نفساً قصيراً قبل أن تَنطق:
_«ماذا؟.. ألم يتقدّم لخطبتي للتوّ؟.. خطبة امرأةٍ تعني الرغبة بالزواج مِنها، و أنا ـ المرأة ـ موافقة.. أليس الطبيعيّ أن ننتقل لتحديد ميعاد الزفاف؟»
قالتها ببساطة قولها المعتادة بينما تهزّ كتفيها.. مرّرت نظراتها على إخوتها الأربعة... الواحد تِلوَ الآخر، كتحدٍ صامت منها لهم لمن يستخرج اللامنطقيّ بكلامها.
قبل أن تستقرّ حدقيتاها عليّ.. رفعَتْ يدها الشاغرة من جديد تمدّها نحوي، ثم قالت:
_«إذاً.. ما قولك سيّد برييل؟»
ابتسمتْ.
رفعت يدي بدوري أُلحِمها بخاصتها في مصافحةٍ رسميةٍ كما رغبَت تماماً:
_«اتفقنا، آنسة بيرولت... الرابع عشر من سبتمبر.. العام السادس بعد الألفين، سأجعلُه زِفافنا»
ضحكَتْ من جديد بينما تُغطّي فمها بظهرِ قبضتها الممسكة بالخاتم.. ودونَ إزاحةٍ ليدي المصافحة خاصّتها.. أشرت لها بعيْنيّ نحوه الخاتم.
سُرعان ما فهمَت قصدي.. أنزلت يدها، ثم بسطت كفّها كاشفةً عن الحلقة اللامعة التي اختبئت داخله، مددت يدي الشاعرة ألتقط الخاتم، ثم أمام أنظارنا الاثنين و الحاضِر من عائلتها، رفعتُ يدها المُلتَحِمة بيدي، أُدخِل الخاتمَ مكانَه حول بِنصرها.
مذّاك الوقت، بدأت الزّيارات بين منزلها و منزِلي.. كثيراً ما شعرت بنظرات إخوتها لي.. نظراتٌ غير راضية، كأن أملهم خاب في مواصفات الرّجل الذي قد تقبله أختهم زوجاً لها.
لكنّي لم أمانع الأمر.. في أسوء الأحوال سينصحونها بالتّفكير مَليّاً فيماَ ترغبُ بالإقدام عليه.. لن يلجؤوا يوما لأساليب رخيسة كتكريهِها فيما تُحبّه، فهُم ليسوا أمي.
رغم طباعهم المختلفة عنها.. كُنت قادراً على استشعار تلك المودّة بينهم.. حتّى نظراتهم نحوي ماكانت إلاّ خوفاً على مستقبل شقيقتهم الوحيدة.
مع الوقت.. حتّى ذلك بدأ بالتّبدد.. لم ينظروا نحوي بإعجاب خالِص، لكنهم أيضا لم يخترقوني بتحديقاتهم التي تهمس:"اختَفِ"
حتى شغف الفنون داخلي نما مع كل أسبوعٍ أمضيته رُفقتَها.. أسمعتني في إحدى المرّات بعضاً من عزفها على ناي الشياو (Xiao /箫) الصّينيّ.. ثم أخبرتني أن إحدى أقرب الهوايات الغريبة لقلبها، كانت الرّقص أثناء العزف عليه.
النّاي آلةٌ موسيقية تُعرفُ بهدوء أنغامها.. و الشياو تحديداً كان أحد رموز السّكينة في الحضارة الصينية، طوله قد يصل المِتر في بعض الأحيان، وطريقة العزف عليه مختلفةٌ نسبياً عن أشباهه.
لإصدار النغمات، يتمّ إطلاق زفيرٍ خفيف في فتحةٍ أعلى الناي لا أحدَ جانبيه.. يتمّ صُنع الهيكل من خيزران البامبو المعروف بخفّة وزنه المُبهمةِ لصلابته، والذي بدوره حمل دلالات خاصة في الصين القديمة.
لكن كاميل..؟ كانت تضرب بكل ذلك عرض الحائط.
كانت تُفضّل العزف عليه أثناء رقصتها، بأنفاس متلاحقة تقارع كلّ ما عدا الهدوء.. قالت أن تلك الأنغام أشعَرتها بقوّة رقصها، ولذلك أحبّتها.
كما اعترفت لي أن والدتها تغادر البيت في كلّ مرةٍ تسمع تلك الأنغام المشتتة تغادر غرفتها.. ربّما سماع إجرامٍ كذاك في حقّ آلةٍ كالشياو كان يسبب لها الصّداع.
نادراً ما كانت كاميل تعزف عليه بصورةٍ طبيعية.. و بالتالي عزفها لم يكن الأفضل.
لكنّي أحببت كيف أنها مجدداً لم تخجل من التعبير عن حبّها لكلّ ما اعتبره الغير غريباً.. ليلتها بحثت لوحدي عن بعض الآلات الموسيقية التّقليدية.. ووجدتُ نفسي أنجذب بدوري للقيثارة الصينية التقليدية.. تلك المسماة بـ'القو تشين' (Guqin /古琴).
عبارةٌ عن قيثارةٍ تقليدية على شكل شبه منحرف، تتجاوز المتر طولا.. تُربط عليها عادةً سبع أوتار حريريّة للعزف عليها باليد العارية.
