كانت الساعة تقترب من الثامنة مساءً عندما بدأ شارع "الزمرد" يخلع ثوب النهار الصاخب ليرتدي عبائة الليل الهادئة، المزينة بأضواء المصابيح الصفراء الدافئة. في صالون "كراميلا بيوتي"، كانت الحركة قد هدأت أخيراً بعد أسبوعين من العمل المتواصل الذي لم يترك لكراميلا وعاملاتها فرصة لالتقاط الأنفاس.
على الجانب الآخر من الجدار، كان نزار مهران يقف أمام مرآة محله الطويلة، يراقب انعكاسه، ويمرر أصابعه في شعره الداكن الكثيف محاولاً ترتيبه بطريقة تبدو عفوية. كان قلبه ينبض بإيقاع غير معتاد، إيقاع يشبه طبول الحرب، رغم أن المعركة الوحيدة التي كان يستعد لخوضها هي مجرد دعوة جارته لتناول العشاء.
"الأمر بسيط يا نزار"، تمتم لنفسه وهو يعدل ياقة قميصه للمرة العاشرة. "أنت تدعوها لعشاء ودي. لا داعي للتوتر. فقط قل: كراميلا، هل تقبلين دعوتي للعشاء؟. لا، هذا رسمي جداً. ستبدأ في الشك. ماذا عن: كراميلا، ما رأيك في تناول الطعام خارجاً؟ لا، يبدو وكأنني أدعوها لتناول شطيرة على الرصيف".
أخذ نزار نفساً عميقاً وبدأ يتمشى في محله، تتزاحم الأفكار في رأسه. كان يعلم تماماً أن كراميلا بطبيعتها متمردة، عنيدة، وتكره الرسميات التي تشعرها بأنها مقيدة. إذا وجه لها دعوة صريحة ومباشرة لعشاء رومانسي، فقد ترفض، ليس لأنها لا ترغب في ذلك، بل لأن كبريائها أو ارتباكها قد يدفعانها للهروب. كان يحتاج إلى عذر، حجة مقنعة تجعل الدعوة تبدو بريئة تماماً، وكأنها مجرد استمرار طبيعي ليومهم.
توقفت عيناه عند الجدار الفاصل بينهما. تذكر الفرحة التي غمرت وجهها عندما عادت عاملاتها. تذكر ضحكاتها ورقصها.
"وجدتها!" ابتسم نزار بانتصار.
خرج من محله بخطوات واثقة، وتوجه نحو الباب الوردي. دفع الباب ليدخل، فاستقبلته رائحة القهوة المختلطة برائحة مثبتات الشعر. كانت كراميلا تجلس على كرسي الانتظار، تمد ساقيها بتعب، بينما كانت ريم تكنس الأرضية، وسلمى ترتب أدوات التصفيف.
"مساء الخير على خلية النحل"، قال نزار بصوته الرخيم، وهو يضع يديه في جيوب بنطاله ويقف بوقفته الأنيقة المعتادة.
رفعت كراميلا رأسها، وبمجرد أن التقت عيناها بعينيه، شعرت بتلك الفراشات المألوفة ترفرف في معدتها. حاولت رسم ملامح الجدية على وجهها المتعب. "مساء النور. هل جئت لتشتكي من الضجيج مجدداً؟ لأننا كنا نغني بصوت عالٍ منذ قليل".
ابتسم نزار ابتسامة جانبية أذابت نصف دفاعاتها. "على العكس. لقد جئت لأعقد معاهدة سلام جديدة. وبما أن الصالون قد استعاد نشاطه، وعادت جيوشكِ لتملأ الشارع بالحياة، فقد فكرت... من واجبي كجار صالح أن أحتفل معك بهذا الإنجاز".
عقدت كراميلا حاجبيها بارتياب. "تحتفل؟ أنت؟ نزار يقرر الاحتفال بعودة الضجيج؟".
"ليس بالضجيج، بل بعودة الحياة إلى طبيعتها"، صحح لها وهو يقترب خطوة. نظر إلى ريم وسلمى اللتين توقفتا عن العمل وبدأتا تتابعان المشهد بابتسامات خبيثة. ثم وجه نظره إلى كراميلا قائلاً بنبرة هادئة، مدروسة بعناية: "كنت أفكر في دعوة صاحبة الصالون لتناول العشاء الليلة. احتفالاً صغيراً، غير رسمي، بمناسبة عودة العاملات ونجاح الأسابيع الماضية. ما رأيكِ؟"
ساد صمت قصير في الصالون. كراميلا شعرت بأن قلبها توقف للحظة ثم عاد للنبض بسرعة مضاعفة. عشاء؟ معه؟ وحدهما؟ حاولت أن تحلل كلماته، لكن العذر الذي استخدمه كان ذكياً جداً. إنه يحتفل بالصالون، وليس بها شخصياً... أو هكذا أراد أن يبدو الأمر.
"عشاء..." تمتمت كراميلا وهي تحاول الحفاظ على هدوئها. نظرت بطرف عينها إلى ريم التي كانت تومئ برأسها بجنون إشارة لها بالموافقة. "حسناً، بصفتي صاحبة الصالون، لا يمكنني رفض دعوة جار كريم. أين سنذهب؟"
"دعي المكان لي. سأمر عليكِ في التاسعة. كوني جاهزة"، قال نزار بثقة، ثم غمز لها بعينه اليمنى، وهي حركة لم يفعلها قط من قبل، قبل أن يستدير ويغادر الصالون، تاركاً خلفه إعصاراً من الحماس في الداخل.
بمجرد أن أغلق الباب، صرخت ريم وسلمى وقفزتا نحو كراميلا.
"عشاء! عشاء رومانسي!" هتفت ريم.
"إنه ليس رومانسياً! قال احتفال غير رسمي!" دافعت كراميلا ووجهها يشتعل حمرة.
"يا إلهي، ألا تفهمين لغة الرجال؟" قالت سلمى وهي تسحبها من كرسيها. "هذا العذر أقدم من شارع الزمرد نفسه! أمامكِ ساعة واحدة فقط لتصبحي أجمل امرأة في المدينة. هيا بنا!"
تحولت شقة كراميلا الصغيرة التي تعلو الصالون إلى غرفة عمليات طوارئ. كانت الملابس ملقاة على السرير، والأحذية متناثرة على الأرض، وأدوات التجميل تحتل كل شبر من طاولة المرآة.
"لا، ليس الأسود! يجعلكِ تبدين كأرملة حزينة"، صرخت ريم وهي ترمي فستاناً أسود جانباً. "نريد شيئاً يبرز لون شعرك وعينيكِ!"
كانت كراميلا تقف أمام الخزانة، تشعر بتوتر لم تختبره منذ سنوات. لماذا تهتم إلى هذا الحد؟ إنه مجرد نزار. جارها المتعجرف الذي تشاجرت معه عشرات المرات. لكنها كانت تعلم في قرارة نفسها أن الأمر لم يعد كذلك.
"ما رأيكن في هذا؟" أخرجت فستاناً متوسط الطول بلون أخضر زمردي، ذو أكمام طويلة وقصة بسيطة تحدد الخصر وتتسع قليلاً في الأسفل.
شهقت سلوى. "هذا هو! الأخضر سيجعل شعركِ الناري يشتعل، وعينيكِ العسليتين تبرزان كقطعتي ذهب! ارتديه فوراً!"
بينما كانت كراميلا ترتدي الفستان، بدأت ريم بتجهيز أدوات المكياج. عندما جلست كراميلا أمام المرآة، نظرت إلى انعكاسها. كانت بشرتها الصافية تزينها حبات النمش المتناثرة على أنفها ووجنتيها. في الماضي، كانت تكره هذا النمش، وتضع طبقات سميكة من كريم الأساس لإخفائه، ظناً منها أنه عيب يفسد جمالها.
أمسكت ريم بعبوة كريم الأساس ذي التغطية الكاملة، واستعدت للبدء.
"توقفي يا ريم"، قالت كراميلا فجأة، وهي تمسك بيد صديقتها.
"ماذا؟ ألا تريدين مكياجاً؟"
نظرت كراميلا إلى نفسها في المرآة، وتذكرت كلمات نزار عندما أخبرها يوماً أن فوضاها وطبيعتها هما ما يميزانها.
"لا أريد إخفاء النمش"، قالت بنبرة حازمة. "استخدمي شيئاً خفيفاً جداً. أريد أن أبدو طبيعية. أريد أن يرى كراميلا الحقيقية، كراميلا، وليس دمية بلاستيكية".
ابتسمت ريم بفهم. "كما تشائين، أيتها القائدة".
قضت كراميلا الساعة التالية في العناية بأدق التفاصيل. وضعت مكياجاً خفيفاً جداً أبرز نمشها وجعل بشرتها تتوهج، واستخدمت أحمر شفاه بلون الخوخ الدافئ. أما شعرها، الذي كان دائماً مصدر تمردها، فقد قررت ألا تقيده. تركته منسدلاً على كتفيها، خصلاته النارية والمموجة تعكس الإضائة، واكتفت بوضع دبابيس صغيرة على الجانب الأيسر لتبرز ملامح وجهها.
عندما وقفت أخيراً أمام المرآة بكامل أناقتها، مرتدية حذاءً بكعب عالٍ مريح، لم تصدق نفسها. كانت تبدو فاتنة، واثقة، ومستعدة لاحتلال العالم... أو على الأقل، قلب الخياط المبتدئ.
في الجهة الأخرى، لم يكن نزار أقل توتراً. كان يقف في شقته الفاخرة، التي تشبه محله في ترتيبها وأناقتها، محاطاً بعشرات البذلات.
"بذلة سوداء؟ لا، تبدو وكأنني ذاهب إلى عزاء. رمادية؟ تبدو عملية جداً. توكسيدو؟ مبالغ فيه!" كان يحدث نفسه بصوت مسموع.
أراد أن يبدو في أبهى حلة، ولكن دون أن يظهر وكأنه بذل جهداً كبيراً. أراد تلك الإطلالة التي يطلق عليها "الأناقة المتخفية" أو "اللامبالاة المدروسة".
في النهاية، اختار بذلة بلون أزرق داكن (كحلي) مصممة خصيصاً لمقاسه، تعانق كتفيه بمثالية. قرر التخلي عن ربطة العنق، وترك الزرين العلويين من قميصه الأبيض مفتوحين، ليعطي طابعاً أقل رسمية. ارتدى ساعته الفضية المفضلة، ورش القليل من عطر يترك أثراً لا يُنسى.
عندما نزل إلى الشارع في تمام التاسعة، كانت كراميلا تخرج من باب مبناها.
توقف نزار في مكانه. تسمرت قدماه على الأرض، وتوقفت الكلمات في حلقه.
كانت تتقدم نحوه بخطوات واثقة، الفستان الزمردي يعانق جسدها، وشعرها الناري يتطاير بخفة مع نسيم الليل. لكن ما خطف أنفاسه حقاً كان وجهها. لم تكن تختبئ خلف طبقات المكياج. كان نمشها الصغير يزين وجنتيها كنجوم خافتة في سماء صافية. كانت تبدو حقيقية، نقية، ومذهلة لدرجة أوجعت قلبه.
من جهتها، لم تكن كراميلا في حالة أفضل. رؤية نزار بالبذلة الداكنة، بسترته المفتوحة قليلاً وشعره المرتب بعناية فائقة، جعلتها تشعر وكأنها تقف أمام نجم سينمائي هبط تواً من الشاشة إلى شارع الزمرد. كان ينضح بالرجولة والأناقة، وعيناه الداكنتان كانتا مركزتين عليها بطريقة جعلت الدم يندفع إلى وجهها.
وقفا متقابلين، الصمت يلفهما، والعيون تتحدث بلغة لم يتقناها بعد.
"أنتِ..." بدأ نزار، محاولاً العثور على صوته. "تبدين... لا أجد الكلمة المناسبة في قاموس الأزياء لوصف هذا".
ابتسمت كراميلا بخجل، محاولة إخفاء ارتباكها بمزاحها المعتاد. "وأنت تبدو وكأنك ذاهب لاجتماع مجلس إدارة، وليس للاحتفال بعودة عاملاتي. هل تأكدت من إحضار جدول الأعمال؟"
ضحك نزار، وتبدد التوتر في الهواء. "جدول الأعمال الوحيد الليلة هو ألا نتشاجر، وأن نتناول طعاماً جيداً. هل نأخذ سيارتي؟"
"بما أنك الداعي، فالسيارة عليك".
توجهها نحو سيارة نزار السوداء الفاخرة. فتح لها الباب بلياقة جعلتها تبتسم باتساع. عندما جلست في الداخل، أحاطت بها رائحة عطره المميزة، وشعرت بأن هذه الليلة ستكون مختلفة عن أي ليلة أخرى.
قاد نزار السيارة عبر شوارع المدينة المضاءة، ووصل بعد نصف ساعة إلى حي راقٍ جداً، ليقف أمام مطعم يحمل اسم "لو شاتو دوريه" (القصر الذهبي). كان المكان ينضح بالثراء الفاحش والغرور، واجهة رخامية، سيارات فارهة مصطفة، وحراس أمن يرتدون بدلات سوداء.
شعرت كراميلا ببعض الانزعاج. هي فتاة بسيطة، تحب الأماكن الدافئة والمريحة، وهذا المكان كان يصرخ بالرسمية والتكلف.
"نزار، أليس هذا المكان... مبالغاً فيه قليلاً من أجل عشاء غير رسمي؟" همست وهي تنزل من السيارة.
"لا تقلقي، إنه يقدم أفضل شرائح اللحم في المدينة. أريد أن أطعمكِ شيئاً جيداً بعد أسابيع من تناولكِ للمأكولات السريعة في الصالون،" قال وهو يضع يده بخفة، لأول مرة، على أسفل ظهرها ليرشدها إلى الداخل. هذه اللمسة الخفيفة أرسلت قشعريرة دافئة على طول عمودها الفقري، وجعلتها تنسى مؤقتاً انزعاجها من المكان.
استقبلهم مدير المطعم بابتسامة متصنعة وقادهم إلى طاولة هادئة في الزاوية، تضاء بشمعة صغيرة. كانت الأجواء ساحرة، الموسيقى كلاسيكية خافتة جداً، والزبائن يتحدثون بهمس وكأنهم في مكتبة.
جلس نزار مقابلها. "إذاً، كراميلا، ما رأيكِ في المكان؟"
"إنه... هادئ جداً. أشعر وكأنني إذا سعلت سيطردونني،" أجابت بصدق، مما جعله يضحك بصوت منخفض.
في تلك اللحظة، اقترب منهما نادل طويل القامة، يرفع أنفه في الهواء بطريقة تكاد تكون كاريكاتورية. كان يرتدي زياً أسود وأبيض، ويحمل قائمة الطعام وكأنها وثيقة سرية.
"مساء الخير،" قال النادل بصوت متغطرس وعينين شبه مغمضتين. "أنا 'أنتوان'، سأكون خادمكم الليلة هل ترغبان في البدء بمقبلات الكافيار الروسي أم تكتفيان بالماء؟"
نظرت كراميلا إلى نزار بحاجبين مرفوعين، وكأنها تقول "من أين أتى هذا الكائن؟".
ابتسم نزار بهدوء. "سنكتفي بالماء العادي الآن، أنتوان، وسنلقي نظرة على قائمة الطعام".
وضع النادل القائمتين أمامهما بحركة مسرحية وانصرف.
فتحت كراميلا القائمة. كانت الأسماء كلها بالفرنسية، بدون أي ترجمة أو صور. الأسعار كانت أرقاماً فلكية تجعلها تشعر بالدوار.
"نزار"، همست وهي تختبئ خلف القائمة الكبيرة. "ما هو 'لو بوف بورغينيون أفيك ديس تروف'؟ وهل سعره يعادل إيجار صالوني لشهر كامل؟"
ضحك نزار. "إنه لحم بقر مطبوخ ببطئ مع الفطر، ولا تقلقي بشأن الأسعار، أنا الداعي".
بعد دقائق، عاد 'أنتوان' حاملاً دفتر الملاحظات الصغير.
"هل اتخذتما قراراً، أم أن القائمة كانت... معقدة بعض الشيء؟" قال النادل بلهجة حملت تلميحاً خفياً بالاستخفاف، خاصة وهو يوجه نظره نحو كراميلا التي كانت ترتدي ملابس أنيقة ولكنها لا تحمل علامات تجارية عالمية صارخة كالتي يعتادون عليها هنا.
شعر نزار بانقباض في فكه، لكنها سبقته.
"أريد شريحة لحم،" قالت ببساطة، وهي تغلق القائمة. "لكن أرجوك، أريدها مطهوة جيداً جداً (Well-done). لا أحب أن أرى دماً في طبقي. وأريد بجانبها بعض البطاطس المقلية، وإذا أمكن... القليل من الكاتشب".
توقف تنفس 'أنتوان'. اتسعت عيناه، ونظر إليها وكأنها طلبت منه أن يحرق المطعم.
"مطهوة... جيداً؟ و... وبطاطس مقلية؟ و... كاتشب؟" تلعثم النادل، ووجهه يحمر من الغضب وكأنه تعرض لإهانة شخصية. "سيدتي، نحن هنا في 'لو شاتو دوريه' نقدم اللحم 'ميديوم رير' (نصف مطهو) ليحتفظ بعصارته، والكاتشب... الكاتشب جريمة في حق الطهي الفرنسي! هذا الطلب إهانة للشيف!"
اشتعلت النيران في عيني كراميلا. عروق العناد في رأسها بدأت تنبض.
"اسمعني يا سيد أنتوان، أو أياً كان اسمك،" قالت بصوت بدأ يرتفع، متجاهلة الجو الهادئ للمطعم. "أنا الزبونة، وأنا من سيدفع ثمن هذا اللحم، أو بالأحرى هو من سيدفع،" أشارت إلى نزار. "وإذا كنت أريد لحمي أسود كالفحم وأريد أن أسبح في الكاتشب، فهذا من حقي! لست أنت من سيعلمني كيف آكل!"
بدأ الزبائن في الطاولات المجاورة يلتفتون إليهم.
"سيدتي، أرجو خفض صوتكِ"، قال النادل بعجرفة زائدة، "أنتِ تزعجين الزبائن الذين يقدرون الفن الراقي. إذا كنتِ ترغبين في طعام سريع، فهناك عربات في الشارع تلبي هذا الذوق... البسيط".
كان هذا هو الوتر الحساس. لقد أهانها للتو.
كادت أن تنفجر، لكن قبل أن تنطق بكلمة، نهض نزار من كرسيه بهدوء مرعب.
لم يصرخ، ولم يفقد أعصابه. بل نظر إلى النادل من أعلى إلى أسفل بنظرة احتقار احترافية، تلك النظرة التي يستخدمها مصممو الأزياء لتقييم قماش رخيص.
"أنتوان"، قال نزار بصوته الرخيم العميق، والذي كان حاداً كشفرة الحلاقة. "دعني أوضح لك شيئاً عن 'الفن الراقي'. الفن الراقي هو ألا ترتدي سترة قياسها أصغر من كتفيك بإنش كامل، مما يجعلك تبدو كبطريق يختنق. والفن الراقي هو أن تلبي طلبات ضيفتي دون أن تنطق بحرف واحد خارج حدود الأدب".
أصبح وجه النادل شاحباً كالورقة.
أكمل نزار، وهو يلتفت إلى كراميلا ويمد لها يده. "فضلاً عن ذلك، لقد أدركت للتو أن هذا المكان يفتقر إلى أهم عنصر في أي مطعم... الروح. كراميلا، هل نغادر؟"
نظرت كراميلا إلى نزار، وعيناها تلمعان بإعجاب لم تحاول إخفائه. لم يحاول إسكاتها، ولم يخجل من فوضاها، بل وقف في صفها ودافع عنها بأسلوبه الخاص.
وضعت يدها في يده، ونهضت بشموخ. "نغادر بكل سرور. رائحة الغرور هنا تسد النفس".
تجاوزا النادل المصدوم، والمدير الذي جاء يركض محاولاً الاعتذار، وخرجا من المطعم بخطوات سريعة.
بمجرد أن أصبحا في الشارع، وأغلق باب المطعم الزجاجي خلفهما، ضربهما هواء الخريف البارد.
سيطر الصمت عليهما لثوانٍ. كانت كراميلا تنظر إلى الأرض، تشعر فجأة بالذنب. لقد أفسدت العشاء الأنيق الذي خطط له بتهورها ولسانها السليط.
"أنا... أنا آسفة يا نزار،" قالت بصوت خافت، وهي لا تزال تمسك بيده. "لقد أفسدت كل شيئ. كالعادة، لا أستطيع السيطرة على أعصابي".
نظر إليها نزار. توقف في منتصف الرصيف.
"أسفة؟" سأل، ثم فجأة... انفجر في الضحك.
ضحكة عالية، مجلجلة، خرجت من أعماق صدره، وجعلت بعض المارة يلتفتون إليه. كان يضحك حتى أدمعت عيناه.
نظرت إليه كراميلا بذهول، ثم... لم تستطع المقاومة. انتقلت عدوى الضحك إليها. بدأت تضحك بدورها، ضحكة صافية وعالية.
وقفا في الشارع، بكامل أناقتهما، يضحكان بهستيريا كطفلين قاما بمقلب وهربا.
"هل رأيتِ وجهه عندما سألته عن الكاتشب؟" قال نزار وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة. "كأنكِ طلبتِ منه طهي قطته الأليفة!"
"وهل رأيتَ وجهه عندما أخبرته أنه يشبه البطريق الذي يختنق؟" ردت وهي تمسح دموع الضحك من عينيها. "لقد دمرت كبريائه الفرنسي المزيف يا نزار! كان هذا أروع شيء رأيته في حياتي!"
توقفت ضحكاتهما تدريجياً، لكن الابتسامات ظلت مرسومة على وجهيهما. كانا يقفان تحت ضوء عمود الإنارة، يداهما لا تزالان متشابكتين، والمسافة بينهما تقلصت دون أن يدركا.
"تعلمين"، قال نزار بصوت دافئ وعميق، وهو ينظر مباشرة إلى عينيها. "لم أستمتع بعشاء... أو بالأحرى، بدعوة عشاء، في حياتي كلها بقدر ما استمتعت بها الليلة".
"حتى وإن كنا نتضور جوعاً الآن؟" سألت كراميلا، وصوتها يخرج همساً.
"الجوع مشكلة يمكن حلها"، ابتسم نزار. "أعرف عربة شاورما ممتازة على بعد شارعين من هنا. يقدمون اللحم مطهواً جيداً، ولديهم أطنان من الكاتشب".
اتسعت عينا كراميلا بفرح طفولي. "هل تمزح؟ شاورما وأنت ترتدي هذه البذلة الفاخرة؟"
"البذلة يمكن غسلها"، قال نزار وهو يشدد على قبضته حول يدها بلطف، ويسحبها لتمشي بجواره. "لكن الحصول على عشاء مع كراميلا الحقيقية، بعيداً عن تصنع 'أنتوان'... هذا شيء لا يقدر بثمن".
مضيا معاً في شوارع المدينة، تاركين خلفهما المطعم الفاخر وقواعده الصارمة. في تلك الليلة، وهما يتناولان الشاورما على الرصيف، تتساقط قطرات الصلصة ويضحكان بصوت عالٍ، أدرك نزار و كراميلا أن الفوارق بينهما لم تعد حواجز تفصلهما، بل أصبحت قطع بازل متداخلة... تكمل بعضها البعض لتصنع أجمل صورة ممكنة.
prince Egotist