كان صباح يوم الثلاثاء في شارع "الزمرد" يحمل نسيماً خريفياً منعشاً، يداعب أوراق الأشجار المصطفة على جانبي الرصيف ويسقطها ببطئ لتستقر كبساط ذهبي أمام واجهات المحلات الكلاسيكية. في هذا الشارع الذي يجمع بين التناقضات، كان الهدوء يعم محيط "نزار مهران" للأزياء الراقية، بينما كانت الفوضى المبهجة، كعادتها، تنبعث من صالون "كراميلا بيوتي".
منذ حادثة "الأصفاد" في قسم الشرطة واكتشاف نزار لمصدر إلهامه الجديد في تصميمه السري، تغيرت الديناميكية بين الجارين اللدودين. لم يعودا يتشاجران بصوت عالٍ على الرصيف، بل استبدلا ذلك بحرب صامتة من النظرات المسروقة عبر الواجهات الزجاجية، وابتسامات مكتومة تخفى خلف أكواب القهوة الصباحية.
داخل صالونها الوردي، كانت كراميلا تقف أمام المرآة الكبيرة، تدندن لحناً قديماً وهي تقوم بتنظيم فرش الشعر الملونة وزجاجات طلاء الأظافر. كانت ترتدي قميصاً أصفر زاهياً وبنطال جينز ممزقاً عند الركبتين، وشعرها الأحمر الناري مرفوع كالعادة في تلك الكعكة الفوضوية التي أصبحت دون أن تدري، علامة تجارية مسجلة لمجموعة نزار القادمة.
فجأة، انفتح الباب الزجاجي للصالون بقوة جعلت الجرس النحاسي الصغير يصرخ برعب، لتدخل منه سيدة في منتصف الخمسينيات من عمرها، تبدو وكأنها إعصار من الألوان والمجوهرات والحيوية المفرطة.
كانت السيدة ترتدي قبعة عريضة الحواف، ونظارات شمسية تغطي نصف وجهها رغم الصباح الباكر، وتلتف بوشاح من الحرير المزركش، بينما تحمل في يدها حقيبة جلدية تبدو أغلى من إيجار الصالون لمدة عام. والأهم من ذلك كله، أنها كانت تتحدث منذ اللحظة التي وضعت فيها قدمها داخل المحل.
"آه! أخيراً وجدته! يا له من شارع ساحر ولكنه متعب، أين يوقف المرء سيارته هنا؟ السائق الخاص بي كاد أن يُصاب بانهيار عصبي وهو يحاول إيجاد موقف، قلت له يا 'عبد السميع' لا تقلق، أنزلني هنا وسأبحث عن الصالون بنفسي، هل أنتِ كراميلا؟ نعم، نعم، أنتِ هي بلا شك، نفس الشعر الناري الذي وصفه لي، ونفس الفوضى الجميلة... أوه، المكان هنا صغير جداً ولكنه لطيف، يشبه علبة حلوى، هل تصدقين أنني لم أزر صالوناً بهذا الحجم منذ الثمانينيات؟".
وقفت كراميلا مذهولة، وعيناها تتسعان وهي تحاول استيعاب كمية الكلمات التي تم إطلاقها في وجهها بسرعة رشاش آلي. بلعت ريقها، وابتسمت ابتسامة مهنية.
"أهلاً بكِ يا سيدتي في صالون كراميلا، وأسعد بخدمتك. تفضلي بالجلوس... هل يمكنني معرفة اسمكِ؟"
رمت السيدة حقيبتها على الأريكة الوردية الصغيرة بقوة جعلت المجلات تتطاير، ثم خلعت نظارتها الشمسية لتكشف عن عينين مكحلتين بعناية. "اسمي فريال، مدام فريال يا عزيزتي. صديقاتي في النادي لا يصدقن أنني تركت صالون 'جاكوب' في وسط المدينة وجئت إلى هنا. جاكوب رائع، لكنه ممل، يتحدث دائماً عن البورصة، من يهتم بالبورصة وأنا أضع الصبغة؟ على كل حال، جئت إليكِ لعمل تغيير شامل، لون جديد، قصة جديدة، أريد أن أبدو أصغر بعشر سنوات من أجل زفاف ابنة أختي الأسبوع القادم!".
