مر أسبوع كامل على تلك المعجزة الصباحية التي قلبت موازين شارع "الزمرد"، وأعادت النبض إلى أوردة صالون "كراميلا بيوتي". لم يعد الصالون الوردي ذلك المكان الكئيب المهدد بالإغلاق، بل تحول بين ليلة وضحاها إلى خلية نحل لا تهدأ. جيش من سيدات المجتمع المخملي، صديقات شيرين ونيفين وكاميليا، بتن يتوافدن يومياً، يصففن سياراتهن الفارهة أمام الرصيف، ويدخلن بفضول وحماس لتجربة سحر "العبقرية المتمردة".
كانت رائحة الصالون قد تغيرت؛ اختفت رائحة الغبار واليأس، وحلت محلها عطور فرنسية باهظة الثمن، ممزوجة بعبق القهوة المحمصة ورذاذ مثبتات الشعر. وفي وسط هذه المعمعة، كانت كراميلا تتنقل بخفة فراشة وثقة ملكة. لم تتخلَّ عن ستراتها الغريبة أو كعكة شعرها الفوضوية، فقد أدركت أن هذا المظهر هو جزء من "العلامة التجارية" التي جذبت هؤلاء النسوة. كانت تعمل بجد، تقص، وتصبغ، وتصفف، وفي نهاية كل يوم، كانت تنظر إلى درج النقود الممتلئ بفرحة تلامس حدود البكاء. لقد دفعت الإيجار المتأخر، وسددت فواتيرها، بل واشترت مجموعة جديدة من مستحضرات التجميل الراقية.
ورغم هذا الصخب الجديد الذي ملأ حياتها، كان هناك شيء واحد غريب... شيء لفت انتباهها بشدة: الهدوء المطلق القادم من الجانب الآخر من الجدار.
كانت تتوقع أن يجن جنون نزار بسبب زحمة السيارات أمام محله، أو بسبب أصوات الزبونات الثرثارات اللواتي يملأن الرصيف. توقعت أن يطرق بابها غاضباً، أو أن يتصل بصديقه الرائد طارق مجدداً. لكنه لم يفعل. طوال الأسبوع، لم يصدر منه أي شكوى. كان يمر أمام واجهة صالونها صباحاً، يلقي نظرة هادئة عبر الزجاج، ثم يدخل محله ويغلق الباب. حتى الموسيقى الكلاسيكية المرعبة اختفت تماماً.
في مساء يوم الخميس، وبعد أن ودعت كريمة آخر زبونة، جلست على كرسيها الدوار تستريح. نظرت إلى الجدار المشترك، وشعرت بوخزة خفيفة في ضميرها. "لقد كان محترماً جداً هذا الأسبوع،" حدثت نفسها بصوت خافت. "لم يحاول تخريب نجاحي الجديد، ولم يفتعل أي مشكلة. ربما... ربما الهدنة التي فرضتها الشرطة قد علمته الأدب. أو ربما هو ليس سيئاً تماماً كما كنت أظن.".
شعرت كراميلا برغبة مفاجئة وغريبة في رد الجميل. لم تكن تعرف كيف تعبر عن شكرها لهذا "السلام" المؤقت بطريقة لا تخدش كبريائها أو تبدو وكأنها استسلام. فكرت في إرسال باقة ورد، لكنها رفضت الفكرة فوراً واعتبرتها مبتذلة. فكرت في شراء هدية، لكنها لم تكن تعرف ذوقه المعقد.
فجأة، لمعت عيناها بفكرة شيطانية بريئة. "قالب حلوى! سأصنع له كيكة منزلية. لا يوجد شيء يعبر عن النوايا الحسنة مثل الطعام المصنوع بحب... أو على الأقل، المصنوع بيدين."
كانت المشكلة الوحيدة في هذه الخطة العبقرية هي أن علاقة كريمة بالمطبخ تشبه علاقتها بالموسيقى الكلاسيكية: كارثية. لكنها كانت تمتلك من العناد ما يكفي لتجاهل هذه الحقيقة.
