الفصل الثاني.

الفصل الثاني.

14 0

كان الصباح الباكر في ذلك الشارع المخملي يتسم دائماً برائحة القهوة الطازجة الممزوجة بندى الصباح البارد، وبسكون لا يقطعه سوى حفيف أوراق الأشجار وحركة السيارات الفارهة التي تنساب بهدوء على الأسفلت النظيف. في ذلك الوقت تحديداً، كان "نزار" يقف خلف الواجهة الزجاجية لمحله الجديد، يرتشف قهوته السوداء الخالية من السكر، ويتأمل مملكته الصغيرة التي اختارها بعناية فائقة لتكون ملاذه السري.

لم يكن نزار مجرد خياط عادي، بل كان "نزار مهران"، الاسم الذي يرتجف له عالم الموضة وتتزاحم عدسات المصورين لالتقاط ولو ظل من تصاميمه. لكن تحت وطأة الشهرة الكاسحة، والأضواء الساطعة التي لم تكن تنطفئ، والمجاملات الزائفة التي كانت تحيط به في كل مكان، شعر بأن روحه الإبداعية تختنق. كان بحاجة إلى الهروب، إلى مساحة خالية من الهالات الكاذبة، مساحة يستطيع فيها أن يمسك قلمه الرصاص ويرسم خطوطه الأولى دون أن يقف فوق رأسه فريق من المديرين والمساعدين.

لذلك، اختار هذا المحل المعزول نسبياً، بهوية متخفية، ونظارات طبية ذات إطار أسود كلاسيكي أضافت على ملامحه الرجولية الحادة طابعاً من الجدية الصارمة والغموض الجذاب. كان يرتدي قميصاً قطنياً رمادياً بسيطاً وبنطالاً داكناً، بعيداً كل البعد عن بدلاته الرسمية التي يظهر بها في أغلفة المجلات. هنا، في هذا المحل الذي لم يضع عليه لافتة بعد، أراد فقط الهدوء. الهدوء المطلق الذي يسمح للأفكار بأن تتدفق وتتحول إلى أقمشة وفساتين.

وضع نزار فنجان القهوة على طاولته الخشبية العريضة التي تتوسط المكان، وسحب كرسياً جلدياً مريحاً ليجلس. فرد أمامه دفتر رسم كبير من الورق الفاخر، وأمسك بقلمه الرصاص. أغمض عينيه للحظة، مستنشقاً رائحة الخشب والورق، وابتسم برضا. أخيراً، السلام. أخيراً، الصمت الذي طالما بحث عنه.

فتح عينيه، وقرّب سن القلم من الورقة البيضاء، مستعداً لرسم أول خط في مجموعته الجديدة، المجموعة التي ستعيد تعريف الأناقة في الموسم القادم. لامس القلم الورقة...

وفجأة، اهتزت الجدران.

لم يكن مجرد صوت، بل كان زئيراً ميكانيكياً يشبه هدير محرك طائرة نفاثة تستعد للإقلاع داخل أذنه اليمنى. اهتزت الأرضية تحت قدميه، وارتجف فنجان القهوة على الطاولة، وانحرف قلمه الرصاص ليترك خطاً أسوداً بشعاً شق الورقة البيضاء من منتصفها، مدمراً لوحته قبل أن تبدأ.

انتفض نزار من كرسيه، وعيناه تشتعلان بغضب مفاجئ. رمى القلم على الطاولة، ورفع رأسه نحو الجدار المشترك بينه وبين المحل المجاور، ذلك المحل الوردي الفاقع الذي يحمل اسم "كراميلا بيوتي". تذكر تلك الفتاة ذات الشعر الأحمر الناري التي رآها البارحة تصرخ وتغني بجنون خلف الزجاج. ظن أن ما رآه كان مجرد انهيار عصبي مؤقت بسبب إغلاق المحل، لكن يبدو أن الجنون هو أسلوب حياة هناك.

حاول نزار السيطرة على أعصابه. أخذ نفساً عميقاً وضم قبضتيه، مقنعاً نفسه بأن الصوت سيتوقف بعد ثوانٍ. "إنها تستخدم مجفف شعر،" قال لنفسه محاولاً إيجاد مبرر منطقي. "مجرد مجفف شعر في صالون تجميل. دقيقة أو دقيقتين وسينتهي الأمر."

مرت دقيقة. ثم خمس دقائق. ثم عشر دقائق.

لم يتوقف الصوت فحسب، بل بدا وكأنه يزداد ارتفاعاً، وتخلله الآن صوت غناء نشاز يخترق طبلة الأذن، صوت أنثوي يصرخ بكلمات غير مفهومة تتماشى مع إيقاع الطنين الميكانيكي. كان الأمر أشبه بحفلة روك صاخبة تُقام داخل مصنع لتكرير المعادن.

نفد صبر نزار تماماً. لم يأتِ إلى هنا ليعيش في منطقة حرب. عدّل نظارته الطبية على جسر أنفه بحركة لا شعورية تنم عن استعداده للهجوم، ومسح على خصلات شعره الداكنة، ثم سار بخطوات واسعة وغاضبة نحو الباب. دفع باب محله بقوة، وخرج إلى الشارع، متجهاً مباشرة نحو الباب الزجاجي لصالون "كراميلا".

لم يكلّف نفسه عناء الطرق، فصوت الطرق لن يُسمع في وسط هذه الفوضى العارمة. دفع الباب بقوة ودخل.

بمجرد أن خطى خطوته الأولى داخل الصالون، ضربته موجة من الهواء الساخن المحمل برائحة الزهور الرخيصة ومثبتات الشعر. كان المكان عبارة عن كارثة بصرية؛ الكراسي الوردية مبعثرة، والمرايا تعكس مشهداً سريالياً لا يمت لصالونات التجميل بصلة.

وفي وسط هذه الفوضى، كانت تقف هي. كراميلا.

وقف نزار متسمراً في مكانه، يرمش عدة مرات ليتأكد من أن ما يراه حقيقة وليس هلوسة بصرية ناتجة عن التوتر.

كانت كراميلا تقف حافية القدمين على الأرضية الرخامية، وقد رفعت بنطالها الجينز إلى منتصف ساقيها كي لا يبتل. كانت تمسك في كلتا يديها بمجفف شعر احترافي ضخم من الحجم الكبير، ووجهت فوهتيهما الساخنتين نحو... قميص أصفر فاقع مرقط بنقاط بيضاء، كانت قد علقته على حامل المعاطف الخشبي في منتصف الصالون!

القميص كان يطير في الهواء يميناً ويساراً بفعل قوة دفع الهواء المنبعث من المجففين، بينما كانت كراميلا تدور حوله كأنها في طقس وثني غريب، تحاول تجفيف كل بقعة فيه وهي تصرخ بأغنية إيقاعية سريعة، غير مدركة تماماً أن هناك دخيلاً يراقبها بصدمة. كانت خصلات شعرها الأحمر تتطاير حول وجهها بفعل الهواء المرتد، ونمشها يبدو أكثر وضوحاً مع تورد وجنتيها بسبب الحرارة.

كانت تغسل ملابسها وتجففها في الصالون لأنها لم تكن تملك ثمن أخذها إلى المغسلة، لكن نزار لم يكن يعلم ذلك. بالنسبة له، كان هذا أقصى درجات العبث والجنون.

عقد نزار ذراعيه أمام صدره، وأسند كتفه على إطار الباب الداخلي، وبقي يراقبها لعدة ثوانٍ بتعبير يمزج بين السخرية المفرطة والذهول الصامت. عندما أدرك أنها لن تتوقف قريباً، وتحديداً عندما بدأت في أداء حركة راقصة غريبة بمجففي الشعر، قرر التدخل.

سار بهدوء متجاوزاً إياها من الخلف، واتجه نحو القابس الكهربائي الرئيسي في الحائط، وبحركة واحدة سريعة، سحب السلكين.

صمت مريب ومفاجئ ابتلع المكان. توقف القميص الأصفر عن الطيران وسقط بخمول على الحامل، وانقطع صوت كراميلا في منتصف النوتة العالية لتخرج منها حشرجة غريبة بدلاً من الغناء.

التفتت كراميلا ببطئ، وعيناها الواسعتان تشتعلان بالغضب المباغت. عندما وقع بصرها على نزار الواقف أمامها بكل برود، والذي تعرفت عليه فوراً كجارها "السخيف" من الليلة الماضية، ارتفع مستوى الأدرينالين في دمها إلى حد الانفجار.

"أنت!" صرخت كراميلا وهي تشير إليه بأحد مجففات الشعر وكأنه مسدس. "ما الذي تظن نفسك فاعله بحق السماء؟ هل تقتحم محلات الناس وتقطع عنهم الكهرباء كأنك موظف في شركة الكهرباء؟".

لم يرمش نزار. بل اكتفى بالنظر إلى المجفف المصوب نحوه، ثم نقل نظره إلى وجهها المحتقن، وابتسم ابتسامة جانبية صغيرة، باردة كالجليد.

"كنت أظن أنني اقتحمت صالون تجميل،" قال نزار بصوت عميق وهادئ، يتميز بنبرة مخملية تحمل من السخرية ما يكفي لحرق أعصابها. "ولكن يبدو أنني دخلت عن طريق الخطأ إلى محطة لغسيل السيارات... أو ربما خيمة سيرك. لست متأكداً بعد."

شهقت كراميلا بصدمة من وقاحته الهادئة. أسقطت المجففات على أقرب كرسي، ووضعت يديها على خصرها، متقدمة نحوه بخطوات هجومية حتى وقفت أمامه مباشرة. كانت أقصر منه بكثير، مما اضطرها لرفع رأسها لتنظر في عينيه من خلف عدساته، لكنها عوضت فارق الطول بشراستها المعهودة.

"اسمعني جيداً يا سيد... أياً كان اسمك،" بدأت كراميلا، وصوتها يرتجف من الغضب. "هذا محلي. مملكتي الخاصة. وأنا أفعل فيها ما أشاء! إذا أردت أن أجفف قميصي، سأجففه! وإذا أردت أن أجفف فيلاً كاملاً باستخدام مجفف الشعر، سأفعل ذلك! من أعطاك الحق لتأتي إلى هنا وتتطفل على حياتي؟"

رد نزار بهدوء مستفز، وهو يتفحص أظافره وكأنه غير مهتم بتهديداتها: "اسمي نزار. وما يمنحني الحق يا آنسة 'مملكة الفوضى'، هو أن جدران مملكتكِ هذه لا تتجاوز سماكتها بضعة سنتيمترات، و'فيلكِ' الذي تحاولين تجفيفه يصدر ضجيجاً يمنعني من سماع أفكاري في المحل المجاور. لقد جئت إلى هنا بحثاً عن الهدوء، وليس لأعيش بجوار مدرج طائرات."

اتسعت عينا كراميلا أكثر. "الهدوء؟" ضحكت بسخرية لاذعة ورنت ضحكتها في أرجاء الصالون. "عفواً يا صاحب السمو! لم أكن أعلم أننا في منتجع صحي للمتقاعدين. هذا شارع تجاري حيوي، وإذا لم تكن تتحمل بعض الضوضاء الطبيعية، فربما عليك أن تعود إلى الكهف الذي خرجت منه لترتدي نظاراتك وتجلس في صمتك الكئيب بعيداً عن البشر."

ضاقت عينا نزار خلف النظارات، واقترب منها خطوة واحدة، ليتلاشى الفراغ بينهما. كان بإمكانه أن يشم رائحة الشامبو بالفراولة المنبعثة من شعرها الرطب، ولاحظ عن قرب كيف تتناثر حبات النمش على أنفها بطريقة عشوائية لكنها مثالية تماماً. ورغم فوضويتها، كان هناك شيء مشع فيها، شيء ينبض بحياة يفتقدها عالمه المنظم بشدة. لكنه لم يكن ليسمح لها بالانتصار في هذه الجولة.

"الضوضاء الطبيعية شيء"، قال نزار بصوت أكثر انخفاضاً، وبلغة جسد تحمل تحذيراً مبطناً، "وما تفعلينه أنتِ شيء آخر تماماً. لقد راقبت محلك منذ الصباح. لا يوجد زبون واحد. لا توجد عاملات. فقط أنتِ، تغنين بصوت يمكن استخدامه كسلاح دمار شامل، وتجففين ملابسك بأدوات التجميل. أنتِ لستِ مصففة شعر يا آنسة كراميلا، أنتِ حالة طوارئ تمشي على قدمين."

كانت كلماته كالسياط. قاسية، دقيقة، وأصابت نقطة ضعفها مباشرة. نقص الزبائن، الإفلاس، وحدتها في الصالون، كل هذا كان يؤلمها سراً، وعندما نطق به بهذه البرودة، تحول غضبها إلى دفاع شرس عن كبريائها المجروح.

عضت كراميلا على شفتها السفلية بقوة لتمنع أي تعبير عن الضعف من الظهور على وجهها. رفعت ذقنها أعلى، ونظرت إليه بتحدٍ يحرق المراكب.