جلست فريال على الكرسي الدوار أمام المرآة، واستمرت في التحدث دون أن تأخذ نفساً. بينما بدأت كريمة في وضع المريلة الواقية حول رقبة فريال، شعرت بالفضول. زبونات مثل "مدام فريال" لا يأتين عادة إلى صالونات صغيرة في أطراف الشوارع الهادئة إلا إذا كان هناك سبب قوي.
"مدام فريال، يسعدني جداً اختياركِ لصالوني،" قالت كراميلا وهي تمشط شعر الزبونة بحذر. "ولكن، إذا سمحتِ لي بالسؤال، كيف عرفتِ عن صالون كراميلا؟ هل رشحته لكِ إحدى الصديقات؟".
توقفت فريال عن الكلام لثانية واحدة فقط، وهي مدة تعتبر قياسية بالنسبة لها، ثم ضحكت بصوت عالٍ ملأ المكان. "صديقاتي؟ أوه لا، هؤلاء لا يشاركن أسرار الجمال أبداً. من نصحني بكِ هو ملاك حارس، رجل يمتلك ذوقاً لا يُعلى عليه. مصمم أزياء مشهور جداً وراقٍ للغاية، أتعامل معه منذ سنوات لتصميم فساتيني الخاصة."
توقفت يد كراميلا عن التمشيط. "مصمم أزياء؟ نصحكِ بصالوني أنا؟".
"نعم يا عزيزتي!" واصلت فريال بحماس وهي تحرك يديها المليئتين بالخواتم الألماسية. "كنت عنده أمس في بروفة لفستان الزفاف الذي أخبرتك عنه. كنت أشتكي له من صالون جاكوب، وكيف أن شعري يحتاج إلى لمسة مجنونة، لمسة حيوية. وفجأة، توقف هذا المصمم عن العمل، رمقني بنظرة جادة من خلف نظارته الطبية الأنيقة، وقال لي: 'مدام فريال، هناك فتاة واحدة فقط قادرة على ترويض طاقتك وإعطائك اللمسة التي تبحثين عنها، صالونها يحمل اسم كراميلا، وهي فوضوية ومزعجة، لكنها فنانة بالفطرة'."
اتسعت عينا كراميلا بذهول. الكلمات... الوصف... النظارة الطبية الأنيقة! قلبها بدأ ينبض بسرعة جنونية. "فوضوية ومزعجة"؟ لا يوجد شخص على وجه الأرض يصفها بهذا الوصف المزدوج الذي يحمل الإهانة والمديح في آن واحد سوى شخص واحد!
"هل... هل قال حقاً إنني فنانة بالفطرة؟" سألت بصوت خافت، وقد نسيت تماماً أن في يدها مقصاً.
"نعم! لقد كان حازماً جداً. أوه، إنه رجل رائع، طويل القامة، عريض المنكبين، تفوح منه دائماً رائحة الأخشاب العطرية والقهوة. ولكن، يا إلهي، ما كان اسمه؟ أنا سيئة جداً في الأسماء. هل هو نادر؟ مازن؟ لا لا، كان اسماً يبدأ بحرف النون أعتقد..." وضعت فريال إصبعها على ذقنها محاولة التذكر، بينما استمرت في ثرثرتها.
في تلك اللحظة بالضبط، وفي الجانب الآخر من الجدار الرقيق الذي يفصل بين المحلين، كان هناك رجل طويل القامة، عريض المنكبين، وتفوح منه رائحة الأخشاب العطرية والقهوة، يقف متصلباً كتمثال من الجليد.
نزار مهران، الذي كان يقف قرب الجدار المشترك يرتب بعض الأقمشة، سمع كل كلمة. لم يكن ذلك صعباً؛ فصوت "مدام فريال" كان يمكن سماعه بوضوح حتى في الشارع المجاور.
شحب وجه نزار تماماً. لقد أرسلها بالفعل إلى كراميلا أمس. لم يكن الهدف نبيلاً بالكامل في البداية؛ فمدام فريال زبونة ثرية ومهمة، لكنها ثرثارة لدرجة كانت تصيبه بصداع نصفي. عندما بدأت تشتكي من شعرها، وجدها فرصة ذهبية لضرب عصفورين بحجر واحد: التخلص من صداعها بإرسالها بعيداً، وفي الوقت نفسه... توجيه زبونة من ذوات الدخل العالي جداً إلى كريمة لزيادة أرباحها، كنوع من الدعم الخفي الذي لم يمتلك الشجاعة لتقديمه علانية.
لقد حذر فريال بصرامة ألا تخبر كراميلا من أرسلها، وقال لها أن تدعي أنها وجدت الصالون عبر الإنترنت. لكنه نسي القاعدة الذهبية: مدام فريال لا تستطيع الاحتفاظ بسر حتى لو كان الثمن حياتها!.
"يا إلهي، إنها ستفضحني!" همس نزار لنفسه بخوف حقيقي، وتصبب العرق البارد على جبهته.
إذا عرفت كراميلا أنه من يرسل لها زبائنه الأثرياء، وأنها أصبحت موضوع حديثه مع عملائه، ستفهم فوراً أنه يهتم بها. ستعرف أن واجهته الباردة والقاسية قد انهارت تماماً. والأخطر من ذلك، أنها قد تعتبرها شفقة أو صدقة، وهو ما سيدمر كبريائها ويفجر قنبلة غضب جديدة بينهما.
اقترب نزار من الجدار ووضع أذنه عليه، يستمع بقلب يخفق كالطبول.
"دعينا نفكر يا مدام فريال،" جاء صوت كراميلا المليء بالفضول والتشويق من خلف الجدار. "مصمم أزياء مشهور... طويل... يرتدي نظارة... يبدأ بحرف النون... هل يمكن أن يكون..."
"انتظري! لدي بطاقة عمله في حقيبتي!" صرخت فريال بحماس. "سأريك إياها وتعرفين من هو هذا الملاك الحارس بنفسك!"
"لا! مستحيل!" شهق نزار في محله.
يجب أن يتدخل. يجب أن يوقف هذه الكارثة فوراً!
لم يفكر نزار كعاقل، ولم يتصرف كـ "السيد مهران" المحترم. تصرف كغريق يتعلق بقشة. رمى مقص الخياطة الثمين على الطاولة، وركض نحو باب محله، واندفع إلى الشارع.
داخل الصالون، كانت فريال تفتح حقيبتها الجلدية وتبحث بين العشرات من الأغراض: أحمر شفاه، مناديل، مفاتيح، زجاجة عطر. "أين هي؟ أين البطاقة السوداء الأنيقة؟ كنت أراها هنا هذا الصباح...".
اقتربت كراميلا بشدة، تكاد تدخل رأسها في الحقيبة من فرط الحماس. "ابحثي جيداً يا مدام فريال! خذي وقتك!".
وفجأة...
طااااخ! طااااخ! طااااخ!
ضربات قوية وعنيفة هزت الواجهة الزجاجية لصالون كراميلا.
قفزت كراميلا في الهواء من الصدمة، وسقطت فرشاة الشعر من يدها، بينما أطلقت فريال صرخة قصيرة ووضعت يدها على قلبها.
التفتت كريمة لتجد نزار مهران يلتصق بالزجاج من الخارج، وجهه ملتصق بالبلور، يلوح بيديه بطريقة هيستيرية وعيناه مفتوحتان باتساع غير طبيعي.
"نزار؟ ما الذي تفعله بحق السماء؟" تمتمت بذهول وهي تتجه نحو الباب وتفتحه بسرعة. "هل جُننت؟ كدت تتسبب لزبونتي بذبحة صدرية!".
وقف نزار أمام الباب، يتنفس بصعوبة، يمسح العرق عن جبينه. حاول استعادة وقاره، فعدّل نظارته الطبية وسحب ياقة قميصه وتصنع تعبيراً جدياً، رغم أن احمرار أذنيه كان يفضحه.
"أنا... أعتذر عن المقاطعة،" قال نزار بصوت أجش ومتقطع. "ولكن... الأمر طارئ جداً."
"طارئ؟ هل احترق محلك؟ هل هناك تسرب مياه آخر؟" سألته بقلق حقيقي.
"لا... لا،" تلعثم نزار، وعقله يبحث بجنون عن أي عذر منطقي. "الأمر... الأمر يتعلق بـ... المكنسة!"
"المكنسة؟" رفعت كراميلا حاجبها الأيسر باستنكار.
"نعم! مكنستكِ،" قالها بثقة مصطنعة وهو يشير نحو الصالون. "أعتقد أن... قطة شارع... دخلت إلى محلي، واختبأت تحت الأريكة الكلاسيكية، وأنا أحتاج إلى مكنستك ذات اليد الطويلة لإخراجها. المكنسة التي أمتلكها قصيرة جداً."
نظرت إليه كراميلا وكأنه يتحدث بلغة كائنات فضائية. "نزار، أنت تمتلك أدوات تنظيف تكفي لتعقيم مستشفى، وتأتي إليّ وتضرب على الزجاج وكأنها نهاية العالم لتستعير مكنسة من أجل قطة؟ أنت الذي تكره القطط وتصاب بالحساسية منها!"
"لهذا السبب أنا في حالة ذعر!" قاطعها نزار بسرعة بديهة مفاجئة. "الحساسية! أنا أعطس منذ خمس دقائق! أرجوكِ يا كريمة، المكنسة، الآن!"
تنهدت بقلة حيلة. "حسناً، حسناً، انتظر هنا أيها الدرامي."
دخلت كراميلا إلى الصالون، وتوجهت نحو الغرفة الخلفية لإحضار المكنسة. في هذه الأثناء، لمح نزار فريال وهي تجلس على الكرسي. نظرت فريال إليه، وبدأت تضيق عينيها وكأنها تتعرف عليه. رفع نزار إصبعه السبابة إلى شفتيه بحركة توسل سريعة وخفية، وهز رأسه بـ "لا" قاطعة، محذراً إياها من كشف هويته.
اتسعت عينا فريال، وابتسمت ابتسامة خبيثة وعريضة، وكأنها أدركت لتوه اللعبة الرومانسية الخفية التي تدور أمامها. أومأت برأسها ببطئ، وأغلقت حقيبتها.
عادت كريمة تحمل المكنسة الطويلة، وسلمتها لنزار الذي أخذها وكأنها سيف النصر.
"شكراً لكِ. أنقذتِ حياتي،" قال نزار وهو يتراجع ببطئ، وعيناه لا تفارقان فريال للتأكد من أنها لن تنطق.
"أعدها بعد أن تطرد القطة، ولا تؤذِ الحيوان المسكين!" صرخت كراميلا خلفه وهي تغلق الباب.
عادت كريمة إلى فريال، ونفضت يديها. "عذراً على هذا الفاصل الكوميدي. جاري هذا غريب الأطوار، أحياناً يكون لئيماً، وأحياناً يتصرف كطفل في الخامسة. المهم... أين كنا؟ آه! بطاقة المصمم المشهور!".
ضحكت فريال بصوت عالٍ وهي تضع حقيبتها على الأرض. "أوه يا عزيزتي، يبدو أنني نسيت البطاقة في سيارتي! لقد بحثت في الحقيبة ولم أجدها. لكن لا يهم، ما يهم الآن هو أن نبدأ في صبغ هذا الشعر قبل أن أغير رأيي وأطلب لونه أخضر!"
شعرت كراميلا بخيبة أمل عميقة. كانت قريبة جداً من معرفة الحقيقة. لكنها تنهدت وبدأت في خلط الصبغة، مقررة ألا تستسلم بهذه السهولة.
خلال الساعة التالية، كانت فريال تتحدث عن كل شيء؛ رحلتها إلى باريس، كلبها "فيفي" الذي يأكل السلمون المدخن فقط، وخلافاتها مع زوجة أخيها. لكن كراميلا كانت تستغل كل فرصة لتعيد الحديث بذكاء نحو "المصمم الغامض".
"إذن... هذا المصمم، هل محله قريب من هنا؟" سألت كريمة ببراءة مصطنعة وهي تضع القصدير على خصلات شعر فريال.
"قريب؟ يمكن القول إنه... على مرمى حجر،" أجابت فريال وهي تبتسم بخبث، مستمتعة باللعبة. "إنه رجل دقيق جداً يا كراميلا. تخيلي أنه يرفض استخدام آلات الخياطة الحديثة في بعض التفاصيل، ويصر على الخياطة اليدوية. يقول إن الآلات تفتقر إلى الروح."
"الروح..." تمتمت كراميلا. كانت تذكر كيف كان نزار يتحدث عن الأقمشة بشغف في إحدى المرات التي اقتحمت فيها محله قبل أسابيع. الشكوك بدأت تتحول إلى يقين. لكنها كانت بحاجة إلى دليل قاطع.
"مدام فريال، هل يمكنني أن أطلب من سائقك إحضار البطاقة من السيارة؟ أنا حقاً أود أن أرسل له بطاقة شكر. من النادر أن نجد أشخاصاً يدعمون المشاريع الصغيرة في هذا الشارع دون مقابل."
"أوه، لا أريد إزعاج عبد السميع الآن، إنه نائم في السيارة بالتأكيد،" تهربت فريال بمهارة.
في المحل المجاور، كان نزار وقد جلس على كرسيه محاولاً العمل، لكنه لم يستطع. كان التوتر يمزق أعصابه. كان يعلم أن كراميلا ذكية وعنيدة، ولن تترك الموضوع يمر مرور الكرام. يجب أن يجد طريقة لإنهاء هذه الجلسة بسرعة أو تشتيت انتباهها تماماً حتى تغادر فريال.
فكر نزار بسرعة. ماذا يوقف عمل صالون تجميل؟
الماء؟ لا، تسرب المياه فكرة سيئة تذكره بتجربة الأصفاد.
الكهرباء!
نعم، الكهرباء. بدون كهرباء، لا يمكن تشغيل مجففات الشعر، وسيكون الصالون في ورطة، مما سيجبر كريمة على إنهاء العمل بسرعة وتوديع الزبونة.
خرج نزار من محله بهدوء تام، وتسلل نحو الممر الجانبي الضيق الذي يفصل بين محله والمبنى السكني المجاور، حيث توجد لوحة المفاتيح الكهربائية الرئيسية التي تغذي محلات الشارع القديم.
كان الممر مظلماً ومليئاً بالغبار. وصل نزار إلى اللوحة المعدنية القديمة ببدلته الأنيقة التي لا تليق بمثل هذه المهمات التخريبية. فتح الصندوق بحذر. كانت المفاتيح تحمل أسماء المحلات بملصقات قديمة وممذقة. وجد المفتاح المكتوب عليه بخط باهت "صالون تجميل".
وضع إصبعه على المفتاح، وتردد للحظة. "ماذا أفعل؟ أنا نزار مهران، أهم مصمم أزياء في المدينة، أختبئ في ممر قذر لأقطع الكهرباء عن فتاة أزعجتني... أم سحرتني؟"
هز رأسه لطرد الأفكار العاطفية، وبحركة سريعة...
طَق!
أنزل المفتاح للأسفل.
في صالون كراميلا، كانت كريمة قد انتهت للتو من غسل شعر فريال وتستعد لتجفيفه، عندما انطفأت الأنوار فجأة وتوقف المذياع عن البث. غرق الصالون في الظلام، ولم يتبق سوى ضوء الشمس الخفيف الذي يتسلل من الواجهة الزجاجية.
"يا إلهي! ما الذي حدث؟" صرخت كراميلا بإحباط.
