الفصل الرابع عشر.

الفصل الرابع عشر.

4 0

كان مساء يوم الخميس في شارع "الزمرد" يرتدي حلة خريفية داكنة، حيث تلبدت السماء بغيوم رمادية ثقيلة حجبت ضوء القمر والنجوم، وهبت رياح باردة تلاعبت بأوراق الشجر الجافة ودفعتها لتصطدم بواجهات المحلات الزجاجية في رقصة عشوائية. كان الشارع قد بدأ يفرغ من المارة، ولم يتبق سوى عدد قليل من المحلات التي لا تزال تضيئ مصابيحها، وعلى رأسها صالون "كراميلا بيوتي" ومحل "نزار" للأزياء الراقية.

في داخل الصالون، كانت كراميلا تقف وحدها بعد أن غادرت مساعدتها والزبونة الأخيرة. كانت تقوم بجرد يومي لمستحضرات التجميل، ممسكة بلوح كتابة وقلم، وتدندن مع أغنية هادئة تنبعث من المذياع القديم. كان الصالون يضج بألوانه الوردية الزاهية، ورائحة الشامبو والفانيليا تملأ الأجواء، مما يمنح كراميلا شعوراً بالأمان والحياة.

على الجانب الآخر من الجدار، في عالمه الخاص والمحسوب بدقة، كان نزار يجلس على كرسيه الجلدي الوثير، يسلط ضوء مصباح مكتبه القوي على تفاصيل "فستان الكراميل المتمرد" الذي أصبح شغله الشاغل. كان يقص قطعاً من الدانتيل الفرنسي بحذر شديد، وعيناه تلمعان بشغف لم يعهده في نفسه منذ سنوات. كان الصمت في محله مقدساً، لا يقطعه سوى صوت مقصه الذهبي وهو يشق القماش بنعومة، وصوت دقات الساعة الجدارية الكلاسيكية.

فجأة، وبدون أي سابق إنذار... ومضت المصابيح في الشارع بأكمله مرتين متتاليتين، ثم سُمع دوي انفجار مكتوم قادم من المحول الكهربائي الرئيسي في نهاية الشارع، تلاه صمت مطبق وظلام دامس.

انقطع التيار الكهربائي عن شارع الزمرد بالكامل.

في لمح البصر، ابتلع الظلام كل شيئ. توقفت الأغنية في مذياع كراميلا، وانطفأ ضوء مصباح نزار. تلاشت الألوان، واختفت التفاصيل، وغرق الشارع في سواد ثقيل، ومرعب.

بالنسبة لنزار، لم يكن الأمر سوى إزعاج طفيف. تنهد بضيق، ووضع مقصه على الطاولة بحذر في الظلام، ثم مد يده بهدوء نحو جيبه ليخرج هاتفه المحمول ويشغل المصباح اليدوي. كان الظلام بالنسبة له مجرد غياب للضوء، حالة فيزيائية يمكن التعامل معها بالمنطق والهدوء.

لكن في الجانب الآخر من الجدار... كان الظلام بالنسبة لكراميلا وحشاً حقيقياً يتنفس.

سقط لوح الكتابة من يدها ليصطدم بالأرضية الرخامية بصوت مدوٍ في الصمت المفاجئ. تجمدت في مكانها، واتسعت عيناها بأقصى ما يمكن في محاولة يائسة لالتقاط أي ذرة ضوء، لكن لا شيئ سوى السواد. بدأت أنفاسها تتسارع بشكل لا إرادي، وشعرت وكأن الهواء في الصالون قد تم شفطه بالكامل.

الظلام لم يكن مجرد انقطاع للكهرباء بالنسبة لها؛ كان باباً يُفتح على مصراعيه ليخرج منه كل خوف طفولي، وكل شعور بالوحدة والعجز. كانت تعاني من "النيكتوفوبيا" (رهاب الظلام) منذ طفولتها، حيث كان الظلام يرتبط في ذهنها بالليالي الطويلة الباردة التي قضتها وحدها، وبشعور التخلي والفراغ الذي حاولت طوال حياتها أن تملأه بالألوان الزاهية، والأصوات العالية، والفوضى المستمرة.

"لا... لا، ليس الآن"، همست كراميلا بصوت يرتجف، ويداها تتخبطان في الهواء بحثاً عن أي شيء تستند إليه.