في مطبخ شقتها الصغير الذي يقع فوق الصالون مباشرة، بدأت المعركة. جمعت الدقيق، والبيض، والسكر، ومسحوق الكاكاو، وبدأت في خلط المكونات بحماس مفرط وكأنها تعد خلطة كيميائية لانفجار نووي. تناثر الدقيق على أنفها وشعرها، وسقطت بعض قشور البيض في الوعاء، لكنها لم تهتم. سكبت الخليط اللزج في قالب معدني، وأدخلته إلى الفرن، ثم جلست تنتظر وهي تتصفح هاتفها.
بعد مرور خمس وأربعين دقيقة، شمت رائحة غريبة. لم تكن رائحة فانيليا وخبز طازج، بل كانت أقرب إلى رائحة... احتراق.
"يا إلهي!" صرخت وهي تقفز من مكانها وتركض نحو الفرن. فتحت الباب، ليخرج سحابة من الدخان الرمادي الكثيف جعلتها تسعل بشدة. أخرجت القالب باستخدام منشفة، ووضعته على الرخام.
نظرت إلى "تحفتها الفنية". كان القالب قد انتفخ بشكل غير متساوٍ، ليبدو كجبل بركاني صغير. والأهم من ذلك، كانت حوافه سوداء متفحمة تماماً، بينما الوسط يبدو لزجاً بعض الشيئ.
"لا بأس، لا بأس،" تمتمت وهي تلوح بيدها لإبعاد الدخان. "الجمال الحقيقي يكمن في الداخل. المظاهر خداعة!"
لإنقاذ الموقف، قررت أن تلجأ إلى سلاحها الأقوى: التغطية والتمويه. قامت بإزالة الأجزاء الأكثر تفحماً باستخدام سكين، مما جعل الكيكة تبدو وكأنها تعرضت لهجوم من حيوان مفترس. ثم أذابت كمية هائلة من الشوكولاتة البيضاء، وسكبتها فوق الكيكة لتغطية الكوارث الجيولوجية، وأضافت كمية مبالغاً فيها من حبيبات السكر الملونة (الفارماسيل) على الوجه.
"الآن تبدو كلوحة فنية تجريدية،" قالت برضا وهي تنقل الكيكة المشوهة إلى طبق زجاجي أنيق. "سيفهم السيد المثالي أن هذا الفن المتمرد يمتد حتى للطبخ."
في صباح اليوم التالي، وتحديداً قبل موعد افتتاح صالونها بساعة، حملت الطبق المغطى بغلاف بلاستيكي شفاف، وتوجهت نحو محل نزار. كانت خطواتها مترددة قليلاً. قلبها يدق بتوتر غير مبرر. لماذا تشعر بكل هذا الارتباك؟ إنها مجرد كيكة لجيرة طيبة.
وقفت أمام بابه الزجاجي الضخم. أخذت نفساً عميقاً، وعدلت كعكتها الحمراء، ثم دفعت الباب.
رن الجرس النحاسي الكلاسيكي بصوت هادئ ومريح. كان المحل يغرق في رائحة القهوة التركية والجلود الفاخرة، مع موسيقى جاز خافتة جداً تنساب في الخلفية.
كان نزار يقف أمام طاولة القص، يرتدي قميصاً أبيض ناصعاً، وقد شمر أكمامه، بينما يتدلى شريط القياس الأصفر حول رقبته كقلادة وسام. كان يركز في تثبيت بعض الدبابيس على قماش مخملي كحلي.
عندما سمع صوت الجرس، رفع رأسه. وبمجرد أن رأى من يقف بالباب، توقفت يداه عن الحركة.
كانت كريمة تقف هناك، ترتدي "سالوبيت" جينز جديداً، ووجهها يحمل تعبيراً مزيجاً بين التحدي والخجل، وتحمل بين يديها طبقاً غريباً.
"صباح الخير،" قالت بصوت حاولته أن يكون واثقاً ومحايداً.
رفع نزار حاجبيه باندهاش حقيقي. وضع الدبابيس من يده، واقترب ببطئ نحو منتصف المحل، وعيناه لا تفارقان الطبق الذي تحمله.
"صباح النور... كريمة،" قالها بهدوء، متلذذاً بنطق اسمها الحقيقي الذي يعرف أنها تكرهه، لكنه لاحظ أنها لم تعترض هذه المرة. "إلى ماذا أعزو هذه الزيارة التاريخية؟ هل انتهت الهدنة وجئتِ لتسليم إعلان حرب جديد؟ أم أن هذا الطبق يحتوي على مواد متفجرة؟".
ابتسمت كراميلا ابتسامة جانبية ساخرة، وتقدمت خطوتين إلى الأمام. "لو كنت أريد تفجير محلك، لفعلتها بشكل أكثر احترافية يا سيد نزار. هذا... هذا عربون شكر."
"شكر؟ لي؟" وضع نزار يده على صدره باصطناع الصدمة. "بأي مناسبة؟ لم أقم بطلب الشرطة لكِ منذ أسبوع كامل؟".
"بالضبط!" قالتها وهي تضع الطبق على طاولة زجاجية صغيرة مخصصة للضيوف. "لقد كنت جاراً... دعنا نقول، 'مقبولاً' هذا الأسبوع. لم تتذمر من زبوناتي الجدد، ولم تشغل موسيقى الجنائز. وبما أن صالوني يمر بانتعاشة رائعة بفضل مجهودي الخاص وعبقريتي الفنية، قررت أن أكون كريمة معك."
ابتسم نزار في سره. "مجهودها الخاص". لو كانت تعلم أنه هو من أرسل جيش الزبونات إليها، وأن شيرين الألفي وصديقاتها ما كنّ ليخطين خطوة واحدة في شارع الزمرد لولا مكالمته، لربما رمت هذا الطبق في وجهه. لكنه حافظ على ملامحه الهادئة والمستمتعة.
"انت كريمة فعلا يا آنسة كريمة"، قال نزار وهو يقترب من الطاولة، ونظره يتركز الآن على ما يقبع تحت الغلاف البلاستيكي. "ولكن... ما هذا الشيء تحديداً؟".
رفعت كراميلا الغلاف البلاستيكي بحركة مسرحية وكأنها تكشف عن تمثال من الذهب الخالص. "هذه كيكة شوكولاتة منزلية، مخبوزة بحب، ومزينة بعناية فائقة. صنعتها خصيصاً لك".
حدق نزار في الكيكة. كان المنظر... مرعباً. الشوكولاتة البيضاء الذائبة قد تجمدت بشكل عشوائي لتشبه الشمع الذائب، والأطراف التي حاولت إخفائها كانت لا تزال تبرز بلونها الفحمي الداكن من تحت الزينة، وحبيبات السكر الملونة كانت متناثرة بطريقة تبدو وكأن طفلاً في الثالثة من عمره قد ألقاها كنوع من العقاب.
عقد نزار ذراعيه أمام صدره، ومال برأسه قليلاً ليتأمل الكارثة عن قرب. "مخبوزة بحب؟ هل أنتِ متأكدة أن الحب لم يحترق في الفرن؟ الأطراف تبدو وكأنها نجت للتو من حريق غابات."
احمر وجه كراميلا فوراً، ووضعت يديها على خصرها بتأهب دفاعي. "يا لك من جاحد! أنا لست طاهية محترفة، لكنني بذلت جهداً كبيراً. الجوهر هو ما يهم، وليس الشكل الخارجي. ألا تعرف هذا وأنت مصمم أزياء يغطي العيوب بالقماش؟"
ضحك نزار ضحكة خافتة، رجولية، أرسلت قشعريرة مباغتة على طول عمودها الفقري. "حسناً، حسناً. لن أحكم على الكتاب من غلافه. أو في هذه الحالة، لن أحكم على الفحم من لونه."
تحرك نزار نحو مكتبه، وأحضر طبقين صغيرين وشوكتين من خزانة الضيافة الخاصة به. عاد إلى الطاولة، وأمسك بسكين صغيرة.
"دعينا نتذوق هذا... الجوهر،" قال وعيناه تلمعان بمكر محبب.
غرس السكين في الكيكة. سمع كلاهما صوتاً واضحاً: قرمشة. لم تكن قرمشة بسكويت هش، بل قرمشة شيئ صلب، جاف، ومقاوم للقطع. اضطر نزار لاستخدام بعض القوة لاختراق الطبقة السفلية.
نظرت كراميلا إلى السقف، متمنية أن تنشق الأرض وتبتلعها. "ربما... ربما تركتها في الفرن دقيقة إضافية."
"دقيقة؟ هل تقصدين قرناً؟" قال نزار وهو ينجح أخيراً في استخراج شريحة مشوهة. وضعها في طبقه. كانت الشريحة من الداخل كثيفة جداً، وخالية من أي هشاشة، بينما الطبقة السفلية كانت سوداء لامعة.
أخذ نزار الشوكة، وقطع قطعة صغيرة من الشريحة. نظر إليها كمن ينظر إلى عينة بيولوجية مجهولة، ثم رفع نظره إلى كراميلا التي كانت تراقبه بأنفاس محتبسة وعيون واسعة.
أدخل القطعة في فمه، وبدأ في المضغ.
في البداية، لم تتغير ملامح نزار. كان يحافظ على تعبير وجهه المحايد والمسترخي. لكن، بعد ثانيتين من المضغ، توقفت فكوكه عن الحركة. اتسعت عيناه قليلاً، وظهرت تجعيدة صغيرة بين حاجبيه.
طعم الشوكولاتة البيضاء السكرية بشكل مفرط اصطدم بطعم المرارة الحادة للعجين المحترق، مع جفاف شديد جعله يشعر وكأنه يمضغ قطعة من الخشب المطلي بالسكر. كانت تجربة تذوقية تقشعر لها الأبدان.
حاول نزار ببطولة أن يبتلع اللقمة دون أن يُظهر أي رد فعل عنيف. أخذ وقتاً طويلاً في البلع، ثم مسح فمه بمنديل ورقي بحركة أنيقة وبطيئة جداً.
"إذن؟" سألت كراميلا، وصوتها يرتجف قليلاً من التوتر، رغم أنها كانت تعرف الإجابة مسبقاً.
صمت نزار لثوانٍ، يتأمل وجهها المترقب. ثم قال بصوته الهادئ والرزين: "إنها... تجربة فريدة. طعم يجمع بين قسوة الحياة ومرارتها، مغلف بكذبة سكرية بيضاء ومزيف بألوان الطفولة. إنها ليست كيكة يا كريمة، هذه قصيدة حزينة عن خيبات الأمل."
فتحت كريمة فمها مذهولة من الوصف الفلسفي الكارثي للكيكة. ثم، دون سابق إنذار، انطلقت منها ضحكة قصيرة وعفوية. "هل هي بهذا السوء؟"
"إنها أسوأ مما تتخيلين،" قال نزار بجدية مصطنعة، قبل أن يلتقط الشوكة الثانية، ويقطع شريحة أخرى من الكيكة المحترقة. "ولهذا السبب تحديداً، لن أموت وحدي اليوم."
وضع الشريحة في الطبق الثاني، وقدمه لها مع الشوكة. "تفضلي. تذوقي ثمرة حبكِ المخبوز."
تراجعت كريمة خطوة إلى الوراء، رافعة يديها باستسلام. "لا، لا. أنا لا آكل السكريات في الصباح. أنا فقط... أتذوقها بالعين."
تقدم نزار نحوها خطوة، وابتسامة واسعة وتحدٍ صريح يملأ وجهه. "لا توجد أعذار. أنتِ من جائت بها إلى أرضي. لقد التهمت الفحم من أجلكِ، والآن دوركِ. هل أنتِ خائفة من اختراعكِ؟"
أثار التحدي في صوته غريزة التمرد بداخلها. "أنا لا أخاف من شيئ، ولا حتى من كيكة محترقة!"
انتزعت الطبق من يده بقوة، وغرست الشوكة في القطعة. أغمضت عينيها بشدة، وكأنها تتناول دواءً مراً، ووضعت اللقمة في فمها.
بمجرد أن لامست اللقمة لسانها، انكمشت ملامح وجهها بالكامل. فتحت عينيها بصدمة، ووضعت يدها الحرة على فمها. كان الطعم بشعاً بكل المقاييس. مزيج الحرق مع السكر المكثف كان كارثة حقيقية.
لم يستطع نزار أن يتمالك نفسه أكثر من ذلك. عندما رأى تعبير وجهها المصدوم والمشمئز من طبخها، انفجر في الضحك. لم تكن ضحكته المكتومة المعتادة، بل ضحكة مدوية، عميقة، وصافية من القلب. أرجع رأسه إلى الخلف، وضحك حتى اهتزت كتفاه، وتلمعت عيناه بالدموع.
نظرت إليه كراميلا وهي تكافح لابتلاع اللقمة المجففة. غضبها من سخريته تلاشى فوراً أمام منظر ضحكته. كان يبدو مختلفاً تماماً. جدار الجليد الذي يحيط به دائماً قد ذاب بالكامل، ليظهر رجلاً مليئاً بالحياة والمرح. العدوى انتقلت إليها، فلم تستطع الصمود.
بصقت اللقمة بخفة في منديل ورقي ألقته في سلة المهملات، ثم انضمت إليه في الضحك.
ضحكت بصوت عالٍ، ممسكة ببطنها، والدموع تتجمع في زوايا عينيها. كانا يقفان هناك، في منتصف المحل الأنيق، يضحكان بهيستيريا على كيكة محترقة، متناسيين تماماً كل العداء والمشاجرات وبلاغات الشرطة التي كانت تملأ أيامهما الماضية.
كان هذا هو الضحك الأول الحقيقي الذي يجمعهما. ضحك لا يحمل أي سخرية مبطنة، ولا أي تحدٍ. كان ضحكاً بريئاً، عفوياً، ومحرراً للروح.
مع مرور الدقائق، بدأ الضحك يهدأ تدريجياً، ليتحول إلى ابتسامات واسعة وأنفاس متلاحقة. لكن، ومع تلاشي الصوت، حل محله صمت مختلف. صمت دافئ، كثيف، ومكهرب.
كانت المسافة بينهما قريبة جداً. قريبة لدرجة أن كريمة استطاعت أن تشم رائحة عطره الرجولي الممزوج بالقهوة بوضوح تام، رائحة جعلت معدتها تتقلص بشكل غريب، ولم تكن الكيكة هي السبب.
رفعت كريمة رأسها لتنظر إليه. كان نزار لا يزال يبتسم، وعيناه الداكنتان تنظران إليها مباشرة من خلف عدسات نظارته الطبية الأنيقة.
لأول مرة، في تلك اللحظة الهادئة، تأملته كريمة حقاً... تأملته بدون درع الغضب أو نظارات الحكم المسبق.
لاحظت كيف أن خصلة من شعره الداكن الفاحم قد تمردت وسقطت على جبينه بسبب الضحك، مما خفف من صرامة ملامحه. لاحظت عمق عينيه السوداوين، اللتين كانتا تبدوان باردتين ومتعجرفتين في السابق، لكنهما الآن كانتا تشعان بدفئ حنون وجاذبية خطيرة. لاحظت خط فكه الحاد، وطريقة وقوفه الواثقة التي لا تخلو من أناقة فطرية غير متكلفة.
كان وسيماً. وسيماً بطريقة مربكة، قوية، ورجولية جداً. والأهم من ذلك، كان ينظر إليها بطريقة لم يعتد أحد أن ينظر بها إليها. لم يكن ينظر إلى "الفتاة الفوضوية" أو "الجارة المزعجة". كان ينظر إليها وكأنها أثمن شيئ في هذا المحل الفاخر، وكأنه يرى خلف كل تلك الفوضى والنمش والشعر الأحمر، شيئاً جميلاً ونادراً.
شعرت كريمة بأنفاسها تتعثر في صدرها. كان هناك سحر خفي، جاذبية مغناطيسية غير مرئية تسحبها نحوه بقوة لا تملك لها رادعاً. حصون قلبها المنيعة، التي بنتها لسنوات طويلة لتحمي نفسها من الخيبات والضعف، بدأت تتصدع وتنهار قطعة تلو الأخرى تحت وطأة تلك النظرة الدافئة.
"أنتِ خطيرة يا كريمة،" همس نزار بصوت منخفض، رخيم، كاد أن يلامس روحها. "إذا لم تقضي عليّ بالموسيقى الصاخبة، فإنك ستقضين عليّ بالكيك المحترق."
ابتلعت كراميلا ريقها بصعوبة. الكلمات هربت من قاموسها المتمرد. قلبها كان يقرع كالطبول الشعبية التي كانت تستمع إليها. كانت تشعر بالخطر... خطر حقيقي يهدد استقلالها العاطفي. هذا الرجل الذي اعتبرته عدوها اللدود، يتسلل الآن إلى أعمق زوايا قلبها بابتسامة واحدة.
"أنا... أنا يجب أن أذهب،" تلعثمت، وهي تتراجع خطوة سريعة إلى الوراء، محاولة كسر هاته النظرات التي تكاد أن تحرقها. "الصالون... لدي زبونات. موعد افتتاح الصالون قد اقترب."
التفتت بسرعة، وكادت أن تتعثر في سجادة المحل من شدة ارتباكها، وركضت نحو الباب الزجاجي.
"كريمة!" ناداها نزار قبل أن تخرج.
توقفت، ويدها على مقبض الباب، والتفتت إليه بنصف وجهها، وخداها يشتعلان حمرة.
كان نزار يقف في مكانه، يحمل طبقه الذي يحتوي على شريحة الكيكة المحترقة. رفع الشوكة، وابتسم ابتسامة مليئة بالرقة الخالصة. "شكراً على الكيكة. أعتقد أنها... أشهى شيئ تذوقته منذ زمن طويل."
أحست كريمة بأن قلبها قد قام بشقلبة بهلوانية كاملة. لم تستطع الرد. دفعت الباب، وخرجت إلى الشارع البارد، هاربة من دفئ المحل الذي أذاب دفاعاتها.
وقفت أمام صالونها، تتنفس بسرعة، وتضع يدها على صدرها. "لا، لا، لا،" حدثت نفسها بهلع. "لا يمكنكِ أن تقعي في حبه! هذا نزار! الخياط المتغطرس! عدو الفرحة! لا يمكنكِ أن تضعفي أمامه!"
لكنها كانت تعلم في قرارة نفسها أن إنكارها أصبح بلا جدوى. الابتسامة التي رسمت على شفتيها رغم محاولتها الجادة للعبوس، والحرارة التي لا تزال تسري في جسدها من مجرد تذكر ضحكته، كانت أدلة دامغة على أن الكارثة قد وقعت بالفعل. لقد بدأت تقع في حبه، وبسرعة مرعبة.
أما في الداخل، فقد وضع نزار الطبق على مكتبه. جلس على الكرسي، ونظر إلى الكيكة المحترقة أمامه. لم يرمها في سلة المهملات. بل قطع قطعة صغيرة أخرى، ووضعها في فمه.
تغاضى عن طعم الحرق والمرارة، وأغمض عينيه، مستمتعاً بذكرى ضحكتها الصافية التي لا تزال تتردد في أرجاء المكان. لقد أدرك هو أيضاً، وبكل يقين، أن هذه الفتاة الفوضوية، التي قدمت له أسوأ كيكة في تاريخ البشرية، قد أصبحت تتربع على عرش قلبه بكل جدارة واستحقاق، وأن "الصدفة غير البريئة" التي جمعتهما حول هذا الطبق، لم تكن سوى البداية الحقيقية لقصة حب لن تكون عادية أبداً.
prince Egotist