"هذه استراتيجية عمل يا هذا!" كذبت كراميلا بوقاحة تامة، وصوتها يعلو مجدداً. "أنا لا أستقبل أي زبونة. أنا أختار النخبة فقط، واليوم هو يوم العناية الشخصية بالصالون. أما بالنسبة لك، فإذا كنت حساساً جداً للأصوات، أنصحك بشراء سدادات أذن، لأنني سأجفف ملابسي كل يوم، وسأغني كل يوم، وسأحرص على أن أرفع مستوى الصوت في المرة القادمة حتى ترتجف نظاراتك السخيفة على أنفك المتعجرف!"

ابتسم نزار مجدداً، لكنها لم تكن ابتسامة مرح، بل إعلان صريح لقبول التحدي. أمال رأسه قليلاً، ونظر إليها بنظرة فاحصة، وكأنه يدرس تصميماً معقداً يحتاج إلى تفكيك.

"حسناً إذن،" قال نزار بهدوء تام، وهو يتراجع خطوة إلى الوراء، ويعيد يديه إلى جيوب بنطاله. "إذا كانت هذه هي طريقتكِ في إعلان الحرب، فأنا أقبلها. لكن دعيني أخبركِ بشيء يا جارتي العزيزة: لقد تعاملت مع أشخاص أكثر عناداً منكِ، وأكثر صخباً منكِ، وفي النهاية... الجميع يخضع للهدوء الذي أفرضه."

"سنرى من سيخضع لمن، يا سيد خياط!" ردت كراميلا، وهي تشير إلى الباب. "والآن، اخرج من محلي قبل أن أستخدم هذا المجفف لكيّ قميصك الرمادي الممل وأنت ترتديه!"

استدار نزار ببطئ، دون أن يبدي أي علامة على التوتر، وسار نحو الباب بخطواته الثابتة والأنيقة. توقف عند العتبة، ونظر إليها من فوق كتفه، محتفظاً بتلك الابتسامة الباردة والمستفزة.

"بالمناسبة"، قال نزار وهو يفتح الباب الزجاجي. "القميص الأصفر لا يناسب لون بشرتك. يجعلكِ تبدين وكأنكِ ليمونة غاضبة".

وقبل أن تتمكن كراميلا من التقاط أقرب زجاجة مثبت شعر وقذفها نحو رأسه، كان نزار قد خرج وأغلق الباب خلفه بهدوء تام.

وقفت كراميلا في منتصف الصالون، تتنفس بسرعة، وصدرها يعلو ويهبط من فرط الانفعال. نظرت إلى القميص الأصفر، ثم إلى الباب، وصرخت صرخة إحباط مكتومة. كانت تشعر برغبة عارمة في تدمير شيء ما، لكن في الوقت ذاته، وتحت كل هذا الغضب، كان هناك شعور غريب يسري في عروقها. شعور بالحياة. لقد مر وقت طويل منذ أن تجادلت مع شخص لم ينحنِ أمام صراخها، بل واجهها ببرود جعلها تشعر وكأنها تقف أمام جدار من الجليد الصلب.

في المحل المجاور، دخل نزار وأغلق الباب. أسند ظهره على الخشب البارد، وأغمض عينيه. أخذ نفساً عميقاً، متوقعاً أن يشعر بالغضب لضياع وقته وتدمير لوحته، لكن ما حدث كان العكس تماماً. وجد نفسه يبتسم، ابتسامة حقيقية هذه المرة.

كانت فوضوية، مزعجة، وسليطة اللسان بشكل لا يُطاق. لكنها كانت، وبطريقة غريبة جداً... ملهمة.

فتح نزار عينيه، وتوجه نحو طاولته. نظر إلى اللوحة الممزقة، ثم أزاحها جانباً وسحب ورقة بيضاء جديدة. لم يعد يرغب في رسم التصميم الكلاسيكي الهادئ الذي كان يخطط له. بدلاً من ذلك، بدأت يده تتحرك بسرعة على الورق، ترسم خطوطاً جريئة، متفجرة، وفوضوية. خطوطاً تشبه خصلات شعر حمراء متمردة، ومواقف حادة لا تعرف الاستسلام.

في ذلك اليوم، أدرك كل من نزار وكراميلا حقيقة واحدة لا مفر منها: الهدوء قد مات في هذا الشارع، والحرب قد بدأت للتو. حرب لن يكون فيها منتصر ولا خاسر، بل مجرد جارين سيقلبان حياة بعضهما البعض رأساً على عقب، بين صراخ مستمر، ومشاعر ستتسلل إليهما من حيث لا يحتسبان.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كراميلا

المؤلف prince Egotist
2026/09/04 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة