{أَنْـــــــــــــــــــــــــت}

{أَنْـــــــــــــــــــــــــت}

18 0

اَلْفَصْلُ الثّالِثُ بَعْدَ الرّابِعِ عَشَر: أَنْت

قلّبتُ الأوراق الماثلة بين يدي.. تأمّلتُ صور المفقود المرفقة بملفّ القضيّة، ثم أغلقت هذا الأخير احتضنه تحت ذراعي..

أخيرًا... وُكّلتُ قضيّةً أنا جانيها..

رفعت بصري لرئيس القسم أركّز قليلاً مع كلامه بعد أن شعرت بوكزةٍ في وِركي من طرف كاميل، تحثّني بطريقتها على الاستماع لهرائه المبتذل عن مسؤوليتنا في تحقيق العدالة لضحايا الخطف.

_«.. هذه مسؤوليتنا كمحققين، أعطوا كامل جهودكم فكلّ دقيقةٍ قد تقرّب الضحايا من موتٍ أكيد...»

لا تقلق سيدي، هم ميتون بالفعل.

ومالذي يقصده ب'ضحايا'؟ هل الضحايا يركضون لتفنيتك بمجرّد رؤية بضع دولارات على صورتك في الانترنيت المظلم؟

أغلب المحفقين هنا بالفعل أغبياء.

مسيرتي الإجرامية بدأت منذ أشهر طويلة، وهم لم يعجزوا فقط  عن تحديد هويتي.. بل لم يربطوا الجرائم ببعضها.. بعد عشرين اختفاءً متتالياً على مدار عشرة أشهر مازالوا عاجزين عن استنتاج أن المجرم واحد!

لو لم أضعه بنفسي كافتراض.. ربّما لم يكونوا ليشكّوا حتّى أصِل الثلاثين في عدد جثاميني.

أحياناً أجده مضحكاً... كيف أنّهم انتظروا من المجرم الإدلاء بافتراضه كي يبدأوا التنقيب الجديّ في القضية.. بل و أراهن أن هذا وحده كافٍ لاستثنائي كلياً من الشّبهات لهم.

ربما جُلّهم مكرهون على المهنة.. أعني... جُلّنا.

_«سيد برييل!»

رفعت رأسي فجأةً بمجرّد سماع اسمي.. لقد كان رئيس القسم مجدداً، لا بدّ أني شردت أثناء قوله لشيء مهم.

_«اعتذر على الشرود... لم أقصد عدم التركيز»

_«هذا المجرم النّذل مازال حُرّاً طليقاً بيننا.. وكونك بادرت بجمع الخيوط ببعضها لا يعطيك الحقّ للاستهتار بما عدا ذلك، الغرور من شيم....»

لم أركّز مع الباقي من كلامه، فقط طأطأت رأسي بمعنى 'كلامك بالكامل صحيح'

لكم هو مثيرٌ للشّفقة أن المجرم النّذل ساهم في كشف نفسه أكثر مما فعلتَ أنت يا رئيس القسم؟

صحيح.. النّذل لازال حراً طليقا يترادّ معك في الحديث، يوسوس لنفسه من الحين للآخر بهويّة ضحيته القادمة، و أنت سيدي تكاد تتصدّر القائمة.

قطعاً لم أجهر بذلك، أريدهم أن يعلموا هويتي و إلاّ ما كنت ساعدتهم.. لكن ليس الآن.

ستعلمون جميعاً من النّذل.. لكن بعد فوات الأوان.

_«يمكنكم الانصراف»

أوليته ظهري فور تلفّظه بجملته الختامية.. سِرتُ بخطوات متّزنةٍ نحو باب مكتبه لأغادر بينما أسمع خطوات كاميل من خلفي تلحقني.

_«كاسيان!»

استوقفني ندائها.. عزفت عن المشي لثوانٍ أنتظرها لتصل جانبي، و ما إن فعلت حتى استمريّت في المسير لكن مراعياً سرعة خطواتها هذه المرّة.

_«هل لك أي ضغائن شخصية مع رئيس القسم؟»

قالت بينما تسير بجانبي نتوجّه نحو الباب الرئيسيّ للمركز.. ابتسمت بسخريةٍ أهزّ رأسي ببطءٍ قبل أن أردّ:

_«تماماً.. الوغد رفض دعوتي له لتنقية السمك في بيتي، تخيلي»

_«بحقّك كاسيان، أسئلك بجدية»

_«أيّ سؤالٍ هو هذا؟ طبعاً هنالك بعض الجفاف فهو رئيسي المباشر، لا أحد يحب رئيسه.. أم هل افتُرض بي شكره على توبيخه السابق لي؟»

_«لا أتحدّث عن اليوم فقط.. لم تكن يوماً على وفاق معه»

توقّفتُ قليلا عند عتبة باب المركز.. حدّقتُ بها بابتسامةٍ ساخرةٍ على وجهي قبل أن أنحني عند أذنها.. لمحتها تعتدل في وقفتها تستعد لسماع السّر الكبير الذي أنوي الهمس به لها.

_«كاميل.. هل يمكنك عدُّ من أنا على وفاق معهم في هذا المركز؟»

_«حسناً حسناً، صدّقتك.. أنت فقط تكره بني البشر، لا أكثر ولا أقلّ»

قالتها بينما تدفعني عنها باصبعين منتصفَ صدري، ابتعدتُ فور أن لمحت الابتسامة تتدرّج في غزو وجهها أيضاً.. ابتعدت فور أن تأكدتُ أنها لن تُفكّر مليا في الأمر لاحقاً.