"أوه، يا لها من مغامرة!" ضحكت فريال، التي كانت تستمتع بكل ثانية من هذه الدراما. "هل انقطعت الكهرباء؟"
"يبدو ذلك! هذا الشارع بنيته التحتية متهالكة. سأخرج لتفقد لوحة المفاتيح الرئيسية في الممر، أرجوكِ ابقي مكانكِ يا مدام فريال!"
ركضت كراميلا نحو الباب، وخرجت إلى الشارع، ثم اتجهت مسرعة نحو الممر الجانبي.
في الممر، كان نزار قد استدار للتو مغادراً مسرح جريمته، عندما اصطدم مباشرة بكريمة التي دخلت الممر راكضة.
"آخ!" صرخت عندما اصطدمت بصدره العريض، وكادت أن تسقط لولا أن نزار أمسك بذراعيها بسرعة.
"كريمة! انتبهي!" قال نزار وهو يحاول إخفاء توتره.
نظرت إليه كريمة بشك كبير، وعيناها تتفحصان وجوده في هذا المكان المظلم. "ما الذي تفعله أنت هنا في ممر لوحة الكهرباء؟ ولماذا انقطعت الكهرباء عن محلي بينما محلك مضاء كالمسرح؟"
ابتلع نزار ريقه بصعوبة. "أنا؟ أنا... كنت أبحث عن القطة!"
"القطة مرة أخرى؟!" صرخت كريمة بغضب. "نزار، القطط لا تختبئ في لوحات الكهرباء! هل أنت من قطع التيار عن محلي؟"
"أنا؟ مستحيل! لماذا قد أفعل شيئاً طفولياً كهذا؟" نفى نزار بشدة، محاولاً رسم ملامح البراءة على وجهه الصارم. "لقد جئت إلى هنا لأنني سمعت صوتاً غريباً، وكنت أخشى أن يكون تماساً كهربائياً يهدد محلي ومحلك. يبدو أن المفتاح الخاص بكِ قد سقط بسبب زيادة الحمل الزائد. أنتِ تستخدمين الكثير من مجففات الشعر في وقت واحد يا كراميلا!"
استغلت كريمة صمتها لثوانٍ، وهي تحدق في عينيه. كان يكذب، كانت متأكدة من ذلك. لكنها لم تكن تفهم السبب. لماذا يتصرف هذا الرجل الرزين كالمراهقين اليوم؟
تجاوزته كريمة، ورفعت المفتاح الكهربائي.
طَق!
عادت الأضواء والموسيقى تنبعث من الصالون. التفتت إليه ووضعت يديها على خصرها.
"اسمع يا سيد نزار، أنا لا أعرف ما هي لعبتك اليوم. تارة تضرب الزجاج بحثاً عن مكنسة، وتارة تتسكع في ممر الكهرباء. لكن إذا كنت تحاول تخريب عملي مع الزبونة الجديدة، فأنت تحلم!".
تقدم نزار خطوة نحوها، وقد تخلى عن ارتباكه، وحلت محله نظرة عميقة وهادئة جعلتها تبلع كلماتها.
"أنا لا أحاول تخريب عملكِ يا كريمة،" قال بصوت منخفض، يحمل دفئاً مفاجئاً. "صدقيني، آخر ما أريده هو أن أرى محلكِ خالياً. عودي إلى زبونتكِ، وأكملي عملكِ. وأنا... سأعود إلى أدواتي."
تركها في الممر وغادر بهدوء. وقفت في مكانها لعدة ثوانٍ، تشعر بنبضات قلبها تتسارع، محاولة فك شفرة هذا الرجل الذي يربك كل حواسها.
عادت إلى الصالون، وأنهت تصفيف شعر فريال الذي خرج بلون كستنائي رائع يتخلله خصلات ذهبية، يناسب تماماً شخصيتها الصاخبة.
نظرت فريال في المرآة وصرخت من الفرح. "يا إلهي! أنا أبدو رائعة! أصغر بعشرين عاماً وليس بعشرة! كراميلا، أنتِ ساحرة! صدق ذلك المصمم عندما قال إنكِ فنانة!"
