كانت الشمس تميل نحو الغروب، ترسل خيوطها الذهبية عبر النوافذ الزجاجية الضخمة لصالون "كراميلا بيوتي"، ذلك المكان الذي كان يُفترض أن يكون ملاذاً للجمال والأناقة في قلب واحد من أرقى شوارع المدينة. لكن في تلك اللحظة، لم يكن يعكس سوى الفراغ الموحش. انعكست أشعة الشمس على المرايا الكبيرة ذات الإطارات الذهبية المزخرفة، وتراقصت ذرات الغبار في الهواء الساكن فوق الكراسي المخملية الوردية التي كانت خالية تماماً من أي زبونة.
في وسط هذه اللوحة الصامتة، جلست "كراميلا". لم يكن هذا اسمها الحقيقي في الأوراق الرسمية، لكنه الاسم الذي أطلقته على نفسها وعلى صالونها، والاسم الذي عرفها به كل من في الحي. كانت فتاة تمتلك من الجمال ما يكفي لجعلك تلتفت مرتين، ولكن ليس ذلك الجمال البارد والمثالي، بل جمال ينبض بالحياة والفوضى. شعرها الأحمر الناري كان معقوصاً بعناية في كعكة أنيقة أعلى رأسها، رغم أن بعض الخصلات المتمردة قد أفلتت لتلامس عنقها وتؤطر وجهها. تناثر نمش خفيف وجذاب على أنفها الدقيق ووجنتيها، كأنه قطرات من القرفة رُشت على بشرتها الصافية، مما منحها مظهراً طفولياً بريئاً يتناقض تماماً مع شخصيتها الحقيقية.
كانت تجلس على كرسي تصفيف الشعر الرئيسي، ترتدي مئزرها الأسود الأنيق الذي يحمل شعار الصالون، لكن عينيها العسليتين الواسعتين كانتا مثبتتين على السقف بشرود تام. كانت تندب حظها. بل، إن مصطلح "تندب حظها" لا يفي الموقف حقه؛ كانت تلعن الظروف، والاقتصاد العالمي، وأسعار مستحضرات التجميل، واليوم الذي قررت فيه أن تفتتح مشروعاً في هذا الشارع الفخم الذي لا يرحم الضعفاء.
تنهدت كراميلا بعمق، وهو تنهد خرج من أعماق رئتيها ليحرك سكون المكان. رفعت يدها النحيلة لتفرك صدغها بقوة. الصداع بدأ يزحف إلى رأسها منذ الصباح الباكر، تحديداً منذ اللحظة التي اضطرت فيها لمواجهة الفتيات العاملات معها: "سلوى" خبيرة الأظافر، و"ريم" مساعدة التصفيف، و"حنان" خبيرة المكياج. تذكرت نظراتهن المصدومة عندما طلبت منهن الجلوس في غرفة الاستراحة الصغيرة لتخبرهن بالقرار الكارثي.
"يا بنات،" قالت كراميلا حينها بصوت حاولت جاهدة أن تجعله ثابتاً، رغم أن لسانها السليط الذي اعتادت أن ترهب به الموردين والزبونات المزعجات قد خذلها في تلك اللحظة. "الوضع... الوضع لا يخفى عليكن. نحن نكش الذباب منذ أسابيع. الزبونات اختفين وكأن وباءً قد ضرب الشارع، والخزنة فارغة لدرجة أنني إذا صرخت بداخلها سيتردد الصدى. لا أستطيع دفع رواتبكن هذا الشهر، ولا الشهر الذي مضى. لذا... أنتن في إجازة مفتوحة. غير مدفوعة الأجر بالطبع، لأنني لا أملك حتى ثمن فنجان قهوة."
تذكرت دموع "ريم"، ونظرة الخيبة في عيني "سلوى"، وعناق "حنان" المواسي لها قبل أن يجمعن أغراضهن ويغادرن الصالون واحداً تلو الآخر. كل خطوة من خطواتهن نحو الباب كانت كأنها مطرقة تضرب على قلب كراميلا. لقد أسست هذا المكان بشغف، ووضعت فيه كل مدخراتها، بل واقترضت لجعله تحفة فنية تناسب سيدات المجتمع الراقي. ولكن لسبب مجهول، توقفت العجلة عن الدوران، وبدأ الإفلاس يطرق بابها الزجاجي الأنيق بقوة.
نهضت كراميلا من الكرسي وبدأت تذرع المكان جيئة وذهاباً. حذائها ذو الكعب العالي يصدر طقطقة عصبية متسارعة على الأرضية الرخامية اللامعة. الأزمة لم تكن تقتصر على رواتب الفتيات فقط. الطامة الكبرى كانت ذلك الملف الأسود القابع في درج مكتبها الأمامي، والذي يحتوي على إنذارات الدفع. ستة أشهر. ستة أشهر كاملة لم تدفع فيها إيجار هذا المحل الشاسع.
"ستة أشهر يا كراميلا!" صرخت فجأة في الفراغ، وصوتها يتردد بين الجدران الوردية. "كيف وصلتِ إلى هنا؟ هل يُعقل أنكِ ستُطردين وتلقى أغراضك في الشارع؟ أين هو ذلك المالك المختفي الذي لا يظهر إلا في الأوراق؟ ربما يكون عجوزاً بخيلاً يراقبني من بعيد وينتظر اللحظة المناسبة ليطردني ويسخر مني!".
توقفت أمام إحدى المرايا، نظرت إلى انعكاسها. الكعكة الحمراء لا تزال متماسكة، والنمش يبدو لطيفاً، لكن الهالات السوداء الخفيفة تحت عينيها كانت تفضح ليالي الأرق الطويلة. ضيقت عينيها وتحدثت إلى نفسها بلهجة تهديد: "لا، كراميلا لا تسقط بسهولة. كراميلا تقف على قدميها حتى لو احترق العالم. ولكن... يا إلهي، العالم يحترق فعلاً وجيوبي فارغة تماماً!"
مع تصاعد موجة اليأس، وبدلاً من الاستسلام للبكاء الذي كان يهدد باقتحام عينيها، قررت كراميلا اللجوء إلى آليتها الدفاعية المفضلة: الصخب. كانت من ذلك النوع من البشر الذين إذا حاصرتهم الهموم، لا يتقوقعون في الزوايا المظلمة، بل ينفجرون في إحداث ضجة تلهيهم عن صوت أفكارهم المرعبة.
اتجهت بخطوات واسعة نحو نظام الصوت المحيطي الحديث الذي كلفها ثروة عند تجهيز الصالون. أمسكت بالهاتف الذكي الموصول به، وبأصابع ترتجف قليلاً من الانفعال، قلبت في قوائم التشغيل الخاصة بها متجاهلة تماماً موسيقى "السبا" الهادئة وألحان البيانو الكلاسيكية التي اعتادت تشغيلها للزبونات. بحثت عن شيء صاخب، شيء يناسب حجم الغضب واليأس الذي يعتمل في صدرها.
اختارت أغنية شعبية درامية، من تلك الأغاني التي تتحدث عن غدر الزمان والأحباب وقسوة الأيام. رفعت مستوى الصوت إلى أقصى حد ممكن حتى كادت سماعات الصالون أن تنفجر. ثم، التقطت فرشاة شعر أسطوانية عريضة، وقبضت عليها بقوة كما يقبض المغني المحترف على الميكروفون المذهب، ووقفت في منتصف الصالون.
أغمضت عينيها، ومع بدء الموسيقى الصاخبة التي اهتزت لها واجهات المحل الزجاجية، فتحت كراميلا فمها وبدأت في الغناء.
لم يكن صوتها سيئاً فحسب. لقد كان كارثة طبيعية. كان مزيجاً من صراخ القطط المتشاجرة في منتصف الليل وصوت مكابح سيارة قديمة تحاول التوقف فجأة. كانت تخرج عن اللحن تماماً، وتمد الكلمات في غير موضعها، وتصرخ بحرقة شديدة جعلت حنجرتها تحتقن.
"ياااا زماااان الغدر ليه قسيت عليااااا!" غنت بأعلى طبقة ممكنة، أو بالأحرى، صرخت.
بدأت تتحرك في أرجاء الصالون، تندمج في دور المغنية المكلومة. صعدت على أحد كراسي التصفيف، ووجهت فرشاة الشعر نحو المرايا وكأنها تخاطب جمهوراً عريضاً. كانت تغمض عينيها بانفعال شديد، وتهز رأسها فتتمايل الكعكة الحمراء يميناً ويساراً. لم تهتم بأن الشارع الفخم بالخارج بدأ يشهد بعض المارة الذين توقفوا للحظات ينظرون بصدمة نحو واجهة الصالون الزجاجية، محاولين فهم مصدر هذا الصوت النشاز الذي يمزق هدوء حيهم الراقي.
"الجيوب فضيت والهم ملى عينيناااا!" أكملت وصلتها، وتقفز من الكرسي إلى الأرضية بحركة مسرحية مبالغ فيها، كادت أن تكسر كعب حذائها. كانت تشعر بتحسن غريب. كل صرخة كانت تخرج معها شحنة من التوتر المكبوت، وكل نغمة خاطئة كانت بمثابة ضربة توجهها للظروف القاهرة التي وضعتها في هذا المأزق.
استمرت هذه الحفلة المنفردة والمروعة لأكثر من نصف ساعة. غنت خلالها عن الهجر، وعن الإفلاس، وعن الخيانة، وعن كل شيء يمكن أن يزيد من دراما اللحظة. كانت تتعرق، وصوتها بدأ يتبخر ليتحول إلى بحة خشنة، لكنها لم تتوقف. رفعت فرشاة الشعر عالياً، واستعدت للوصول إلى المقطع الختامي الذي يتطلب طبقة صوتية عالية جداً، أخذت نفساً عميقاً ملأ رئتيها...
ولكن في تلك اللحظة، لفت انتباهها حركة كثيفة في الخارج.
توقفت كراميلا منتصف النوتة العالية، وبقيت فرشاة الشعر مرفوعة في الهواء. أدارت رأسها ببطئ نحو الواجهة الزجاجية الكبيرة. الشارع في الخارج كان قد بدأ يكتسي بظلام المساء المبكر، وأضواء أعمدة الإنارة الأنيقة قد اشتعلت، لتلقي بظلالها الطويلة على الرصيف الواسع.
كان المحل المجاور لها، والذي ظل فارغاً ومغلقاً لأشهر طويلة بعد إفلاس صاحبه السابق (مقهى لبيع الحلويات الفرنسية)، يشهد الآن حركة غير عادية. شاحنة نقل صغيرة وفخمة وقفت أمامه. عمال يرتدون زياً موحداً أنيقاً ينقلون صناديق ضخمة مغلفة بعناية فائقة. صناديق لا تبدو كأنها أثاث عادي، بل قطع فنية أو معدات حساسة.
خفضت كراميلا ذراعها التي تحمل الفرشاة، وتوجهت بخطوات بطيئة، كقطة تستكشف منطقة جديدة، نحو النافذة الزجاجية. ضغطت بوجهها على الزجاج البارد، متجاهلة تماماً أنها قد تترك أثراً لدهون أنفها عليه، وأخذت تراقب المشهد بفضول قاتل.
من بين العمال الذين كانوا يهرولون ذهاباً وإياباً، ظهر شخص مختلف. شخص لا يبدو أنه ينتمي للطبقة العاملة في تلك الشاحنة، ولا يبدو أنه من النوع الذي يعتاد على الفوضى.
كان شاباً في بداية الثلاثينيات من عمره. طويل القامة، ممشوق القوام، يرتدي قميصاً أبيض ناصعاً مكويّاً بعناية فائقة، وبنطالاً داكناً ينم عن ذوق رفيع وبساطة باهظة الثمن. كان شعره الداكن مصففاً بطريقة عشوائية لكنها مدروسة بدقة، كمن يمتلك مصففاً خاصاً يزوره يومياً. ولكن أكثر ما لفت انتباه كراميلا كان وجهه.
كان وسيماً بطريقة هادئة ومستفزة. ملامحه رجولية حادة، فك محدد، وأنف مستقيم. ارتدى نظارات طبية ذات إطار أسود كلاسيكي أضفت عليه طابعاً من الجدية والحدة، كأنه أستاذ جامعي صارم أو مفكر لا يطيق الإزعاج.
كان يقف هناك، وسط فوضى العمال والصناديق، واضعاً إحدى يديه في جيب بنطاله، بينما يمسك بالأخرى كوباً من القهوة الورقي. لم يكن يصرخ في العمال، ولم يكن يوجههم بعصبية، بل كان يكتفي بإيماءات رأس خفيفة ونظرات دقيقة من خلف نظاراته، ليتحرك الجميع كالساعة السويسرية الدقيقة.
راقبته كراميلا وهو يتحدث إلى أحد العمال، ورأت كيف تحركت شفتيه بهدوء وثقة. كان يحيط به هالة من السلام المزعج والبرود الشديد. هدوء جعله يبدو ككائن من كوكب آخر، كوكب لا يعرف معنى الإيجار المتأخر أو الجيوب الفارغة أو الصراخ في فرشاة الشعر.
"من هذا المتعجرف؟" همست كراميلا لنفسها، وهي تضيق عينيها وتزفر أنفاسها الحارة على الزجاج، مما جعل بقعة صغيرة من الضباب تتشكل أمامه. "يبدو وكأنه ابتلع عصا مكنسة من شدة استقامته. يا لبروده! كيف يمكن لشخص أن يكون بهذا الهدوء وسط عملية انتقال؟".
بينما كانت كراميلا تتأمله وتطلق أحكامها المسبقة السريعة بناءً على مقاييسها الخاصة للفوضى والمنطق، حدث ما لم تكن تتوقعه.
وكأن الشاب قد شعر بنظراتها الثاقبة التي تخترق الزجاج، أدار رأسه ببطئ نحو صالونها. توقفت أنفاس كراميلا للحظة. من خلف عدسات نظارته الطبية، التقت عيناه الداكنتان والصارمتان بعينيها العسليتين الواسعتين من خلف الزجاج.
كانت كراميلا تقف في وضعية لا تُحسد عليها. الموسيقى الشعبية الصاخبة لا تزال تزلزل أرجاء الصالون ورائها، وهي تقف ملتصقة بالزجاج، تمسك بفرشاة شعر وكأنها سلاح، وشعرها الأحمر قد فقد بعضاً من أناقته بسبب وصلة الغناء الجنونية، ووجهها يحمل تعبير الفضول الممتزج بالصدمة.
نظرت إليه، ونظر إليها. لم تدم تلك النظرة سوى لثوانٍ معدودة، لكنها كانت كافية. رأت كراميلا حاجب الشاب الأيسر يرتفع قليلاً، وتغيرت ملامحه الهادئة جداً لتتحول إلى تعبير واضح من الاستنكار والدهشة المكتومة. رمش ببطئ، ونظر إلى واجهة الصالون، وإلى اسمها المكتوب بالنيون الوردي "كراميلا بيوتي"، ثم أعاد نظره إليها، كأنه يقيّم حجم الكارثة التي انتقل للتو بجوارها.
شعرت كراميلا بحرارة الغضب والخجل تسري في عروقها. لم تكن من النوع الذي ينكسر أمام النظرات، ولم تكن لتهرب وتختبئ. بدلاً من ذلك، رفعت ذقنها بتحدٍ، وأطلقت نحوه نظرة نارية تحمل كل الشراسة التي تخبئها خلف نمشها الطفولي. كادت أن ترفع فرشاة الشعر كتهديد، لكن الشاب ببساطة، وببرود أثار حنقها، أشاح بنظره عنها وعاد ليكمل توجيه عماله، متجاهلاً إياها تماماً كأنها مجرد واجهة زجاجية مزعجة لا تستحق اهتمامه.
"يا له من مغرور متغطرس!" صرخت كراميلا داخل الصالون، مبتعدة عن الزجاج بسرعة. رمت فرشاة الشعر على أقرب كرسي، وتوجهت نحو جهاز الصوت وأغلقته بعنف ليعود الصمت الخانق ليحتل المكان.
وقفت في المنتصف، تتنفس بصوت مسموع، وعيناها تلمعان بتحدٍ جديد. لقد كان يومها تعيساً، ومستقبلها المهني على وشك الانهيار، وجيوبها أفرغ من صحراء قاحلة. لكن هذا الجار الجديد، بهدوئه المستفز ونظارته الطبية ونظرته المتعالية، قد أشعل للتو شرارة جديدة داخلها. شرارة من الغضب، والتحدي، وربما... الفضول.
"حسناً يا سيد نظارات"، همست كراميلا وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وتنظر نحو الجدار المشترك بين محليّهما. "يبدو أنك تبحث عن الهدوء في شارعنا. ولكن، أقسم لك بكل خصلة من شعري الأحمر، أنك اخترت الجار الخطأ تماماً!".
ابتسمت كراميلا ابتسامة نصفية مليئة بالمكر، التقطت حقيبتها، وأطفأت أنوار الصالون الفخم. خرجت وأغلقت الباب الزجاجي بقوة أحدثت صوتاً عالياً لفت انتباه العمال في الخارج، رمقت الشاب الوسيم بنظرة أخيرة مليئة بالتحدي والازدراء، ثم سارت في الشارع بخطوات واثقة، وكعبها يطرق الأرض وكأنه يعلن عن بدء حرب غير متكافئة بين فوضى كراميلا، وهدوء هذا الجار الغامض. لم تكن تعلم حينها، أن هذه النظرة، وتلك الحرب، ستكونان بداية لأكثر الفصول جنوناً ورومانسية في حياتها.
prince Egotist