و القو تشين تحديداً، لم يكن مجّرد آلة موسيقية يُعزَف عليها كهوايةٍ جانبية، إنما أحدَ رموز النبالة الأربعة في الصين القديمة.
كان لديهم مثلٌ متداولٌ عن هذه الأخيرة:
«琴棋书画,四艺也»
«القوتشين و الويتشي- أي الشطرنج الصيني- الخطّ والرسم، هي الفنون الأربعة»
هذه المقولة تداولت كثيراً بين النبلاء في العصور القديمة، كوصفٍ للمهارات الأساسية التي يجدر بالنبيل المثقّف إتقانها.
الأربعة مثلوا التوازن بين الموسيقى.. الذكّاء.. الثّقافة الأدبيّة.. والجمال الفنّي.
لم أعِ إلّا و أنا أجوب متاجر الحِرف التقليدية تنقيباً عنها.. حين لم أجد طلبتُ من كاميل، فكادت تصِل السّقف من حماسها.. حتّى أنها عرضت عليّ إهدائي واحدةً و تعليمي العزف عليها، نظراً لحيازتها لبعض الخلفية عن أغلب الفنون الصينية التقليدية من طرف أمها.
لم أمانع... بل و سرعان ما بدأتُ أُناغم مع عزفها على الشياو، و أحيانا كثيرةً مع إيقاع رقصاتها.
خطرَ ببالي كلّ وقتٍ وحين تأمّلتُها.. لولا ذاك الجوّ السيء مساء الرابع عشر من سبتمبر.. لولا حظّي المشؤوم الذي أنساني المظلّة.. لولا انزلاق قدم البلهاء مع سيل الشارع...
هدير سيارةٍ متوقّفة قصّ شريط ذكرياتي.
رمشتُ عدّة مرّاتٍ أستوعب أين أنا..
مازلت جالساً في الحديقة.. يداي المصفرّة المحرومة من جريان الدم بين عروقهما تحدّاني من الخلف، بينما كاميل نائمةٌ بعمقٍ تُسند رأسها لصدري.
رفعت رأسي.. شقيقها الأكبر مُتوقّفٌ بسيارته في الشارع خلف سياج الحديقة مباشرةً، ينقل نظره بيننا - كاميل و أنا- بتقطيبةٍ خفيفةٍ على جبينه.
لم ألبث ساكناً، سرعان ما استقمت بحذر أدير جسد كاميل للجانب لأتمكّن من حمله بين ذراعيّ دون إيقاظها.
لحسن الحظ.. كانت نحيلة الجسمان.
خطوت بها أعبر باب السياج المعدنيّ للحديقة بعد أن دفعته بركبتي، توقّفتُ على الرّصيف مقابلاً للزجاج الجانبي لزجاج النافذة.. بينما رأيت شقيقها من الداخل يتطاول للوصول لمقبض فتح الباب الخلفيّ.
لم يلبث طويلا أن فُتِح الباب.. دخلت قدمٍ واحدة مرْكَزتُها مقابلةً للكرسي الأوسط، ثمّ وضعتُ كاميل بالعرض.
أغلقت الباب من خلفي بعد أن تحقّقتُ من راحة وضعيتها و استحالة وقوعها حتى مع تحرّك السيارة.. كنت سأغادر قبل أن تستوقفني كلماتٌ خافتة صادرةٌ عن موضع السائق.
_«شُكراً.. لحِرصكَ على شقيقتي»
التفتت نحو المُتحدّث - شقيق كاميل- ولمحته يبتسم.. لم أُنكر صدمتي فكلامٌ كذاك لم يكن يوماً من خصاله، وخاصةً معي.
لكني سأعتبرها نطفة تقدّمٍ أخرى في علاقتي بعائلتها.
بادلته الابتسامة.
_«شقيقتك تكون خطيبتي.. لا داعيَ لشكري على ما يدخل ضمن واجباتي»
قُلتها بابتسامةٍ خافتة بينما أطأطئ رأسي ببطء المرّةٍ واحدة.
بادلني الإيماءة قبل أن يختتم:
_«وزوجتك عمّا قريب.. إيّاك و كسرها»
قالها ثم تحرّك يبتعد تاركاً الدّخان موضِعه.. لوّحتُ بيدي لثوانٍ، قبل أن أستدير عائداً.
شقيقها هذا على وجه الخصوص، لم يكن نوع الأشخاص المائلين للتّحدّث بأدب.. ولا المائلين لطلب ما يرغبون به لُطفاً..
عادةً، حين أراد طلب شيء.. كان يضيف "وإلاّ.." دون شعورٍ منه، حتّى بمزاحه.
طلبه منّي الحِفاظ على إشراق أخته كافٍ لإخباري بأمرين.. تغيّر نظرته نحوي، ومدى حِرصه على كاميل.
رُغم علمنا الاثنين أنه تهديدٌ ضمنيٌّ في نهاية المطاف.. فلَو خالفت طلبه مستقبلاً سيلحقني لنهاية العالم لدفني حياً لقاء إبآس أخته الصغرى.
توقّفتُ عند باب الفِناء.
عاد البيت مُقفراً.
♪ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♪
del_lina__dod