وقفت فريال، ودفعت لكراميلا ضعف المبلغ المطلوب، بالإضافة إلى بقشيش سخي جداً.
"شكراً لكِ مدام فريال، أسعدني جداً التعامل معكِ،" قالت كراميلا وهي ترافقها نحو الباب. "ولكن... قبل أن تذهبي، هل أنتِ متأكدة أنكِ لا تتذكرين اسم المصمم؟".
وقفت فريال عند الباب المفتوح. نظرت إلى الشارع، ثم نظرت نحو واجهة محل نزار. كان نزار يقف خلف زجاج محله، متوتراً، يراقب المشهد وكأنه ينتظر حكماً بالإعدام، ممسكاً بتمثال عرض أزياء (مانيكان) خشبي أمام صدره كدرع واقٍ لا شعوري.
ضحكت فريال ضحكة رنانة، والتفتت إلى كراميلا.
"يا عزيزتي، سأخبركِ بشيء واحد فقط. الملاك الحارس الذي أرسلني إليكِ، رجل لا يعترف بمشاعره بسهولة. إنه يخيط مشاعره في صمت، كما يخيط أقمشته الفاخرة. وإذا أردتِ أن تعرفي من هو..." غمزت فريال بعينها، ورفعت صوتها عمداً ليسمعها الرجل القابع خلف الزجاج، "فقط انظري إلى من يخاف من القطط الوهمية وماس الكهرباء الكاذب!".
توسعت عينا كراميلا بصدمة، ثم تحولت نظراتها ببطء شديد نحو المحل المجاور.
رأت نزار يقف هناك. وعندما أدرك أن السر قد انكشف بالكامل، لم يهرب هذه المرة. أنزل المانيكان الخشبي ببطئ، ووقف مستقيماً، ينظر إليها عبر المسافة الفاصلة بين المحلين. لم يكن هناك غضب في عينيه، بل استسلام هادئ، واعتراف صامت بكل ما قيل.
ودعت فريال كراميلا بقبلة على الهواء، وركبت سيارتها الفارهة التي وصلت لتوها، وانطلقت تاركة خلفها سحابة من العطر الثمين واكتشافاً غيّر كل شيء.
وقفت كراميلا على الرصيف، والرياح الخريفية تداعب شعرها. استدارت بكامل جسدها لتواجه محل نزار. كان لا يزال يقف هناك.
خطت خطوة واحدة، ثم أخرى، حتى وقفت أمام بابه الزجاجي. فتحت الباب ببطئ، ودخلت. كان صوت الجرس النحاسي هذه المرة يبدو كإعلان عن بداية مرحلة جديدة كلياً.
تقدمت حتى وقفت أمامه. كان الصمت بينهما يضج بآلاف الكلمات المعلقة.
"إذن..." قالت بصوت خافت، والابتسامة الماكرة تلعب على شفتيها، بينما عيناها تلمعان بتأثر حقيقي. "أنت هو الملاك الحارس؟".
أدخل نزار يديه في جيبي بنطاله، ورفع كتفيه بحركة بسيطة مليئة بالسحر واللامبالاة المصطنعة.
"لقد كانت تتحدث كثيراً يا كراميلا،" قال نزار بصوت رخيم ودافئ. "كانت تصيبني بالصداع... فقررت أن أرسلها لمن يمكنه مجاراة هذا الجنون."
ابتسمت كريمة، واقتربت خطوة أخرى حتى أصبحت رائحة القهوة والأخشاب العطرية تملأ أنفاسها.
"شكراً لك... نزار،" قالتها بصدق لم يسبق له مثيل بينهما.
نظر نزار إلى عينيها العسليتين، وشعر بأن كل حصونه الدفاعية التي بناها لسنوات تنهار أمامهما بكل رضى.
"على الرحب والسعة... يا فنانتي الفوضوية،" همس نزار، تاركاً إياها غارقة في سحر تلك اللحظة التي أذابت آخر جبال الجليد بينهما.
prince Egotist