كانت أضواء النيون البيضاء في قسم الشرطة تلقي بظلالها الباردة والقاسية على الوجوه المتعبة للموقوفين وأفراد الأمن على حد سواء. الجو كان مشبعاً برائحة القهوة الرخيصة، والملفات الورقية القديمة، ومطهرات الأرضيات التي لم تفلح في إخفاء رائحة التوتر الخانقة. في منتصف هذه الفوضى البيروقراطية الكئيبة، كان هناك مشهد لا ينتمي للمكان أبداً.
سار نزار وكراميلا عبر الممر الطويل للقسم، محاطين بالشرطيين اللذين ألقيا القبض عليهما. كان مظهرهما وحده كفيلاً برسم علامات الاستفهام على وجوه كل من يمر بجانبهما. نزار، الذي كان يمثل قمة الأناقة قبل ساعات قليلة، بدا الآن وكأنه خارج من شجار في حانة رخيصة، قميصه الحريري يحمل بقعة قهوة بنية ضخمة جفت على صدره، نظارته الطبية مائلة قليلاً، وشعره الداكن المصفف بعناية قد فقد ترتيبه تماماً بسبب التوتر والرحلة المضطربة في سيارة الدورية.
أما كراميلا، فكانت تبدو كلوحة فنية سريالية تجسد الغضب. كعكتها الحمراء تفككت جزئياً، لتنسدل خصلات نارية متمردة حول وجهها المحتقن، و"سالوبيت" الجينز الخاص بها ملطخ ببعض الغبار من آثار معركة المكنسة الصباحية. كانت تسير بخطوات عسكرية غاضبة، وتتمتم بشتائم غير مفهومة تحت أنفاسها، بينما ترمق نزار بنظرات جانبية كفيلة بإشعال النار في ثيابه.
"تحركا، مكتب رئيس القسم في نهاية الممر،" قال الشرطي بصرامة، وهو يدفع نزار بخفة من كتفه.
توقف نزار فجأة، ونفض كتفه بانزعاج واضح. "أرجوك، لا تلمسني. أنا أمشي بمفردي. ثم إنني أطالب بحقي في إجراء مكالمة هاتفية، هذا احتجاز غير قانوني، وأنا لم...".
"أوه، اصمت يا سيد نـظّارة"، قاطعته كراميلا بصوت عالٍ تردد صداه في الممر، غير مبالية بنظرات رجال الشرطة. "أنت تتحدث وكأنك خبير قانوني! نحن هنا بسببك وبسبب موسيقاك الجنائزية. لو كنت قد أبقيت أجهزتك الصوتية مغلقة، لكنت الآن أحتسي الشاي في صالوني بهدوء."
"تحتسين الشاي؟" سخر نزار وهو يواصل المشي. "كنتِ تقيمين حفلة لاستدعاء الأرواح الشريرة بتلك الطبول! أقسم أن ضجيجك كان يصل إلى المقاطعة المجاورة. إذا كان هناك من يجب أن يُحاكم هنا، فهو أنتِ بتهمة التلوث السمعي ومحاولة اغتيال الذوق العام."
"أنا؟ اغتيال الذوق العام؟" شهقت كراميلا ووضعت يديها على خصرها. "يا إلهي على الغرور! سأخبر رئيس القسم بكل شيئ. سأخبره عن تعجرفك، وتخريبك لمملكتي، ومحاولتك لترويعي!".
"يكفي أنتما الاثنان!" زمجر الشرطي، وفتح باباً خشبياً ضخماً في نهاية الممر يحمل لافتة نحاسية كُتب عليها "رئيس القسم". "ادخلا، ولنرى ما سيقوله السيد الرائد في هذه المهزلة."
دُفع الاثنان إلى داخل المكتب الفسيح. كان المكتب منظماً بشكل صارم، جدرانه مزينة بشهادات التقدير، ومكتب خشبي ضخم يتوسط الغرفة، يجلس خلفه رجل في منتصف الثلاثينيات، يرتدي زيه العسكري بكامل هيبته. كان يمتلك ملامح حازمة، وبشرة حنطية، وشعراً قصيراً جداً، وكان منغمساً في قرائة بعض الأوراق أمامه بتركيز شديد.
"سيدي"، أدى الشرطي التحية العسكرية. "لقد جلبنا المتسببين في شغب شارع 'الزمرد'. لقد حولا الشارع إلى ساحة حرب صوتية."
دون أن يرفع رأسه عن الأوراق، قال رئيس القسم بصوت عميق ورخيم: "حرب صوتية في شارع الزمرد؟ هذا الشارع لم يشهد حتى مخالفة وقوف خاطئ منذ خمس سنوات. ما الذي حدث؟ هل قرر مراهقون إقامة حفل روك في الشارع؟"
تنهد نزار بضيق، وتقدم خطوة للأمام. "سيدي الضابط، الأمر كله عبارة عن سوء فهم، أو بالأحرى، جارة لا تملك أدنى فكرة عن معنى احترام المساحة الشخصية أو..."
توقف نزار عن الحديث فجأة.
رفع رئيس القسم رأسه أخيراً لينظر إلى المتحدث. تجمدت عيناه للحظة، واتسع بؤبؤاه بصدمة وهو يحدق في وجه نزار. ساد صمت غريب ومريب في الغرفة لمدة ثلاث ثوانٍ كاملة.
ثم، حدث ما لم تتوقعه كراميلا أبداً.
انفرجت أسارير الضابط الصارم، وتحولت ملامحه الحازمة إلى ابتسامة عريضة ومشرقة، ونهض من كرسيه بسرعة. "نزار؟ ما الذي تفعله هنا بحق الجحيم؟ وبأي مظهر؟ هل تعرضت للسرقة؟"
أغمض نزار عينيه بقوة، ومرر يده على وجهه بأسى واضح، وكأنه يتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه. "طارق... أرجوك. ليس الآن."
انفجر الرائد طارق في ضحكة قصيرة، وتجاوز مكتبه ليتقدم نحو نزار، يربت على كتفه بحرارة غير عابئ بالبقعة البنية على قميصه. "يا رجل، أين اختفيت؟ بحثت عنك طوال الأسابيع الماضية، وهاتفك مغلق دائماً. والآن أجدك مقبوضاً عليك في قسمي بتهمة إزعاج السلطات؟ ما هذا القميص؟ هل كنت تصارع ماكينة قهوة؟".
وقفت كراميلا كالصنم. كانت تنقل نظرها بين نزار والضابط، وعقلها يحاول استيعاب المشهد. هذا الخياط المتغطرس يعرف رئيس القسم؟ بل هما صديقان؟
تدفق الدم إلى وجهها كبركان يوشك على الانفجار. كل مخاوفها وأفكارها حول الظلم والقهر الاجتماعي تبلورت في هذه اللحظة.
"واااااااسطة!" صرخت كراميلا فجأة بأعلى صوتها، مشيرة بإصبعها نحوهما، مما جعل الشرطي الواقف عند الباب يقفز من مكانه.
التفت طارق ونزار نحوها بصدمة.
"فساد! محسوبية! رشوة مقننة!" واصلت كراميلا صراخها وهي تلوح بيديها في الهواء كأنها تقود مظاهرة سياسية. "كنت أعلم! كنت أعلم أن وراء هدوئك المستفز شيئاً قذراً يا سيد نزار! أنت تستغل نفوذ أصدقائك في الشرطة لترويعي وطردي من محلي! أيها الضابط، هل ستسجنه أم ستعطيه وساماً على قميصه الملطخ بالقهوة؟ أطالب بحقوقي! أطالب بحضور محامٍ! أطالب بالصحافة!".
رفع طارق يديه في محاولة لتهدئتها، وهو يكافح لابتلاع ضحكته. "يا آنسة، اهدئي من فضلك. لا يوجد فساد ولا واسطة هنا. أنا ونزار أصدقاء منذ أيام الجامعة، هذا كل ما في الأمر. أنا حتى لا أعرف لماذا هو هنا".
"لا تعرف؟ سأخبرك أنا!" اندفعت كراميلا نحو مكتب طارق، واضعة يديها على السطح الخشبي، ومقربة وجهها المليئ بالنمش من وجه الضابط بجرأة شديدة. "صديقك هذا، الذي يبدو وكأنه حمل وديع، هو في الحقيقة وحش كاسر! لقد اقتحم صالوني، وفصل الكهرباء عني، واليوم حاول تفجير دماغي بموسيقى كلاسيكية مرعبة! إنه يشن حرب إبادة ضدي!"
"حرب إبادة؟" قاطعها نزار، وقد بدأ يفقد أعصابه مجدداً. "طارق، هذه الفتاة مجنونة تماماً. لقد حاولت غسل ملابسها في صالون التجميل باستخدام مجففات الشعر، وعندما اعترضت، قامت بكنس الشارع بأكمله نحو واجهة محلي، وتسببت في سكب القهوة عليّ، واليوم شغلت أغاني شعبية تكفي لإيقاظ الموتى من قبورهم!"
"لقد بدأت أنت أولاً!" صرخت كراميلا.
"أنتِ من ترفضين الهدوء!" صرخ نزار.
"أنت متعجرف!"
"أنتِ فوضوية ومزعجة!"
"يكفيييي!" زأر طارق بصوت جهوري عسكري جعل جدران المكتب ترتجف، مما أسكت الاثنين فوراً.
وقف طارق بينهما، ينظر إلى نزار الملطخ والمبعثر، وإلى كراميلا الشرسة والمندفعة. كان المشهد أمامه عبارة عن مسرحية هزلية من الدرجة الأولى. صديقه المقرب، نزار مهران، مصمم الأزياء العالمي الذي لا يرتدي سوى أرقى الماركات، والذي يُعرف بهدوئه المخيف وبروده القاتل في التعامل مع أكبر شخصيات المجتمع، يقف الآن هنا، بقميص مدمر، يتشاجر كطفل في السابعة من عمره مع فتاة بشعر أحمر فوضوي ترتدي "سالوبيت" جينز وتتهمهما بالفساد.
عض طارق على باطن خده بقوة ليمنع نفسه من الانفجار في الضحك. وضع يديه خلف ظهره، واصطنع تعبيراً في غاية الجدية والصرامة.
"حسناً"، قال طارق بصوت هادئ، محاولاً السيطرة على الموقف. "بما أننا في جهة رسمية، فلنضع الصداقة جانباً. أريد هوياتكما فوراً. بطاقات الهوية، الآن."
أخرج نزار محفظته الجلدية الأنيقة من جيبه بسخط، وسحب بطاقته ورماها على المكتب. تذمرت كراميلا بصوت مسموع، وبدأت تبحث في جيوب السالوبيت الكثيرة، حتى أخرجت بطاقتها القديمة والمتهالكة قليلاً، ووضعتها بجانب بطاقة نزار وكأنها تتحداه.
التقط طارق البطاقتين، وعاد ليجلس خلف مكتبه. وضع نظارته الطبية الخاصة بالقراءة، وبدأ يتفحص البيانات.
"حسناً، السيد نزار مهران،" بدأ طارق، وهو ينظر إلى نزار بنظرة ذات مغزى أربكت كراميلا قليلاً. (مهران؟ أين سمعت هذا الاسم؟). "صاحب المحل التجاري في شارع الزمرد. ليس لديك أي سوابق جنائية، لكنك متهم اليوم بإزعاج السلطات."
ثم التقط البطاقة الثانية. نظر إليها، ثم عقد حاجبيه، ونظر إلى كراميلا، ثم عاد لينظر إلى البطاقة.
ابتسم طارق ابتسامة خبيثة، ورفع نظره ببطئ. "والآنسة... كريمة عبد الصمد".
خيم صمت مميت على الغرفة.
نزار، الذي كان ينظر بغضب إلى الجدار محاولاً تجاهل وجود كراميلا، أدار رأسه فجأة وكأن رقبته قد تعرضت لصدمة كهربائية.
"عفواً؟" قال نزار بصوت خافت ومستنكر، موجهاً نظره نحو طارق. "ماذا قلت؟"
"كريمة"، كرر طارق بوضوح تام، مشيراً إلى البطاقة. "الآنسة كريمة عبد الصمد. صاحبة صالون... 'كراميلا بيوتي'".
نظر نزار إلى كراميلا. كانت تقف هناك، ووجهها قد تحول إلى درجة من اللون الأحمر تفوق لون شعرها بكثير. كانت تنظر إلى الأرض، وتضغط على شفتيها بقوة، وتفرك يديها ببعضهما بتوتر وخجل واضحين. لقد دُمرت هيبتها تماماً. سرها الأعظم قد كُشف أمام ألد أعدائها.
تأمل نزار وجهها للحظة. "كريمة..." همس بالاسم، وكأنه يتذوقه. الفتاة التي تتصرف كعصابة كاملة، التي تصرخ، وتهدد بالمكانس، وتسمي نفسها "كراميلا" كاسم فني براق، اسمها الحقيقي هو "كريمة". اسم تقليدي، بسيط، وهادئ جداً، لا يمت بصلة لتلك العاصفة الحمراء التي تقف أمامه.
بدأت زوايا فم نزار ترتجف. حاول المقاومة. حاول أن يتذكر القهوة التي أُتلفت قميصه، والموسيقى التي دمرت أعصابه، لكن التناقض الصارخ بين شخصيتها واسمها كان أبلغ من قدرته على الاحتمال.
انفجر نزار.
بدأت كضحكة مكتومة، هزة خفيفة في كتفيه، ثم تحولت إلى قهقهة صاخبة، عميقة، ورجولية. أرجع رأسه إلى الخلف، ووضع يده على بطنه، وضحك من أعماق قلبه بطريقة لم يضحك بها منذ سنوات طويلة. ضحكته ملأت الغرفة، لدرجة أن طارق لم يستطع تمالك نفسه وانضم إليه في الضحك، متخلياً عن كل مظاهر الصرامة العسكرية.
"كريمة!" قال نزار بين نوبات الضحك، وهو يمسح دمعة فرت من عينه أسفل نظارته. "كريمة عبد الصمد! يا إلهي، هذا... هذا يفسر الكثير! كراميلا؟ حقاً؟ هل كنتِ تعتقدين أن هذا الاسم سيخفي 'كريمة' التي تضرب الجيران بالمكانس؟".
رفعت كراميلا رأسها، وعيناها تشتعلان بغضب مميت أذاب الخجل تماماً. "توقف عن الضحك أيها الغبي!" صرخت وهي تضرب بقبضتها على مكتب طارق. "اسمي المهني هو كراميلا! كل زبوناتي يعرفنني بهذا الاسم! 'كريمة' هو اسم... اسم قديم! ولا يحق لك السخرية منه يا صاحب القميص المبقع!"
"آسف، آسف"، قال نزار وهو يحاول بصعوبة التقاط أنفاسه، لكنه فشل في إخفاء ابتسامته العريضة. نظر إليها مباشرة، ولأول مرة، لم تكن نظرة برود أو غضب. كانت نظرة مليئة بالمرح الصافي والصدق. "لكن، بصراحة... أظن أن 'كريمة' يناسبك أكثر. هناك شيء... أصيل في هذا الاسم. يناسب فتاة تستخدم مكنسة من العصر الحجري."
لم تعرف كراميلا كيف ترد. كانت مستعدة لمواجهة غضبه، سخريته اللاذعة، أو بروده. لكنها لم تكن مستعدة لضحكته. كانت ضحكته جميلة بشكل مستفز. أضاءت وجهه بالكامل، ومحت كل القسوة والحدة من ملامحه، وجعلته يبدو... مشعاً. سحرتها تلك اللحظة للحظات، قبل أن تتدارك نفسها وتعود لارتداء قناع الغضب.
"أيها الرائد طارق"، قالت كراميلا بصرامة مصطنعة وهي تشير إلى نزار. "هل جلبتني إلى هنا لكي يسخر صديقك من اسمي الرسمي الذي لا أملك خياراً فيه؟ هل هذا هو تطبيق القانون؟"
تنحنح طارق، ومسح وجهه بيديه محاولاً استعادة جديته، رغم أن الابتسامة كانت لا تزال تلعب على شفتيه. "حسناً، حسناً. يكفي مزاحاً".
جلس طارق باعتدال، وجمع يديه أمامه على المكتب، ونظر إليهما بنظرة تجمع بين الصرامة والتوبيخ الأبوي.
"نزار، كريمة"، بدأ حديثه. تذمرت كراميلا بصوت خافت من استخدام اسمها، لكنه تجاهلها. "ما تفعلانه في شارع الزمرد غير مقبول تماماً. أنتما شخصان بالغان، وتمتلكان محلات تجارية في أرقى شوارع المدينة. التصرف كأطفال يتشاجرون في فناء المدرسة سيؤدي بكما إلى كارثة."
وجه نظره إلى نزار. "نزار، أعلم أنك تبحث عن الهدوء لعملك، لكن لا يمكنك استخدام مكبرات صوت حفلات للرد على جارتك. هذا يخالف قوانين الإزعاج، ولو كان أي ضابط آخر مكاني، لكنت الآن تواجه غرامة ضخمة".
ثم التفت إلى كراميلا، ونظرته أصبحت أكثر حدة. "وآنسة كريمة... صالون التجميل ليس مكاناً لغسل الملابس، ولا لإقامة حفلات شعبية بصوت يخترق الجدران. وإذا استقبلنا بلاغاً واحداً آخر عنكِ من الجيران، أو من نزار، سأضطر لإغلاق صالونك بالشمع الأحمر بتهمة الإزعاج العام المتكرر. هل هذا واضح؟"
ابتلعت كراميلا ريقها بخوف حقيقي. "إغلاق؟ لا، لا سيدي. أعدك. لا مزيد من الأغاني. سأستخدم سماعات الأذن."
"وأنت يا نزار؟" سأل طارق.
"لا مشكلة لدي، طالما أنها تلتزم الصمت،" رد نزار بهدوء، مستعيداً بعضاً من بروده المعتاد، لكن ابتسامة خفيفة ظلت عالقة في زاوية فمه.
"ممتاز"، قال طارق وهو يعيد إليهما بطاقتي الهوية. "أعتبر هذا إنذاراً أخيراً. في المرة القادمة، لن يكون هناك مكتب رئيس القسم، بل زنزانة حجز مؤقتة. يمكنكما الانصراف."
التقط نزار بطاقته ووضعها في محفظته بأناقة، بينما سحبت كراميلا بطاقتها بسرعة وحشرتها في جيبها كأنها تخفي دليلاً جنائياً. خرجا من المكتب جنباً إلى جنب، تاركين خلفهما الرائد طارق الذي هز رأسه بابتسامة خفيفة، هامساً لنفسه: "هذان الاثنان سيقتلان بعضهما البعض... أو يقعان في الحب بطريقة كارثية."
كان الممر خارج المكتب هادئاً الآن. سار نزار وكراميلا بخطوات متمهلة نحو باب الخروج الرئيسي للقسم. لم ينطقا بحرف. الغضب العارم الذي اجتاحهما قبل ساعة قد تبخر، وترك مكانه شيئاً آخر. شيئاً مربكاً.
خرجا من باب القسم إلى هواء الليل المنعش. كانت السماء صافية، وأضواء الشارع البرتقالية تنير الرصيف.
توقفت كراميلا، وتوقف نزار بعدها بخطوة. نظرا إلى بعضهما البعض في صمت.
كان من المفترض أن تكون هذه لحظة تهديد، لحظة لإعلان استمرار الحرب الباردة، أو تبادل شتيمة أخيرة. لكنهما لم يفعلا.
تذكرت كراميلا كيف ضحك من قلبه قبل قليل، وكيف بدت عيناه دافئتين ومرحتين. وتذكرت تلك اللحظة في سيارة الشرطة، عندما استندت على صدره واستنشقت رائحة عطره الخشبي، وكيف تسارعت نبضات قلبها بجنون.
أما نزار، فكان ينظر إليها الآن بنظرة مختلفة تماماً. لم يعد يرى تلك الجارة المزعجة والفوضوية فقط. رأى "كريمة". الفتاة العفوية، الشرسة في دفاعها عن كبريائها، والتي احمرت خجلاً كطفلة عندما كُشف اسمها. تذكر لمعان عينيها في الظلام داخل سيارة الشرطة، وكيف شعر برغبة غريبة ومفاجئة في حمايتها بدلاً من التشاجر معها، عندما أحاطها بذراعيه لمنعها من السقوط.
طال الصمت بينهما، محملاً بشحنة عاطفية غريبة وكهربائية لم يفهمها أي منهما، أو ربما رفضا الاعتراف بها. كانت نظراتهما تتبادل رسائل صامتة من التحدي الممزوج بفضول لا يُقاوم.
"إذن..." قالت كراميلا أخيراً، محطمة الصمت بصوت منخفض، وهي تلف خصلة حمراء متمردة حول إصبعها بحركة عصبية غير معتادة منها. "يبدو أننا في هدنة إجبارية، يا صديق الشرطة."
أدخل نزار يديه في جيوب بنطاله، ومال برأسه قليلاً، وعيناه الداكنتان لا تفارقان وجهها. "هدنة إجبارية. أجل. لكن لا تظني أن هذا يعني أنني سأتساهل معكِ، يا... كريمة." نطق اسمها ببطئ متعمد، متلذذاً برؤية اللون الوردي يعود ليغزو وجنتيها من جديد.
رفعت كراميلا ذقنها بتحدٍ، محاولة استعادة درعها الدفاعي. "حسناً يا سيد نزار. سنرى من سيصمد أكثر في هذا الهدوء الممل."
استدارت بحركة سريعة، وبدأت تمشي مبتعدة عنه في الشارع المضاء، وكعب حذائها يطرق الأسفلت بإيقاع واثق.
وقف نزار في مكانه يراقبها وهي تبتعد. راقب طريقة مشيتها المليئة بالحيوية، وكعكتها الحمراء التي تتمايل مع كل خطوة. شعر بابتسامة دافئة تتسلل إلى شفتيه دون إرادته. لقد جاء إلى هذا الشارع بحثاً عن السكون المطلق ليرتب أفكاره، لكنه أدرك في تلك اللحظة، وهو يقف بقميصه الملطخ بالقهوة أمام قسم الشرطة، أن الفوضى التي جلبتها "كريمة" إلى حياته كانت بالضبط ما يحتاجه قلبه النائم ليصحو من جديد.
"كريمة..." همس نزار لنفسه مرة أخرى، وهز رأسه ببطئ، قبل أن يستدير ويبدأ في المشي بالاتجاه المعاكس، حاملاً معه بداية لقصة لم يكن مستعداً لها، قصة ستُكتب بحبر من التحديات، والشجارات، والكثير الكثير من الحب.
prince Egotist