اصطدمت ركبتها بحافة كرسي الغسيل، فتعثرت وسقطت على الأرض. تناثرت عبوات الشامبو البلاستيكية حولها في الظلام، مما زاد من ذعرها. شعرت وكأن جدران الصالون تضيق عليها، وأن السقف يوشك أن يطبق على صدرها. كان قلبها ينبض بسرعة جنونية كطائر محبوس في قفص يضرب بجناحيه القضبان الحديدية.

لم تستطع التفكير في البحث عن هاتفها. كانت الغريزة الوحيدة التي تسيطر عليها الآن هي: الهروب. الهروب من هذا الصندوق الأسود الخانق.

زحفت على يديها وركبتيها حتى لمست الواجهة الزجاجية، ثم نهضت بجهد ودفعـت الباب بقوة لتخرج إلى الشارع. لكن الشارع لم يكن أفضل حالاً. كان مظلماً تماماً، والرياح الباردة تضرب وجهها بقسوة، وأصوات احتكاك فروع الأشجار بدت وكأنها همسات أشباح في الليل.

نظرت يميناً ويساراً بعينين تملؤهما دموع الذعر. وفجأة، لمحت بصيصاً من الضوء الضعيف جداً ينبعث من المحل المجاور. ضوء هاتف محمول يتنقل بهدوء داخل محل "نزار".

لم تفكر كراميلا مطلقًا. لم تفكر في كبريائها، ولا في مشاكساتهما، ولا في أي شيئ آخر سوى أنها بحاجة إلى ضوء، وإلى إنسان ينقذها من هذا الغرق.

ركضت نحو بابه، وبدون أن تطرق، دفعت الباب الزجاجي الثقيل بكل ما أوتيت من قوة.

صرخ الجرس النحاسي في الظلام، واقتحمت المحل وهي تلهث بشدة، وتستند بظهرها على الباب بعد أن أغلقته خلفها، وكأنها تحتمي من الوحوش التي تطاردها في الخارج.

كان نزار يقف بالقرب من مكتبه، يوجه ضوء هاتفه نحو الأقمشة ليغطيها. عندما سُمع صوت اقتحام الباب، التفت بسرعة، وسلط الضوء نحو المدخل.

صُدم عندما رأها. لم تكن "كراميلا" المشاكسة، العنيدة، ذات اللسان السليط. كانت تبدو كطفلة ضائعة. وجهها شاحب كالموتى، عيناها مليئتان بدموع الرعب، جسدها يرتجف كورقة شجر في مهب الريح، وأنفاسها تخرج متقطعة وصاخبة وكأنها تختنق.

"كريمة؟" ناداها نزار، وتغيرت نبرة صوته فوراً من الاستغراب إلى القلق العميق. وضع الهاتف على الطاولة بحيث ينير مساحة أكبر، وركض نحوها متجاوزاً كل العوائق في طريقه.

عندما اقترب منها، انزلقت كراميلا ببطئ على الباب حتى جلست على الأرضية الخشبية الباردة، وضمت ركبتيها إلى صدرها، ودفنت وجهها بين ذراعيها، محاولة تقليل مساحة جسدها في هذا الفضاء المظلم.

نزل نزار على ركبتيه أمامها فوراً. لم يطرح أسئلة غبية من قبيل "ماذا تفعلين هنا؟" أو "هل أنتِ خائفة من الظلام؟". لقد أدرك بحدسه الحاد أن ما تمر به هو نوبة ذعر حقيقية وقاسية.

"كريمة، أنا هنا"، قال نزار بصوت خفيض، هادئ، ومفعم بالأمان. "أنتِ لستِ وحدكِ. أنا معكِ، والمكان آمن."

مد يده بحذر، ولمس كتفها الذي كان ينتفض بعنف. بمجرد أن شعرت بلمسته، رفعت رأسها فجأة، وبحركة لا إرادية نابعة من الرعب المطلق، ألقت بنفسها في حضنه، ممسكة بياقة قميصه بكلتا يديها بقوة كادت أن تمزق القماش.

تجمد نزار لثانية واحدة. لم يكن معتاداً على العناق، ولم يكن معتاداً على أن يعتمد عليه أحد بهذا الشكل العاطفي المكشوف. لكن رائحة الفانيليا التي امتزجت بدموعها، وارتجاف جسدها الصغير بين ذراعيه، أيقظت في داخله غريزة حماية لم يعرف بوجودها من قبل.

لف ذراعيه القويتين حول ظهرها، وضمها إليه بإحكام، مسنداً رأسها على صدره حيث ينبض قلبه.

"تنفسي"، همس في أذنها وهو يمسح على شعرها الفوضوي ببطئ. "خذي نفساً عميقاً معي. شهيق... زفير. لا يوجد شيء يخيف في الخارج، ولا يوجد شيئ يخيف في الداخل. إنه مجرد انقطاع للكهرباء وسيعود الضوء قريباً".

بقيت كراميلا في حضنه لعدة دقائق، تستمد الحرارة من جسده، والأمان من دقات قلبه المنتظمة التي بدأت تنتقل عدواها إلى قلبها لتكسر من حدة تسارعه. شيئاً فشيئاً، بدأ ارتجافها يقل، وأنفاسها تنتظم، رغم أن قبضتها على قميصه لم ترتخِ بعد.

"أنا... أكره الظلام،" همست بصوت مخنوق بالبكاء، ووجهها لا يزال مدفوناً في صدره. "إنه يبتلعني... يذكرني بكل شيئ سيئ".

"أعلم،" قال نزار بنعومة. "لن نبقى في الظلام. سأجعل هذا المكان مضيئاً من أجلك. هل يمكنكِ أن تقفي معي؟".

أومأت برأسها بضعف. ساعدها نزار على النهوض، ووضع ذراعه حول خصرها ليسندها، ثم قادها بخطوات بطيئة نحو الأريكة المخملية الكبيرة في وسط المحل. أجلسها بعناية، ثم أخذ هاتفه من على الطاولة.

"سأبتعد لخطوتين فقط لأحضر شيئاً، لا تخافي، ضوء الهاتف سيبقى مسلطاً عليكِ،" قالها وهو ينظر إلى عينيها ليتأكد من موافقتها.

عندما هزت رأسها موافقة، توجه نزار بسرعة نحو خزانة زجاجية في الزاوية. كونه مصمماً يقدر الأجواء الكلاسيكية، كان يحتفظ بمجموعة فاخرة من الشموع الكبيرة العطرية التي يستخدمها أحياناً لخلق جو من الاسترخاء أثناء تصميمه للقطع المعقدة.

أخرج عدة شموع بيضاء أسطوانية ضخمة، وبدأ في إشعالها واحدة تلو الأخرى باستخدام ولاعة فضية صغيرة. وضع شمعة على طاولة الرسم، واثنتين على الطاولات الجانبية، ثم عاد ليضع ثلاث شموع كبيرة على الطاولة الزجاجية المنخفضة أمام الأريكة التي تجلس عليها كراميلا.

خلال دقائق معدودة، تحول المحل من كهف مظلم ومخيف إلى مسرح سحري. الضوء الذهبي الدافئ للشموع تراقص على الجدران، وانعكس على المرايا الكبيرة، وتخلل ثنيات الأقمشة الحريرية والمخملية المعلقة على التماثيل الخشبية، ليخلق لوحة من الظلال والنور تشبه لوحات عصر النهضة. ورائحة العنبر وخشب الصندل بدأت تنتشر في الهواء، لتطرد رائحة الخوف والتوتر.

جلس نزار على الأريكة بجوارها، وترك مسافة محترمة بينهما، لكنه استدار ليواجهها.

كانت كراميلا تنظر إلى ألسنة اللهب الصغيرة، وقد هدأ روعها تماماً. انعكس الضوء الذهبي على وجهها، مبرزاً النمش الخفيف المتناثر على أنفها ووجنتيها، وجعل عينيها العسليتين تبدوان كبحيرتين من العسل المذاب. تنهدت بعمق، ومسحت بقايا الدموع عن خديها بظهر يدها.

"أنا... أعتذر"، قالت بصوت خافت، والابتسامة الخجولة تشق طريقها إلى شفتيها. "اقتحمت محلك كالمجنونة، ومزقت قميصك، وبكيت كالطفلة. من المؤكد أنك تعتقد الآن أنني فتاة هشة ومثيرة للشفقة."

ابتسم نزار ابتسامة هادئة، دافئة، خالية من أي سخرية. "أبداً. لا أعتقد ذلك على الإطلاق. الشجاعة لا تعني عدم الخوف يا كريمة، بل تعني أن تملكي القدرة على الاعتراف بخوفكِ والبحث عن ملاذ. وأنا... يشرفني أنكِ اخترتِ محلي ليكون ملاذكِ".

نظرت إليه بدهشة. هذا الرجل البارد، الصارم، المتعجرف، يمتلك في داخله بئراً من الحنان والعمق لم تكن تتخيله يوماً.

"لماذا تخافين من الظلام إلى هذا الحد؟" سألها نزار بصوت يشبه الهمس، لا يريد أن يكسر قدسية الهدوء الذي حل بينهما.

نظرت كراميلا إلى الشموع مجدداً، ولعبت بأصابعها بتوتر خفيف. "لأن الظلام صامت... والصمت يجعلني أسمع أفكاري، ويذكرني بأنني كنت وحيدة جداً في الماضي."

ابتلعت ريقها، واسترسلت في الحديث، وكأن العتمة المحيطة بهما قد أزالت كل حواجز الحذر. "عندما كنت صغيرة، توفي والداي في حادث. عشت مع أقارب لم يكونوا سيئين، لكنهم لم يكونوا يملكون وقتاً لي. كنت أقضي ليالي طويلة في غرفتي المظلمة، لا أسمع سوى صوت أنفاسي، وأشعر بفراغ هائل يبتلعني. لهذا السبب، عندما كبرت، قررت أن أملأ حياتي بالضجيج. الألوان الفاقعة، الموسيقى الصاخبة، الثرثرة المستمرة، الفوضى... كل هذا مجرد درع. أنا أصنع الفوضى لأنها تمنحني وهماً بأنني محاطة بالحياة، وبأنني لست وحيدة."

كان نزار يستمع إليها بتركيز شديد. كل كلمة كانت تسقط في قلبه كقطرة ندى على أرض جافة. لقد فهمها الآن. فهم أن كل تلك الاستفزازات، والضحكات العالية، والمبالغة في التمرد، لم تكن سوى محاولة للبقاء على قيد الحياة، محاولة للفت الانتباه ولإثبات وجودها في عالم خذلها صغيراً.

دون أن يفكر، تحرك نزار ليقترب منها قليلاً على الأريكة. مد يده، وبنعومة فائقة، أزاح خصلة من شعرها الناري المتمرد التي سقطت على وجهها، وأرجعها خلف أذنها. كانت لمسته دافئة، وحنونة، وجعلت قشعريرة لذيذة تسري في جسدها.

"أنتِ لستِ وحدكِ يا كريمة،" قال نزار بصوت عميق، ينظر مباشرة إلى عينيها. "ربما تكون الفوضى درعكِ... لكن هل تعرفين؟ أنا أيضاً أمتلك درعاً، ولكنه من نوع مختلف تماماً."

رفعت كراميلا عينيها لتلتقي بعينيه. "درعك هو النظام؟"

ابتسم نزار بمرارة خفيفة، ونظر حوله إلى محله المنظم بدقة هندسية صارمة. "نعم. النظام، الصرامة، البرود، والابتعاد عن الناس. لقد اخترت نوعاً آخر من الوحدة. الوحدة الاختيارية. اعتقدت أنني إذا قمت بتنظيم كل تفصيلة في حياتي، وإذا بقيت بعيداً عن المشاعر والفوضى، فلن أتعرض للأذى. بنيت هذا المحل ليكون متحفاً جميلاً ومثالياً... لكنني قفلت على نفسي بداخله."

عاد بنظره إليها، وكانت المسافة بينهما قد تقلصت دون أن يدركا. "كنت أظن أنني أعيش حياة مثالية، حتى ظهرتِ أنتِ في الشارع. اقتحمتِ عالمي بألوانكِ الصاخبة، وموسيقاكِ المزعجة، وكعكتكِ الفوضوية... وفي البداية، كنت غاضباً لأنكِ كنتِ تدمرين نظامي. لكنني أدركت لاحقاً... أنكِ لم تكوني تدمرين نظامي، بل كنتِ توقظينني من سباتي. كنتِ تعيدين الحياة إلى هذا المتحف الميت."

توقفت أنفاس كراميلا. لم تكن تتوقع هذا الاعتراف الصريح، العميق، والجميل من رجل لطالما اعتبرته عدوها اللدود. كانت كلماته تذيب كل جليد بينهما، وتحيل المساحة الفاصلة بينهما إلى مجال مغناطيسي لا يمكن مقاومته.

كانت الغرفة تعبق برائحة الصندل، وضوء الشموع يتراقص على وجهيهما. لم يعد هناك مصمم أزياء متعجرف وصاحبة صالون فوضوية؛ كان هناك فقط رجل وامرأة، اعترف كل منهما للآخر بوحدته، ووجدا في بعضهما البعض العزاء المفقود.

كانت نظرات نزار تتنقل بين عينيها العسليتين الواسعتين، وشفتيها المرتجفتين قليلاً. كانت تبدو فاتنة، حقيقية، مجردة من كل دفاعاتها.

مال نزار برأسه ببطئ نحوها. لم تبتعد كراميلا. بل على العكس، أغمضت عينيها بتسليم تام، ورفعت وجهها قليلاً باتجاهه، تستقبل هذا القرب الذي طالما أنكراه، والذي أصبح الآن حتمياً كشروق الشمس.

شعرت بأنفاسه الدافئة تلامس بشرتها. كان قلبها يدق بعنف، ليس خوفاً هذه المرة، بل من فرط الترقب والنشوة. انحنى نزار أكثر، وتلاشت المسافة بينهما حتى كادت شفتيه أن تلامس شفتيها. كان هذا هو التتويج لكل تلك الشجارات، والنظرات المسروقة، والمشاعر المكبوتة.

لحظة واحدة... مليمتر واحد...

وفجأة!

طااااااااخ! ززززززز! بِييييييييب!

في لحظة واحدة، وبدون أي تحذير، عاد التيار الكهربائي إلى شارع الزمرد بكامل طاقته!

اشتعلت مصابيح الفلورسنت البيضاء القوية في سقف المحل لتضرب أعينهما كضوء فلاش الكاميرا. وعادت آلة القهوة للعمل بإصدار صوت ضجيج مرتفع. ولكن، هذا لم يكن أسوأ ما في الأمر.

بسبب عودة الكهرباء، اشتغلت مراوح التكييف المركزية فجأة وبقوة، مما أدى إلى نفخ الهواء مباشرة نحو إحدى الشموع الكبيرة التي وضعها نزار على طاولة الرسم. انحرف لهب الشمعة ليلعق طرف ورقة شفافة كانت قريبة منها، وفي غضون ثانية، تصاعد عمود من الدخان الكثيف الأسود وارتفع مباشرة نحو... جهاز إنذار الحريق الحساس المثبت في السقف!

ووووويييي! ووووويييي! ووووويييي!

انطلق إنذار الحريق بصوت يصم الآذان، يرافقه وميض أضواء حمراء تحذيرية ملأت المحل وكأنه ملهى ليلي في حالة طوارئ.

انتفض نزار وكراميلا مبتعدين عن بعضهما البعض كمن صعقتهما الكهرباء. فتحت عينيها بصدمة ووضعت يديها على أذنيها من شدة الصوت الحاد.

"يا إلهي! حريق؟!" صرخت كراميلا وهي تقفز من الأريكة.

نزار، الذي انتقل من قمة الرومانسية إلى قمة الفزع على أقمشته الحريرية في أقل من ثانية، ركض نحو طاولة الرسم.

"ليس حريقاً! إنه الدخان!" صرخ نزار وهو يحاول أن يسمع صوته وسط الإنذار المدوي.

بسرعة بديهة كوميدية لا تتناسب مع وقاره، أمسك نزار بقطعة من القماش (لحسن الحظ لم تكن حريرية بل مجرد منشفة قطنية للكي) وبدأ يضرب بها على الدخان المتصاعد من الورقة المحترقة حتى أطفأها تماماً. ثم نفخ في جميع الشموع المتبقية بقوة ليطفئها.

لكن إنذار الحريق لم يتوقف!

ووووويييي! ووووويييي!

"الإنذار لن يتوقف إلا إذا تشتت الدخان من حول المستشعر!" صرخ نزار، وهو ينظر إلى السقف العالي الذي لا يطاله.

نظر يميناً ويساراً في حالة ذعر، ثم لمح المكنسة ذات اليد الطويلة التي كانت لا تزال في زاويتها منذ أن استعارها بحجة طرد "القطة الوهمية". ركض نزار، أمسك بالمكنسة، ووقف تحت جهاز الإنذار مباشرة، وبدأ يلوح بها في الهواء بقوة وعشوائية كمن يحارب أشباحاً غير مرئية لتشتيت الدخان.

وقفت كراميلا في منتصف المحل، تراقب هذا المشهد السريالي. الرجل الأنيق، الصارم، نزار مهران، يرتدي قميصه المفتوح الذي تجعد من عناقه، ويلوح بمكنسة في الهواء تحت أضواء حمراء وامضة وصوت إنذار يصم الآذان.

انتقلت كراميلا من حالة الترقب الرومانسي إلى حالة من الذهول، ثم... لم تستطع المقاومة.

انفجرت في نوبة ضحك هيستيرية.

ضحكت حتى دمعت عيناها، ووضعت يدها على بطنها وهي تنحني من شدة الضحك، وصوت ضحكاتها العالية كان يصارع صوت الإنذار.

توقف نزار عن التلويح بالمكنسة للحظة، ونظر إليها. كان صدره يعلو ويهبط من المجهود، وتعبيرات وجهه مزيج بين الإحراج الشديد والغضب الطفولي.

"هذا ليس مضحكاً يا كراميلا! لو اشتغلت رشاشات المياه لتدمر الحرير بالكامل!" صرخ وهو يعود للتلويح بالمكنسة بيأس.

"أنت... أنت تبدو كفارس يقاتل تنيناً بمكنسة! هههههههه!" صرخت وهي تمسح دموع الضحك من عينيها، وقد نسيت تماماً خوفها من الظلام، ونسيت اللحظة الرومانسية التي كادت أن تحدث.

أخيراً، وبعد دقيقة بدت كالدهر، تبدد الدخان، وصمت الإنذار فجأة، وتوقفت الأضواء الحمراء عن الوميض.

عاد الهدوء المربك إلى المحل، لا يقطعه سوى صوت لهاث نزار، وقهقهات كريمة المتقطعة التي كانت تحاول السيطرة عليها.

أنزل نزار المكنسة ببطئ، وأسندها على الجدار، ثم مسح العرق عن جبينه، وعدّل نظارته الطبية التي انزلقت على أنفه. نظر إلى كراميلا، التي كانت تنظر إليه بدورها، وابتسامة واسعة، مشرقة، وحقيقية تزين وجهها.

رغم الفوضى، ورغم الإنذار، ورغم اللحظة التي سُرقت منهما في آخر ثانية، لم يشعر نزار بالغضب. بل وجد نفسه يبتسم. ابتسم بصدق، ودفئ، وهو يتأمل هذه الفتاة التي يبدو أن قدرها هو أن تحول كل لحظة درامية في حياته إلى كوميديا مبهجة.

"حسناً،" قال نزار وهو يتقدم نحوها، وصوته قد عاد إلى رخامته الهادئة، رغم لمعان التسلية في عينيه. "يبدو أن الكهرباء قد عادت، ولم نعد بحاجة إلى الشموع... أو إلى المكنسة."

أخذت كراميلا نفساً عميقاً لتسيطر على ابتسامتها، ونظرت في عينيه. كانت اللحظة الرومانسية قد تبددت جسدياً، لكن الاتصال العاطفي بينهما قد ترّسخ وأصبح أقوى من أي وقت مضى. لقد سقطت الأقنعة في الظلام، ولن يعود بإمكانهما ارتداؤها في النور أبداً.

"نعم، الكهرباء عادت،" قالت بصوت ناعم، وتقدمت خطوة واحدة نحوه. "شكراً لك يا نزار... ليس فقط على الشموع، بل لأنك جعلتني لا أخاف."

نظر إليها نزار بنظرة عميقة، وقال بنبرة تحمل وعيداً عاطفياً جميلاً: "المرة القادمة التي ينقطع فيها التيار يا كريمة... سأتأكد من أننا نقف بعيداً عن أجهزة الإنذار."

اتسعت ابتسامتها بخجل، وشعرت بحرارة تسري في وجنتيها. استدارت ببطئ، وتوجهت نحو الباب، ثم التفتت إليه مرة أخيرة.

"طابت ليلتك... يا بطلي ذو المكنسة"، غمزت له بعينها بمرح، ثم فتحت الباب وخرجت إلى الشارع المضاء، تاركة نزار واقفاً في منتصف محله، يحمل مكنستها، وقلبه ينبض بحب جديد، فوضوي، ومجنون، لم يعد يملك أي رغبة في تنظيمه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كراميلا

المؤلف prince Egotist
2026/09/04 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة