أشرقت شمس الصباح الباكر على شارع "الزمرد" بخجل، متسللة عبر الغيوم الخريفية الرقيقة لتلقي بظلالها الذهبية على واجهات المتاجر الفاخرة. كان الشارع لا يزال يغط في سباته الراقي، لا يقطعه سوى صوت خافت لسيارة تنظيف الطرقات، وزقزقة بعض العصافير التي اتخذت من أشجار الرصيف الكثيفة مأوى لها.
داخل محله الأنيق، كان نزار مهران يقف أمام آلة تحضير القهوة، يراقب قطرات الإسبريسو الداكنة وهي تنساب ببطئ في فنجانه الخزفي الأسود. لم ينم تلك الليلة سوى ساعات قليلة ومتقطعة. كلما أغمض عينيه، طاردته صورة "كريمة" وهي منكمشة على أرضية صالونها المظلم، تبكي بحرقة الانكسار وتضم أوراق الإخلاء إلى صدرها. تلك الدموع التي شهدها خلسة من خلف الباب الزجاجي قد أحدثت زلزالاً في عالمه المنظم والمرتب. لقد أدرك أن المجلة التي رتب لها في الليلة الماضية ستستغرق أياماً لكي تنشر مقالها، وربما أسابيع لكي تجلب زبائن حقيقيين، لكن كراميلا بحاجة إلى سيولة مالية اليوم. الآن. قبل أن يطرق مدير العقار بابها لتنفيذ تهديده.
حمل نزار فنجان القهوة، واتجه نحو مكتبه الخشبي الفسيح. وضع الفنجان بهدوء، وسحب هاتفه المحمول، ثم فتح دفتر ملاحظاته الجلدي الذي يحتوي على قائمة بأهم وأغنى زبائنه في المدينة. سيدات المجتمع الراقي، زوجات رجال الأعمال، ونجمات التلفزيون؛ هؤلاء هن النساء اللواتي يثقن بذوق نزار ثقة عمياء، ويدفعن آلاف الدولارات للحصول على لمسته الفنية.
"يجب أن ألعبها بذكاء،" تمتم نزار لنفسه، وهو يمرر إصبعه على الأسماء. "كراميلا تملك كبرياءً بحجم الجبال. إذا شكت للحظة واحدة أنني أرسل لها صدقة أو مساعدة بدافع الشفقة، فستحرق الأموال وترميها في وجهي."
اختار نزار اسماً من القائمة: "السيدة شيرين". شيرين كانت من أكثر زبوناته ثراءً وتطلباً، امرأة تعشق التميز وتبحث دائماً عن كل ما هو حصري ونادر لتتفاخر به في حفلات النادي المخملي.
أخذ نفساً عميقاً، وضغط على زر الاتصال.
بعد رنات قليلة، أجاب صوت شيرين المليئ بالدلال: "صباح الخير لأفضل مصمم في المدينة! نزار، ما الذي يجعلك تتصل بي في هذا الوقت المبكر؟ هل انتهيت من فستان حفل الأوبرا؟"
"صباح الخير يا سيدة شيرين،" قال نزار بصوته الهادئ، الرخيم، والمفعم بالثقة. "الفستان في مراحله الأخيرة، لكنني لم أتصل بخصوصه. اتصلت لأنني وقعت على اكتشاف مذهل، وكنت أعلم أن امرأة بذوقك الرفيع يجب أن تكون أول من يعرف."
"اكتشاف مذهل؟" تغيرت نبرة شيرين فوراً إلى فضول متحمس. "أخبرني فوراً! هل هو مصمم مجوهرات جديد؟ أم خبير عطور فرنسي؟".
"بل هي مصففة شعر وخبيرة تجميل"، رد نزار ببطئ متعمد، يرمي الطعم بمهارة. "لكنها ليست كأي مصففة. إنها... حالة فنية نادرة. عبقرية غير تقليدية. اسمها 'كراميلا'."
"كراميلا؟ اسم غريب. أين يقع صالونها؟ في باريس؟ أم في دبي؟"
"هنا، في شارع الزمرد، بجوار محلي تماماً،" قال نزار، محاولاً إخفاء ابتسامته.
صمتت شيرين للحظة، ثم قالت بشك: "بجوارك؟ هل تقصد ذلك الصالون الصغير ذو الواجهة الوردية الفاقعة؟ نزار، لقد مررت من هناك، المكان يبدو... كيف أقولها... شعبياً جداً؟ ومزعجاً!".
وهنا لعب نزار ورقته الرابحة. ضحك بخفة وبطريقة تنم عن تفوق العارفين بالبواطن: "آه يا شيرين، هذا بالضبط ما تريده هي أن تعتقديه. إنها من مدرسة التمرد على المألوف. هي تتعمد جعل واجهتها تبدو فوضوية ورخيصة لتبعد عنها المتطفلات والباحثات عن المظاهر الكاذبة. إنها فنانة غريبة الأطوار، لا تستقبل سوى من يمتلك الجرأة لتقدير فنها الخام. لقد رأيت ما تفعله بالشعر... إنه سحر نقي. لكنها صعبة المراس، ومزاجية جداً."
"حقا؟" همست شيرين، وقد ابتلعت الطعم بالكامل. بالنسبة لنساء طبقتها، لا يوجد شيء أكثر إغراءً من عبارة "حصرية" و"صعبة المنال". "متمردة؟ هذا رائع! لقد مللت من الصالونات التقليدية المملة. أريد موعداً معها اليوم!".
"المشكلة أنها لا تقبل الوساطات،" قال نزار بصوت يحمل تحذيراً مصطنعاً. "إذا أخبرتِها أنني أرسلتك، فقد تطردك. إنها تكرهنا نحن أصحاب العلامات التجارية الكلاسيكية. إذا ذهبتِ، قولي لها إنك سمعتِ عن إبداعاتها من 'مجتمع الموضة السري'. وخذي معك صديقتين من النخبة، فهي تحب التحديات الكبيرة. والأهم... ادفعي لها ما تستحقه عبقريتها، ولا تناقشيها في السعر أبداً."
"اعتبر الأمر قد تم يا نزار! سآخذ معي نيفين وكاميليا. سنكون هناك في غضون ساعتين. شكراً لك على هذا السر العظيم!"
أغلق نزار الخط، وأسند ظهره إلى الكرسي الجلدي، وابتسامة واسعة، مريحة، ودافئة ترتسم على وجهه. الخطة قد بدأت. لقد حول فوضاها وصالونها المتواضع إلى "بيان فني متمرد" في نظر سيدات المجتمع.
على الجانب الآخر من الجدار، في صالون "كراميلا بيوتي"، كان المشهد مختلفاً تماماً، وكأنه من عالم آخر.
كانت كريمة تجلس على الكرسي الوردي الدوار، عيناها منتفختان ومحمرتان بشكل ملحوظ من آثار بكاء ليلة أمس. كانت ترتدي سترة صوفية واسعة بلون أزرق داكن، وشعرها الأحمر الناري معقود في كعكة فوضوية أكثر من المعتاد. في يدها، كانت تمسك بقطعة قماش وملمع زجاج، لكنها لم تكن تنظف شيئاً. كانت تحدق في الفراغ، بينما أوراق الإخلاء موضوعة أمامها على الطاولة الزجاجية كحكم إعدام ينتظر التنفيذ.
"انتهى الأمر إذن"، همست كراميلا لنفسها بصوت جاف خالٍ من أي طاقة. نظرت حولها إلى مملكتها الوردية الصغيرة، إلى المرايا التي اقتنتها بشغف، إلى كراسي غسيل الشعر التي دفعت أقساطها بدم قلبها، وإلى الرفوف المليئة بعبوات الشامبو والبلسم ذات الروائح المنعشة. كل هذا سيضيع. سيأتي السيد منير، مدير العقار، وسيطردها إلى الشارع.
شعرت بغصة مؤلمة في حلقها، لكنها ابتلعتها بصعوبة. لقد بكت بما فيه الكفاية البارحة. اليوم، يجب أن تواجه هزيمتها بشجاعة. نهضت ببطئ، وبدأت في تلميع المرايا بحركات ميكانيكية بطيئة. لم تشغل الموسيقى الشعبية الصاخبة، ولم ترقص. كان الصالون يغرق في صمت جنائزي، صمت يكسر قلبها المتمرّد.
فجأة، تدكرت ولفت انتباهها الكاريكاتير المضحك الذي رسمته بالأمس على زجاج محل نزار. "السيد آلي.. عدو الفرحة". شعرت بوخز من الندم السخيف. لقد كانت تتصرف كطفلة غاضبة بينما عالمها ينهار. ربما كان نزار محقاً، ربما هي مجرد "كارثة متحركة". تنهدت بأسى، وقررت أن تخرج لتمسح الرسمة قبل أن يتصل بالشرطة مرة أخرى.
لكن، قبل أن تصل إلى باب الصالون، توقفت سيارة مرسيدس سوداء لامعة وطويلة جداً أمام واجهة صالونها مباشرة.
تراجعت كريمة خطوة إلى الوراء، عاقدة حاجبيها باستغراب. "ما هذا؟ هل أرسل السيد منير محامين من الطبقة المخملية لطردي؟" فكرت برعب.
انفتح الباب الخلفي للسيارة، وخرجت منه ثلاث سيدات يبدون وكأنهن قد هبطن للتو من غلاف مجلة "فوغ". كن يرتدين أزياء تحمل شعارات ديور، شانيل، وغوتشي، وتفوح منهن رائحة عطور فرنسية باهظة الثمن يمكن شمها حتى عبر الزجاج. كانت السيدة الأولى، شيرين، تضع نظارات شمسية كبيرة رغم غياب الشمس، وتحمل حقيبة جلد تمساح نادرة.
توجهت السيدات الثلاث بخطوات واثقة ومباشرة نحو باب صالون "كراميلا بيوتي".
دفعت شيرين الباب الزجاجي، ليصدر جرس الباب النحاسي رنيناً خفيفاً. دخلت السيدات، ووقفن في منتصف الصالون، يتأملن الديكور الوردي الفاقع، والملصقات الشعبية، والفوضى العارمة بنظرات مليئة بالانبهار... انبهار من نوع غريب!
تسمرت كراميلا في مكانها، قطعة القماش في يدها، وفمها مفتوح قليلاً من هول الصدمة.
"عـ... عفواً؟" تلعثمت كراميلا، محاولة استيعاب المشهد السريالي. "أعتقد أنكن أخطأتن العنوان. صالون 'إليزيه' الملكي يقع في الشارع الموازي. هنا... هذا صالون كراميلا."
رفعت شيرين نظارتها الشمسية، وابتسمت ابتسامة واسعة وهي تنظر إلى كراميلا من قمة كعكتها الفوضوية إلى حذائها الرياضي المتهالك. "نعلم ذلك يا عزيزتي! نحن لم نخطئ العنوان أبداً. نحن نبحث عنكِ أنتِ.. عن 'العبقرية المتمردة'، كراميلا!".
سقطت قطعة القماش من يد كراميلا. "العبقرية... ماذا؟"
تقدمت السيدة الثانية، نيفين، ونظرت إلى الديكور بإعجاب مبالغ فيه. "يا إلهي، شيرين، انظري إلى هذا التناقض الصارخ! الجدران الوردية مع الأرضية الخشبية القديمة... إنه يعبر عن رفض تام للمادية الحديثة! إنها بالفعل فنانة 'متمردة' كما قيل لنا. المكان ينبض بالروح الحرة!".
دارت الأرض بكراميلا. هل هذه كاميرا خفية؟ هل تعرضت لجلطة دماغية وهي تهلوس الآن؟
"من... من قال لكم هذا؟" سألت بصوت مرتعش.
غمزت شيرين بعينها بثقة. "دعنا نقول إن 'مجتمع الموضة السري' يراقبكِ عن كثب يا كراميلا. لقد سئمنا من التسريحات الكلاسيكية الميتة التي تصنعها الصالونات الفاخرة. نحن هنا اليوم نضع رؤوسنا بين يديكِ. لدينا حفل خيري ضخم الليلة، ونريد شيئاً مجنوناً، مختلفاً، شيئاً يصرخ بالحياة... تماماً مثل هذا الصالون!"
نظرت كراميلا إلى السيدات الثلاث. كن يتحدثن بجدية تامة. لم يكن هناك أي سخرية في عيونهن، بل ترقب وشغف حقيقي. في تلك اللحظة الجزئية من الزمن، توقف عقل كراميلا عن التحليل المنطقي، واستيقظت بداخلها غريزة البقاء. الإيجار. هذه هي فرصتها الذهبية، فرصتها الوحيدة لإنقاذ مملكتها، بغض النظر عن سبب مجيئ هؤلاء النسوة المجنونات!.
استقامت كريمة في وقفتها، ورفعت ذقنها بحدة، واستدعت كل ذرة من شخصية "كراميلا" الواثقة والمتمردة. مسحت عينيها المحمرتين بسرعة، وابتسمت ابتسامة احترافية واثقة.
"حسناً أيتها السيدات،" قالت بصوت قوي، تخلص من كل ارتعاشه. "إذا كنتن تبحثن عن الكلاسيكية المملة، فالباب خلفكن. أما إذا كنتن مستعدات لتجربة فنية تغير مفاهيمن عن الجمال... فتفضلن بالجلوس."
شهقت السيدات بإعجاب من نبرتها الحازمة والمتعالية قليلاً. "يا لها من ثقة! إنها رائعة!" همست كاميليا لشيرين.
خلعت السيدات معاطفهن الفاخرة، وجلسن على الكراسي الوردية. ولأول مرة منذ أشهر، عادت الحياة لتدب في عروق الصالون.
بدأت كراميلا العمل. في البداية، كانت يداها ترتجفان قليلاً وهي تغسل شعر شيرين. كانت تخشى أن تخطئ، أن تسكب الماء على فستانها الذي يقدر بآلاف الدولارات. لكن، بمجرد أن بدأت أصابعها تتخلل خصلات الشعر، وتشعر بملمسه، وتبدأ في توزيع الرغوة العطرية، اختفى كل الخوف.
كراميلا لم تكن مجرد فتاة فوضوية؛ لقد كانت بالفعل تمتلك موهبة فطرية وحقيقية في تصفيف الشعر، موهبة صقلتها بسنوات من العمل في صالونات صغيرة قبل أن تقرر المخاطرة وتفتح صالونها الخاص. كانت تملك رؤية فنية، وقدرة على مزج الألوان وقص الشعر بطرق تبرز ملامح الوجه بشكل ساحر. عيبها الوحيد كان فوضويتها، وموقع صالونها الذي لم يجذب الزبائن المناسبين، بالإضافة إلى حربها اليومية مع نزار التي استهلكت طاقتها.
أمسكت كراميلا بالمقص، وبدأت في قص شعر شيرين. كانت حركاتها سريعة، دقيقة، وإيقاعية كعازف بيانو محترف. تخلت عن الحذر، وتركت العنان لإبداعها. كانت تتنقل بين السيدات الثلاث بخفة فراشة، تضع صبغات بألوان جريئة ومشرقة لكنها أنيقة في نفس الوقت، وتستخدم مجفف الشعر ببراعة جعلت الخصلات تتراقص وتأخذ أحجاماً متناسقة ومذهلة.
السيدات كن يراقبنها في المرايا بذهول حقيقي. لم تكن هذه مجرد خدعة أو ادعاء؛ هذه الفتاة ذات الكعكة الفوضوية والسترة الممزقة كانت تصنع سحراً حقيقياً. كانت تدمج بين الأسلوب الجريئ والأناقة بطريقة لم يسبق لهن رؤيتها.
بعد ثلاث ساعات من العمل المتواصل، التوتر، والإبداع المكثف، أطفأت كراميلا مجفف الشعر الأخير. تراجعت خطوة للوراء، ومسحت حبات العرق عن جبينها بظهر يدها، وهي تلهث بخفة.
"انتهينا،" قالت بصوت يملؤه الفخر الحقيقي.
نظرت شيرين، ونيفين، وكاميليا إلى أنفسهن في المرايا الضخمة. خيم صمت عميق على الصالون لثوانٍ بدت كالأبدية بالنسبة لكراميلا. كان قلبها يدق بعنف، تخشى أن يرفضن النتيجة.
فجأة، قفزت شيرين من الكرسي، ووضعت يديها على فمها بصدمة. "يا إلهي العظيم... هذا... هذا ليس شعري! هذا تاج من الحرير! انظرن إلى هذه التموجات! انظرن إلى هذا التدرج في اللون الخوخي! إنه يبرز عيني بطريقة لم أتخيلها يوماً!"
"وأنا!" صرخت نيفين بفرحة طفولية وهي تلمس الغرة الجريئة التي قصتها لها كريمة. "أبدو أصغر بعشر سنوات! التسريحة فيها حيوية مذهلة، ليست متصلبة كخوذة كما يفعلون في الصالونات الأخرى!".
"أنتِ ساحرة يا كراميلا! ساحرة حقيقية!" قالت كاميليا وهي تدور حول نفسها لتستعرض شعرها. "لن أذهب لأي صالون آخر بعد اليوم. لقد صدق 'المجتمع السري' في كل كلمة قيلت عنكِ!"
شعرت كريمة وكأن جبلاً من الهموم قد انزاح عن صدرها. لم تكن فرحتها مجرد فرحة بالمال القادم، بل كانت فرحة الاعتراف بموهبتها، فرحة استعادة ثقتها بنفسها التي كادت أن تدمرها الديون والوحدة. ابتسمت ابتسامة واسعة، حقيقية، أضاءت وجهها وجعلت نمشها يبدو كنجوم صغيرة تتلألأ من الفرح.
"أنا سعيدة جداً أن العمل نال إعجابكن،" قالت كريمة بتواضع صادق، متناسية شخصية المتمردة للحظة.
"نال إعجابنا؟ نحن مهووسات به!" قالت شيرين وهي تفتح حقيبة يدها الفاخرة. "كم الحساب يا عزيزتي كراميلا؟".
ابتلعت كراميلا ريقها. كانت قد حددت أسعاراً عادية في قائمة الصالون، لكنها تعلم أن هذه فرصة لطلب المزيد. ومع ذلك، لم ترغب في أن تبدو جشعة. "الحساب هو... ثلاثمائة دولار للواحدة،" قالت بصوت متردد قليلاً.
نظرت السيدات إلى بعضهن البعض، ثم انفجرن في ضحك راقٍ.
"ثلاثمائة دولار؟ يا لك من فنانة متواضعة ومترفعة عن الماديات!" قالت شيرين وهي تهز رأسها بإعجاب. "في صالون 'إليزيه' ندفع ألف دولار لنخرج بتسريحات تشبه العجائز. لا يا عزيزتي، فنك لا يقدر بثمن، لكننا سنعطيكِ ما تستحقينه."
أخرجت شيرين رزمة سميكة من الأوراق النقدية الجديدة فئة المائة دولار، ووضعتها على طاولة الزجاج. وتبعتها نيفين وكاميليا بفعل الشيء نفسه.
نظرت كريمة إلى كومة الأموال الخضراء المكدسة أمامها. كانت عيناها تتسعان تدريجياً حتى كادتا تخرجان من محجريهما. هذا ليس مجرد إيجار شهر واحد... هذا إيجار ستة أشهر، بالإضافة إلى فواتير الكهرباء، والمياه، وشراء منتجات جديدة للصالون!
"هذا... هذا كثير جداً!" تلعثمت كريمة، وهي ترفع يديها محاولة رفض المبلغ.
"ولا كلمة،" قاطعتها شيرين بحزم ممزوج بالمودة. "هذا حقك. وسنخبر كل صديقاتنا في النادي عنكِ. استعدي لجيش من الزبونات يا كراميلا. وداعاً يا عزيزتي!"
ارتدت السيدات معاطفهن، وخرجن من الصالون ليصعدن إلى سيارة المايباخ التي انطلقت بهدوء، تاركة كريمة تقف في منتصف صالونها كمن ضربته صاعقة من السعادة المطلقة.
نظرت كريمة إلى الأموال مرة أخرى. مدت يدها المرتجفة، ولمست الأوراق النقدية لتتأكد أنها ليست سراباً. كانت حقيقية. ملمس الورق الخشن كان حقيقياً. الإيجار سيُدفع. حلمها لن ينهار. مملكتها قد أنقدت!
أطلقت كريمة صرخة مكتومة، ووضعت يديها على فمها. ركضت نحو باب الصالون، وأدارت المفتاح في القفل بسرعة. ثم، وكأن شحنة كهربائية هائلة قد انفجرت بداخلها، بدأت تقفز في الهواء.
قفزت مرة، واثنتين، وعشراً. كانت تدور حول نفسها كالدوامة، تلوح بيديها في الهواء، وتضحك بصوت عالٍ، هيستيري، مليئ بدموع الفرح والراحة. ركضت نحو طاولة المكياج، واحتضنت عبوات الشامبو وكأنها أطفالها، ثم عادت للقفز والرقص في منتصف الصالون بطريقة عشوائية، مجنونة، وخالية من أي قيود. كانت ترقص رقصة الانتصار، رقصة الحياة التي عادت لتنبض في عروقها بعد أن ظنت أنها تحتضر.
وفي تلك الأثناء، في الجانب الآخر من الجدار.
كان نزار يقف في محله، مختبئاً خلف إحدى واجهات العرض الكبيرة، يسمع كل شيئ عبر الجدار الفاصل بينهما، لقد راقب دخول السيدات، وسمع عملها بتركيز، والآن، يسمع قفزاتها المجنونة ورقصتها العشوائية.
كان يحمل فنجان قهوته بيده، لكنه نسي أن يشرب منه. كان متسمراً في مكانه، وحواسه لا تفارق أصواتها.
عندما تخيلها تقفز وتضحك بتلك الطريقة الطفولية النقية، شعر بشيئ غريب يحدث داخل صدره. كان كمن يقف أمام مدفأة حطب في ليلة شديدة البرودة. حرارة دافئة، ناعمة، ومريحة جداً بدأت تتسرب إلى قلبه، وتذيب كل جدران الجليد التي بناها حول نفسه طوال السنوات الماضية.
لم يكن يشعر بمتعة الانتصار لأنه أنقذها فحسب، بل كان يشعر بسعادة خالصة، سعادة لمجرد رؤيتها سعيدة. لقد أدرك في تلك اللحظة أن ضحكتها، وتلك اللمعة العائدة إلى عينيها، وتلك القفزات الفوضوية، أصبحت تعني له أكثر من كل النجاحات والأموال التي حققها في حياته.
ابتسم نزار. لم تكن ابتسامة سخرية، ولا ابتسامة مجاملة كاذبة كعادته. كانت ابتسامة عريضة، حقيقية، وصلت إلى عينيه الداكنتين وجعلتهما تلمعان بحنان عميق. رفع فنجان قهوته نحو الجدار بحركة صامتة، وكأنه يشاركها نخب انتصارها، نخب الحياة التي عادت إليها، ونخب الحب الذي بدأ يتسلل إلى قلبه من حيث لا يدري.
"مرحباً بعودتكِ، يا كراميلا،" همس نزار بصوت دافئ أذابه عشق خفي،
وهو يسمعها تكمل رقصتها المجنونة خلف الجدار، مدركاً أن خطته السرية قد نجحت في إنقاذ صالونها، لكنها أوقعته هو، وبلا رجعة، في أسر قلبها المتمرد.
prince Egotist