كانت الأيام التي تلت "حادثة مجفف الشعر" و"الكيكة المحترقة" مشحونة بتيار كهربائي غير مرئي يمر عبر الجدار المشترك بين محل "نزار مهران" وصالون "كراميلا بيوتي". كان كلاهما يتظاهر باللامبالاة والانشغال، لكن في الحقيقة، كان كل منهما يراقب الآخر بحذر العاشق الذي يخشى الاعتراف بهزيمته. النظرات المسروقة عبر الواجهات الزجاجية، تعمد الخروج إلى الشارع في نفس الوقت، والابتسامات الخفية التي يتم إخفاؤها بسرعة خلف أقنعة التجهم المصطنع، كل هذا كان يمهد لانفجار عاطفي وشيك.
وفي صباح يوم السبت، وهو أكثر أيام الأسبوع ازدحاماً في شارع "الزمرد"، وقع الانفجار، ولكن ليس بالطريقة الرومانسية التي يتخيلها المرء، بل بطريقة "كراميلا" الفوضوية المعتادة.
في محله الأنيق، كان نزار يقف أمام طاولة القص الخشبية الضخمة، يعكف بتركيز شديد على قص قطعة من قماش الحرير الطبيعي النادر، والذي استورده خصيصاً لزبونة من العائلة المالكة. كان القماش بلون العاج الفاخر، ولا يقبل أي خطأ، حتى لو كان بحجم مليمتر واحد. كان نزار يحبس أنفاسه، والمقص الذهبي ينزلق بنعومة فائقة عبر النسيج الرقيق.
في تلك اللحظة الدقيقة، وفي وسط الصمت المقدس الذي يفرضه نزار على مشغله أثناء العمل... حدث شيئ غير متوقع.
طَق...
قطرة ماء صغيرة سقطت من السقف، وتحديداً من الزاوية العلوية المشتركة مع جدار الصالون المجاور. سقطت القطرة ببطئ، واستقرت مباشرة على طرف قطعة الحرير العاجي، تاركة بقعة مائية دائرية صغيرة.
تجمد نزار في مكانه. رمش بعينيه مرتين، غير مصدق لما يراه. رفع رأسه ببطئ نحو السقف، ليرى بقعة رطوبة صغيرة بدأت تتشكل حول أنبوب مياه قديم يمر عبر الجدار الفاصل.
طَق...
سقطت قطرة ثانية، وهذه المرة استقرت على ظهر يده.
أغلق نزار عينيه، وأخذ نفساً عميقاً، عميقاً جداً، محاولاً السيطرة على بركان الغضب الذي بدأ يغلي في صدره. الحرير الطبيعي لا يتحمل الماء العادي غير المعالج، والبقعة قد تفسد هذه القطعة الثمينة تماماً. وضع المقص على الطاولة بهدوء مرعب، وسحب القماش بعيداً عن منطقة الخطر، ثم استدار بخطوات عسكرية نحو الباب.
في الجانب الآخر من الجدار، كانت الفوضى في أوجها. صالون "كراميلا" كان يعج بالحياة، أصوات مجففات الشعر، ثرثرة الزبونات، ورائحة القهوة الممزوجة بمثبتات الشعر. كانت كراميلا تقف عند حوض غسيل الشعر، ترتدي مريلة بلاستيكية زرقاء فوق ملابسها الفوضوية المعتادة، وتقوم بغسل شعر إحدى الزبونات بحماس مفرط، بينما تغني بصوت عالٍ مع أغنية شعبية تصدح من المذياع.
لم تكن تدرك أن وصلة الأنبوب المطاطي المتصل بحوض الغسيل قد انشقت قليلاً، وأن كمية صغيرة من الماء كانت تتسرب ببطئ وتتغلغل في الجدار المشترك القديم.
فجأة، انفتح باب الصالون بقوة كادت أن تخلعه من مفصلاته. توقفت الأغنية في رأس كريمة عندما رأت نزار يقف في المدخل. لم يكن يرتدي سترته، بل قميصاً أبيض مشمراً، ووجهه يحمل تعبيراً جعل كل من في الصالون يتوقف عن الحديث.
"كريمة!" نطق اسمها بصوت جهوري، حاد، يفتقر إلى أي ذرة من الرومانسية أو المودة التي كانت بينهما قبل أيام.
رفعت كريمة رأسها من فوق حوض الغسيل، ومسحت رغوة الشامبو عن جبهتها بظهر يدها. "ما الأمر الآن يا سيد نزار؟ هل أزعجك تنفس زبوناتي؟ أم أن ظلي سقط على واجهتك الزجاجية؟".
تقدم نزار نحوها بخطوات سريعة، متجاهلاً الزبونات اللواتي كن يراقبن المشهد بفضول واستمتاع. "هل قررتِ إضافة السباكة إلى قائمة مواهبك التدميرية؟ محلي يغرق!".
"يغرق؟" اتسعت عينا كريمة بسخرية. "هل انفجر سد مائي في شارع الزمرد ولم يخبرني أحد؟"
"بل حوض الغسيل الخاص بكِ هو ما انفجر!" أشار نزار بيده نحو الجدار المشترك. "هناك تسرب مياه قادم من جدارك، وقد سقطت المياه مباشرة على قطعة حرير تكلف أكثر من كل محتويات صالونكِ هذا!".
نظرت كراميلا إلى الأسفل، ولاحظت للمرة الأولى بركة الماء الصغيرة التي تجمعت تحت الحوض. احمر وجهها من الحرج لثانية واحدة، لكن كبريائها الدفاعي سرعان ما سيطر على الموقف.
"إنها مجرد قطرات بسيطة! أنبوب صغير تشقق، وسأقوم بإصلاحه. ليس هناك داعٍ لهذه الدراما المسرحية الكلاسيكية!" ردت بصوت عالٍ وهي تغلق صنبور المياه.
"دراما؟ قطعة الحرير تلفت يا كريمة! هذا إهمال جسيم، وعدم مسؤولية! أنتِ لا تعرفين كيف تديرين مكاناً صغيراً كهذا، فكيف سمحوا لكِ بفتح صالون بجوار محلات محترمة؟" الكلمات خرجت من فم نزار كشلال غاضب. كان الغضب من تلف القماش قد أعماه، وأيقظ النسخة القديمة المتعجرفة منه، النسخة التي نسيها تماماً في الأيام الماضية.
كانت كلماته قاسية، وضربت وتراً حساساً في قلب كريمة. تلك الكلمات التي تعايرها بفقرها وفوضويتها أمام زبوناتها الجدد كانت كصفعة مدوية على وجهها.
تركت المنشفة من يدها، وتقدمت نحوه حتى وقفت أمامه مباشرة، ملامحها متصلبة وعيناها تلتمعان بدموع الغضب المكبوت. "محلات محترمة؟ هل تقصد محلك الذي يشبه المتحف الميت؟ استمع إلي جيداً يا سيد نزار... لن أسمح لك بإهانتي في مكاني وأمام زبوناتي بسبب قطرة ماء! إذا كنت منزعجاً جداً، اتصل بالشرطة كما تفعل دائماً أيها الجبان المتعجرف!".
"تتحدينني؟" ضاق عينا نزار، وقد فقد السيطرة تماماً على أعصابه.
"نعم أتحداك! اتصل بهم! اتصل بصديقك الرائد طارق واخبره أن كراميلا قد دمرت إمبراطوريتك بقطرة ماء!" صرخت في وجهه وتحدت بنظراتها كل تحذير في عينيه.
لم يفكر نزار. أخرج هاتفه من جيبه، وبحركة غاضبة، اتصل بطارق.
بعد أقل من نصف ساعة، كانت سيارة شرطة تقف أمام المحلين. لكن هذه المرة، لم يكن طارق في مزاج يسمح له بالتعامل معهما. لقد كان يومه طويلاً، مرهقاً، ومليئاً بقضايا حقيقية. وعندما دخل إلى الصالون ورأى "الجريمة" التي تم استدعاؤه من أجلها—بقعة رطوبة على الجدار وبضع قطرات من الماء—شعر بأن شعرة معاوية بينه وبين نزار قد قُطعت.
"هل أنتما تمزحان معي؟" قال طارق بصوت منخفض، يرتجف من الغضب المكتوم، وهو ينظر إلى نزار وكراميلا اللذين كانا يقفان متباعدين، مكتوفي الأيدي، وكل منهما ينظر في اتجاه معاكس.
"هذا إتلاف للممتلكات يا طارق،" قال نزار بصرامة. "القماش تالف."
"إنه يبالغ كعادته! إنها مجرد قطرات، وسأدفع ثمن قماشه السخيف!" قاطعته كريمة بانفعال.
فرك طارق وجهه بكلتا يديه، ثم أشار إلى الباب. "كلاكما. أمامي إلى سيارة الدورية. الآن."
"ماذا؟ لماذا؟" سأل نزار بصدمة. "أنا المشتكي!"
"وأنا ضابط شرطة ولست جليس أطفال!" صرخ طارق بصوت جعل الزبونات ينتفضن في أماكنهن. "اخرجا إلى السيارة قبل أن أوجه لكما تهمة إزعاج السلطات وإهدار وقت الشرطة! تحركا!".
لم يجرؤ أي منهما على النطق بكلمة أخرى. سار نزار وكريمة خلف طارق نحو سيارة الشرطة، محاطين بنظرات الجيران المصدومة والساخرة في آن واحد.
في مركز الشرطة، كان الجو خانقاً ومفعماً برائحة الورق القديم والقهوة الرخيصة. أدخل طارق كلا من نزار وكراميلا إلى مكتبه الخاص. كان المكتب صغيراً، يحتوي على مكتب خشبي متهالك، وأريكة جلدية سوداء صغيرة تتسع لشخصين بصعوبة بالغة.
أغلق طارق الباب خلفه بقوة، وجلس على كرسيه، يحدق فيهما بصمت لعدة دقائق، بينما كان نزار وكراميلا يقفان أمامه كطالبين متمردين في مكتب مدير المدرسة.
"اسمعا جيداً،" بدأ طارق حديثه بصوت هادئ ولكنه يحمل وعيداً شديداً. "أنا أعرف نزار منذ خمسة عشر عاماً. وأعرفكِ يا آنسة كريمة منذ أن قررتِ تحويل شارع الزمرد إلى ساحة معركة. لقد تحملت شجاراتكما السخيفة حول الموسيقى، والقمامة، ومواقف السيارات. لكن أن يتم استدعائي من اجتماع أمني مهم بسبب 'تسرب مائي بسيط' يمكن حله باستدعاء سباك... فهذا ما لن أقبله!".
"طارق، أنت لا تفهم، القماش..." حاول نزار التبرير.
"اصمت يا نزار!" قاطعه طارق بحزم. ثم فتح درج مكتبه، وأخرج شيئاً معدنياً لامعاً.
كانت أصفاداً حديدية ثقيلة.
اتسعت عينا كراميلا برعب. "ما.. ماذا ستفعل بهذا؟ هل ستعتقلنا بسبب قطرة ماء؟ هذا تعسف في استخدام السلطة! سأتصل بمحامي!".
تجاهل طارق صراخها. نهض من كرسيه، واقترب منهما بسرعة لم تترك لهما مجالاً للتراجع. أمسك بيد نزار اليمنى، وأغلق الحلقة المعدنية الأولى حول معصمه بصوت كليك حاد. ثم، بحركة خاطفة، أمسك بيد كراميلا اليسرى، وأغلق الحلقة الثانية حول معصمها. كليك.
شهق نزار، ونظر إلى يده المربوطة بيد كراميلا بصدمة عارمة. "طارق! هل جُننت؟ ما هذا العبث؟ فك هذه الأصفاد فوراً!"
حاولت كراميلا سحب يدها، فجذبت يد نزار معها بقوة جعلته يميل نحوها. "أيها الضابط المجنون! أبعدني عن هذا المتعجرف! إنها جريمة اختطاف!"
ابتسم طارق ابتسامة باردة، شيطانية، ووضع المفتاح الصغير للأصفاد في جيب قميصه الأمامي. "ليست جريمة. بل هو إجراء وقائي لحماية السلم العام في شارع الزمرد. أنتما الاثنان تتصرفان كأطفال في روضة، لذا سأعاملكما كأطفال. سأترككما في هذا المكتب لمدة ساعة كاملة. ساعة واحدة! إما أن تتوصلا فيها إلى حل جذري وسلام دائم، وإما أن أترككما مقيدين هكذا حتى نهاية مناوبتي غداً صباحاً."
"أنت لا تستطيع فعل هذا!" صرخ نزار، وقد تخلى عن كل وقاره المعتاد.
"أوه، بل أستطيع. وقد فعلت،" قال طارق وهو يتجه نحو الباب. "بالمناسبة، الأريكة هناك مريحة. استمتعا بوقتكما."
خرج طارق من المكتب، وأغلق الباب خلفه، وسمع كلاهما صوت المفتاح يدور في القفل من الخارج.
ساد صمت مميت في المكتب، لم يقطعه سوى صوت أنفاسهما المتلاحقة، وصوت احتكاك السلسلة المعدنية القصيرة التي تربط معصميهما.
نظرت كراميلا إلى الأصفاد، ثم إلى نزار الذي كان ينظر إليها في نفس اللحظة. كانت المسافة بينهما لا تتجاوز بضعة سنتيمترات بسبب السلسلة القصيرة جداً.
"يا لها من ورطة،" تمتمت كراميلا وهي تحاول الابتعاد خطوة، لكن يد نزار انجذبت معها بقوة معدنية لا ترحم.
"لا تسحبي يدكِ بقوة، الحديد يجرح معصمي!" قال نزار بحدة وهو يحاول تثبيت ذراعه.
"أوه، المعذرة يا صاحب الدم الأزرق! هل خدشت الأصفاد بشرتك المخملية؟" سخرت كراميلا بمرارة، رغم أن قلبها كان يدق بسرعة جنونية من هذا القرب المفاجئ.
تنهد نزار بعمق، وقرر استخدام العقل. "لا فائدة من الشجار الآن. طارق مجنون، وسيفعل ما قاله حقاً. فلنجلس على تلك الأريكة حتى تمر هذه الساعة اللعينة."
نظرت كراميلا إلى الأريكة الجلدية السوداء الصغيرة جداً. "تلك الأريكة تكفي لشخص ونصف! كيف سنجلس عليها نحن الاثنان؟"
"ليس لدينا خيار. إلا إذا كنتِ تفضلين الوقوف لمدة ساعة وتتورم أقدامنا."
تحركا معاً بحذر شديد وبطئ مضحك نحو الأريكة. كانت كل خطوة تتطلب تنسيقاً لا يمتلكانه. عندما وصلا، جلس نزار أولاً، واضطرت كريمة للجلوس بجانبه مباشرة. كانت الأريكة ضيقة بالفعل، مما أجبر فخذيها على الالتصاق بفخذه، وكتفها على الانحشار تحت كتفه العريض.
كان الوضع خانقاً، محرجاً، وكهربائياً إلى أبعد الحدود.
كتفت كراميلا ذراعها اليمنى الحرة، ونظرت بعيداً نحو الجدار، محاولة تجاهل الحرارة المنبعثة من جسد نزار والتي كانت تتسرب إليها بوضوح عبر ملابسها. في حين أرجع نزار رأسه إلى الخلف، مغمضاً عينيه، محاولاً السيطرة على نبضات قلبه التي أصبحت مرتفعة بشكل يفضح هدوءه المصطنع.
مرت ربع ساعة، وكانت كأنها دهر.
كان الصمت في الغرفة ثقيلاً، مليئاً بالكلمات التي لم تُقل، وبالمشاعر التي يحاولان قمعها تحت رماد الغضب.
"أنا... أعتذر عن القماش،" خرج صوت كراميلا خافتاً، متقطعاً، ليكسر جدار الصمت. لم تنظر إليه، بل استمرت في التحديق في الحائط المقابل. "لم أكن أعلم أن التسرب وصل إليك. الأنبوب قديم، وسأقوم بتغييره غداً، وسأدفع ثمن الحرير."
فتح نزار عينيه ببطئ، وأدار رأسه لينظر إليها. كانت تجلس متصلبة، تحاول الانكماش على نفسها لتقليل مساحة التلامس بينهما. زال كل غضبه في تلك اللحظة، وتبخر وكأنه لم يكن. لقد أدرك كم كان قاسياً معها في الصالون، وكيف أن كبريائه الأعمى جعله يجرحها أمام زبائنها.
"لستِ بحاجة لدفع شيء،" قال نزار بصوت هادئ، أجش، خالٍ من أي عصبية. "القماش يمكن تعويضه. أنا... أنا من يجب أن يعتذر يا كريمة. لقد فقدت أعصابي وتحدثت بطريقة متعجرفة ومؤذية. لم يكن يجدر بي إهانتكِ في صالونكِ."
تفاجأت كراميلا من اعترافه المباشر واعتذاره. لفت وجهها ببطئ لتنظر إليه. كانت المسافة بين وجهيهما قريبة جداً، خطيرة جداً.
"لماذا تفعل هذا؟" سألته بصوت أقرب إلى الهمس، وعيناها العسليتان تتأملان تفاصيل وجهه بدقة.
"أفعل ماذا؟" سأل وهو يراقب حركة شفتيها.
"تكون قاسياً ومستفزاً في لحظة، ثم تصبح هادئاً... ومختلفاً في اللحظة التالية. أنت تربكني يا نزار."
ابتسم نزار بمرارة خفيفة، وتحرك قليلاً على الأريكة ليواجهها بشكل أفضل، مما أدى إلى احتكاك ركبته بركبتها. "لأنكِ تربكينني يا كريمة. لم يسبق لي أن التقيت بامرأة قادرة على تدمير سلامي الداخلي، واستفزاز أسوأ ما فيّ، وإخراج أجمل ما فيّ في نفس الوقت. أنتِ كعاصفة دخلت إلى حياتي المنظمة والمرتبة والمملة، ولا أعرف كيف أتعامل معكِ."
شعرت كراميلا بحرارة كثيفة تكتسح وجهها. كلماته لم تكن مجرد غزل عابر، بل كانت اعترافاً عميقاً بالضعف، الضعف الذي طالما حاولت هي إخفائه.
مرت نصف ساعة أخرى. التعب بدأ يتسلل إلى جسد كراميلا. كانت الأريكة قاسية، وظهرها يؤلمها من الجلوس المتصلب. بدون وعي منها، ومع استرخاء دفاعاتها بسبب كلماته، بدأت تنزلق قليلاً للأسفل. رأسها مال ببطئ، وبسبب ضيق المكان واليد المكبلة، لم تجد مكاناً لتستند إليه سوى كتف نزار.
عندما لامس رأسها كتفه، توقف تنفس نزار للحظة. تصلب جسده غريزياً، لكنه سرعان ما استرخى، مستسلماً لهذا القرب العذب. لم يبتعد، ولم يدفعها. بل مال برأسه هو الآخر قليلاً حتى لامس ذقنه قمة رأسها، حيث رائحة الشامبو بالفراولة التي تغمر شعرها الأحمر المتمرد قد ملأت أنفاسه.
كان الصمت الآن يختلف تماماً عن صمت الدقائق الأولى. لم يعد صمتاً مشحوناً بالغضب أو الإحراج، بل كان صمتاً حميمياً، دافئاً، وناطقاً بكل ما تعجز الألسنة عن قوله.
كانت كراميلا تسمع نبضات قلب نزار بوضوح من خلال صدره، دقات قوية، متسارعة، تشبه تماماً إيقاع قلبها الذي كان يكاد يقفز من بين ضلوعها. "كيف يمكن لرجل يمتلك هذه الدقات السريعة أن يبدو هادئاً وبارداً طوال الوقت؟" فكرت في سرها، وابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تغمض عينيها، مستمتعة بالدفئ والأمان الذي شعرت به فجأة وهي تستند إليه. الأصفاد التي كانت تعتبرها لعنة وعقاباً، تحولت في هذه اللحظة إلى حجة سماوية لتبرير بقائها بين ذراعيه.
"أتمنى لو أن طارق أضاع المفتاح،" همس نزار فجأة في أذنها بصوت خفيض جداً، كأنه يكلم نفسه.
فتحت كراميلا عينيها، ورفعت رأسها عن كتفه ببطئ لتنظر إلى عينيه. كانت المسافة بينهما قد تلاشت تقريباً. استطاعت أن ترى انعكاس وجهها المصدوم في بؤبؤ عينيه الداكنتين. كان ينظر إلى شفتيها برغبة لم يعد قادراً على إخفائها، وتلك الجاذبية المغناطيسية التي ظهرت يوم "الكيكة المحترقة" عادت الآن بقوة مضاعفة، تسحبهما نحو بعضهما البعض في حتمية لا فرار منها.
ميل نزار وجهه أكثر، وأنفاسه الدافئة اختلطت بأنفاسها المرتجفة. أغمضت كريمة عينيها بتلقائية، مستسلمة تماماً للجاذبية، وشعرت بأن قلبها سيتوقف في أي لحظة.
وفي اللحظة التي كادت فيها شفتيه أن تلامس شفتيها...
كرااااك!
صوت قفل الباب يُفتح بعنف جعل كليهما ينتفض في مكانه ويبتعد عن الآخر كمن لدغته أفعى.
دخل طارق إلى المكتب يحمل كوبين من القهوة، وابتسامة المنتصر ترتسم على وجهه. نظر إليهما وهما جالسان على حافتي الأريكة المتباعدتين بأقصى ما تسمح به السلسلة، ووجوههما محتقنة باللون الأحمر، ويتنفسان بصعوبة واضحة.
"حسناً، حسناً،" قال طارق وهو يضع القهوة على المكتب، ويستخرج المفتاح الصغير من جيبه. "يبدو أن عقابي قد آتى ثماره. لم أسمع صوت شجار أو صراخ منذ ساعة. هل توصلتما إلى اتفاق سلام، أم أترككما هنا حتى العشاء؟"
"لا!" صرخ نزار وكراميلا في نفس الوقت بصوت عالٍ ومربك.
"لقد... لقد اتفقنا،" تلعثمت كراميلا وهي تنظر إلى الأرض، تحاول إخفاء ارتباكها الشديد. "أنا سأصلح الأنبوب... والموضوع انتهى."
"ممتاز،" قال طارق وهو يقترب ويفك الأصفاد عن معصميهما. كليك... كليك. "الآن، عودا إلى شارع الزمرد، ولا أريد أن أرى وجهيكما في قسم الشرطة مرة أخرى إلا إذا كان هناك زفاف أو جريمة قتل حقيقية. مفهوم؟".
فرك نزار معصمه المحرر، ونهض بسرعة دون أن ينظر إلى طارق. "مفهوم يا طارق. شكراً على... كرم الضيافة."
خرج نزار، وتبعته كراميلا بصمت. سارا معاً في الممر الطويل لمركز الشرطة، ثم خرجا إلى الشارع حيث كانت شمس الظهيرة الساطعة في استقبالهما.
وقفا على الرصيف، يفصل بينهما متر واحد، لكنه بدا وكأنه محيط واسع بعد تلك الساعة من القرب الإجباري. كان الهواء محرجاً، ثقيلاً بمشاعر لم تكتمل، وبلحظة قُطعت قبل أن تولد.
"إذن..." قال نزار وهو يضع يديه في جيبي بنطاله، ناظراً إلى الشارع المزدحم. "أعتقد أننا يجب أن نعود للعمل."
"نعم،" ردت كراميلا بصوت خافت، وهي تفرك معصمها الذي لا يزال يحمل أثر الحديد الدافئ. "الصالون بانتظاري."
لم يتحرك أي منهما لعدة ثوانٍ. استدارت كراميلا ببطئ لتغادر، لكن صوت نزار أوقفها.
"كريمة"، ناداها بنعومة.
التفتت إليه. كان ينظر إليها بتلك النظرة الدافئة، العميقة، التي تخترق كل دفاعاتها.
"ما قاله طارق... في المكتب،" قال نزار وهو يبتسم ابتسامة خفيفة، ساحرة، "لم يكن عقاباً سيئاً على الإطلاق. في الواقع... أظن أنني مدين لتسرب المياه هذا بالكثير."
ابتسمت بخجل لم تعهده في نفسها من قبل، وخفضت عينيها وهي تبتعد. "سنرى من سيدفع فاتورة السباك يا نزار!" قالتها بنبرة مازحة حاولت من خلالها استعادة القليل من "كراميلا" القديمة، ثم ركضت بخطوات سريعة نحو الشارع لاستقلال سيارة أجرة.
بقي نزار واقفاً على الرصيف، يراقبها حتى ابتعدت، وقلبه ينبض بإيقاع جديد، إيقاع رجل أدرك أن الحرب قد انتهت، وأن المعركة الحقيقية الوحيدة المتبقية هي معركة الفوز بقلب الفتاة الأكثر فوضوية، وجمالاً، وتعقيداً في حياته.
prince Egotist