تجاوز كِلانا العَتبة نخطوا أولى خطانا خارج المَركز.. قبل أن تعيد السؤال عن نفس الموضوع من جديد:

_«إذاً لو لم تحُز أي ضغائن ضدّه، هل أفترض أن كلامه هو ما لا يروقك؟»

_«نسبياً... ليس الأمر أن مضمون كلامه لا يروقني.. بل كونه مبتذلاً أكثر من اللازم، أعني.. لمَ عليّ أن أسمع الشيء نفسه عن ضرورة تحقيق العدالة للمظلومين في كلّ مرّة؟ كلنا نعلم ذلك»

_«صحيح، كلّنا نعلم.. حتّى المجرم يفعل، غير أنه مازال مستمرّاً في ما يقوم به»

أمسكت نفسي على اللحظة الأخيرة عن إبداء رد فعل مريب.. كنت على وشك التّوقف عن السير للحظات، لكن ذلك في غير صالحي الآن.

لمَ كاميل تقول هذا الآن؟

هل يُعقل..

أنها تشكّ بي؟

سرعان ما جاريتها بضحكةٍ ساخرةٍ خافتةٍ قبل أن أردف:

_«تماماً.. وحتى لو استمع المجرم بنفسه لكلام رئيس القسم لن يغيّر رأيه، بمعنى.. كلامه عديم الأهمية»

_«لكنّي لا أفهم.. لو كان المجرمون يعلمون مسبقاً أن ما يفعلونه خطأ.. لمَ لازالوا مستمرّين بذلك»

_«لا أدري.. ليس الكلّ مثلنا، البعض لا يهتمّون للصواب من الخطأ»

_«أكره وجودهم.. أكره تبلّدهم.. أكره أكاذيبهم.. أكرههم»

قلبي  توقّف عند  كلّ لفظ "كُرهٍ" غادر فاهها.. شعرتُ بوخزةٍ.. لا... بل بطعنة، تخطّ لوحاتها جوف صدري بينما أحدّق بملامحها التي لا تظهر سوى مع نوع واحد من الأشخاص.. ذاك النوع الذي أكونه.

عرفتها لأكثر من ثلاث سنين... أمضيت معها جلّ وقتي، سمعتها وهي تعبّر عن عدم تفضيلها لكثير من الأشياء، لكن لفظ 'الكراهية'... كان شيئاً آخر.

لقد كان مختصاً.. ربّما كانت طريقتها في التعبير عن شدّة مقتها للجناة.. فأخصّته بهم.

بل ولم تكن لتشير حتى لأي مجرم بذلك.. كانت تضع تسلسلاً هرميا، ترأسه القتلة، ولحِقهم المُختطفون.

في هذه الحالة، وطبقاً للدلائل الحاضرة.. فأنا أكون الاثنين معاً.

شاهدتها... وهي تعصر قبضتيها.. وهي تزمّ على شفتيها.. وهي ترفعُ نظرها نحوي:

_«كاسيان.. رئيس القسم قد يشكّ بك، توقّف عمّا تفعله»

_«حسناً.. سأتوقّف عن الاستهتار، ليلةً سعيدة»

قُلتها بابتسامةٍ صفراء ما إن وصلنا مفترق طُرقنا.. لوّحت لها نهاية كلامي، ثم استدرت أوليها ظهري.

رئيس القسم أغبى من أن يشكّ بي، ليس و أنا من أعطاه خيط البداية.

إنها أنتِ خطيبتي.. أنتِ من تشكّين بي لا سِواك.

♪ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ♪

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رُبّـــــــمـــــــــآ |[مُكتَمِلة]| ᎷᎯᎽᏰᎬ

المؤلف del_lina__dod
2025/09/15 مكتملة
قائمة الفصول (21)
الفصل 0: -...-
2025/09/15
الفصل 0.1: الْعَتَبَة
2025/09/15
الفصل 1: {هَذا أَنـــــــآ}
2025/09/15
الفصل 2: {تَــــجــديـــــــد عَـــــــقْـد}
2025/09/15
الفصل 3: {الـــثَّــــــــــــلاثَـــــةُ مَعــــاً}
2025/09/15
الفصل 4: {أَنــــــــــــــآ أَنْـــــت}
2025/09/15
الفصل 5: {هَــــــــدَف}
2025/09/15
الفصل 6: {اَلْـــحُرِّيَّـــــــــــــةُ قَــيْــــــــــــد}
2025/09/15
الفصل 7: {كُلّــــــــــــي}
2025/09/15
الفصل 8: {دِفْـــــــــــــء}
2025/09/15
الفصل 9: {كُـــلُّـــــــــــــــــنـــا}
2025/09/15
الفصل 10: {مَـــجْــــــــــــــــــــنـون}
2025/09/15
الفصل 11: {اَلصَّــــقيـــــــــــــــــــع}
2025/09/15
الفصل 12: {زَهْــــــــــــــــــرَةُ الْكــاميــــــــــلْيــــا}
2025/09/15
الفصل 13: {حَـــــــــــــــــــــــــظّ}
2025/09/15
الفصل 14: {سَــــبْــــــــــــــــــــــــــعُ ســاعـــــــــــــــــات}
2025/09/15
الفصل 15: {هَــــــدِيّــــــــــــــــــــةُ الْــخَريـــــــــــــــــف}
2025/09/15
الفصل 16: {أَيْــلـــــــــــــــــــــــول}
2025/09/15
الفصل 17: {أَنْـــــــــــــــــــــــــت}
2025/09/15
الفصل 18: {الــرّابِـــــــــــــــــــــعِ عَــــــــــــــشْـــــر}
2025/09/15
الفصل 19: {نَـــخْـــــــــــــــــــبُ النِّـهايَــــــــــــــــــــــــة}
2025/09/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة