لم يكن الصباح التالي في ذلك الشارع التجاري الراقي عادياً بأي مقياس من المقاييس. عادةً، تبدأ الحركة في هذا الحي المخملي ببطئ وأناقة، سيارات فارهة تنساب بلا صوت تقريباً، عمال نظافة بزي موحد يمسحون الأرصفة بهدوء، ورائحة المخبوزات الفرنسية الطازجة تتسلل من المقاهي المجاورة لتختلط بندى الصباح. لكن بالنسبة لـ "كراميلا"، لم يكن هناك متسع للأناقة أو الهدوء في قاموسها ذلك اليوم. لقد استيقظت مبكراً جداً، قبل حتى أن تفتح المتاجر المجاورة أبوابها، وعيناها تشتعلان بعزيمة لا تلين.
طوال الليل، لم يفارق صدى جملة جارها المستفزة أذنيها: "تبدين وكأنكِ ليمونة غاضبة". كانت تتقلب في سريرها، تعيد المشهد في رأسها مئات المرات، وفي كل مرة، كانت تبتكر رداً أكثر قسوة وذكاءً مما قالته في الواقع. لكن الكلمات وحدها لم تعد تكفي. كراميلا تؤمن بالأفعال، وتؤمن بأن الهجوم هو خير وسيلة للدفاع، خاصة عندما يكون الخصم رجلاً متعجرفاً يرتدي نظارات طبية ويظن أنه يمتلك العالم ببروده.
وصلت إلى الصالون بخطوات عسكرية حازمة. كانت ترتدي اليوم "سالوبيت" من الجينز الأزرق الفاتح فوق قميص أبيض بسيط، وقد رفعت شعرها الأحمر الناري في كعكتها الفوضوية المعتادة، وثبتتها بقلمين من أقلام الرصاص بدلاً من دبابيس الشعر، مما أضفى عليها مظهراً يجمع بين الطفولة والتمرد. نمشها كان بارزاً بوضوح على بشرتها الخالية من المكياج، وتعبير وجهها كان ينذر بعاصفة قادمة.
فتحت باب الصالون، وتجاهلت تماماً الفراغ الكئيب الذي يملأ المكان. لم تكن تفكر في الإيجار المتأخر الآن، ولا في الزبائن الغائبين. كان لديها هدف واحد فقط: تدمير هالة الكمال والبرود التي تحيط بجارها "الخياط المتغطرس".
اتجهت مباشرة نحو غرفة التخزين الصغيرة في الخلف، وشرعت في البحث بين أدوات التنظيف.
كانت تبحث عن سلاح. تجاوزت المكنسة الكهربائية الحديثة، وتجاهلت الممسحة ذات الألياف الدقيقة. عيناها كانتا تبحثان عن شيئ تقليدي، شيئ بدائي يمكنه إحداث أكبر قدر ممكن من الفوضى. وأخيراً، وجدتها.
كانت مكنسة يدوية ضخمة، مصنوعة من سعف النخيل الخشن، من ذلك النوع الذي تستخدمه الجدات في تنظيف الساحات الترابية، وتكون قادرة على إثارة عواصف رملية صغيرة مع كل ضربة على الأرض. ابتسمت كراميلا ابتسامة شريرة أضائت وجهها. التقطت المكنسة بقوة، وخرجت بها إلى الشارع وكأنها محاربة رومانية تحمل رمحها إلى ساحة المعركة.
وقفت على الرصيف الفسيح الذي يفصل صالونها عن الشارع، وألقت نظرة جانبية نحو واجهة محل نزار. كانت واجهته الزجاجية الضخمة تلمع بنظافة مثالية، شفافة لدرجة تكاد تظن أنه لا يوجد زجاج أصلاً. كان بإمكانها رؤيته بالداخل، يجلس على مكتبه الخشبي الأنيق، تحيط به دفاتر الرسم والأقمشة، ويرتدي قميصاً حريرياً باللون الأزرق الداكن. كان يبدو غارقاً في تركيز عميق، كعادته، هادئاً، مستفزاً، ومثاليا.
"سنرى إلى متى سيصمد هذا الهدوء يا سيد نزار"، همست كراميلا لنفسها وهي تحكم قبضتها على مقبض المكنسة الخشبي.
بدأت العملية.
لم تكتفِ كراميلا بكنس الرصيف أمام صالونها، بل بدأت تكنس بحركات عنيفة ومدروسة. كانت تضرب المكنسة الخشنة بالأرضية الرخامية للرصيف بقوة، وتجرها بحركة نصف دائرية لجمع كل ذرة غبار، وورقة شجر جافة، وحصاة صغيرة، لتكوّن كومة لا بأس بها. بدلاً من دفع الكومة نحو الشارع كما يفعل أي شخص طبيعي، كانت كراميلا توجه ضرباتها بمهارة نحو اليمين. نحو جبهة العدو.
مع كل ضربة مكنسة، كانت سحابة صغيرة من الغبار ترتفع في الهواء، وتندفع بفعل توجيهاتها الخبيثة لتلتصق تدريجياً بالواجهة الزجاجية اللامعة لمحل نزار. كانت تستمتع بالصوت الخشن للمكنسة وهي تحتك بالأرض: خششش.. خششش..، صوت كان بالنسبة لها سيمفونية انتقام رائعة.
في الداخل، كان نزار يعيش في عالمه الخاص. كان يحمل فنجاناً من الخزف الأسود يحتوي على قهوته الصباحية، قهوة محضرة بعناية فائقة من حبوب إثيوبية نادرة، تفوح منها رائحة البندق والشوكولاتة الداكنة. كان يرتشف منها ببطئ متلذذاً بالمذاق الغني، بينما تتأمل عيناه من خلف العدسات الطبية تصميماً جديداً لفستان سهرة معقد. كان يشعر بالرضا التام. المكان هادئ، الإلهام يتدفق، ولا أثر لأي إزعاج.
حتى لاحظ تغيراً في الإضاءة.
رفع نزار نظره عن الدفتر، وقطب حاجبيه. أشعة الشمس التي كانت تدخل بوضوح عبر الزجاج بدت وكأنها تمر عبر فلتر ضبابي متسخ. ركز بصره على الواجهة الزجاجية، فاتسعت عيناه بصدمة. الزجاج الذي كان يلمع كقطعة كريستال قبل عشر دقائق، أصبح الآن مغطى بطبقة كثيفة من التراب البني، وبعض أوراق الشجر الجافة التصقت بأسفله بشكل مقزز.
"ما الذي...؟" تمتم نزار، واضعاً قلمه جانباً. "هل هبت عاصفة رملية مفاجئة على هذا الشارع تحديداً دون بقية المدينة؟".
وقف ومشى بخطوات بطيئة نحو الزجاج ليتفحص الأمر. ومن خلال الطبقة الترابية، لمح حركة ديناميكية بالخارج. ركز نظره أكثر، فتجلت له الرؤية. كانت هناك، جبهة التخريب البشرية، كراميلا بشعرها الأحمر الذي يتطاير مع حركاتها العنيفة، تضرب الرصيف بمكنسة تبدو وكأنها أثر تاريخي من العصر الحجري، وتدفع بجبل من الأوساخ والغبار مباشرة نحو زجاجه.
شعر نزار بحرارة الغضب تتصاعد من صدره إلى عنقه. هذا لم يكن مجرد إزعاج صوتي كالبارحة، هذا كان اعتداءً مباشراً ومادياً على ممتلكاته، وعلى نظافته التي يقدسها.
أحكم قبضته على فنجان القهوة الساخن، واتجه بخطوات واسعة وسريعة نحو الباب. دفعه بقوة وعبر العتبة، ليجد نفسه وسط سحابة من الغبار الخانق. سعل بخفة، ولوح بيده الحرة أمام وجهه ليبعد التراب.
"أنتِ!" قال نزار بصوت حاد كالشفرة، قاطعاً سيمفونية الكنس المزعجة.
توقفت كراميلا عن الكنس، واستندت بيديها على مقبض المكنسة الطويل، ورفعت رأسها لتنظر إليه. تصنعت البرائة بشكل كوميدي، وفتحت عينيها العسليتين باتساع، وكأنها تتفاجأ بوجوده.
"أوه، صباح الخير يا جار!" قالت كراميلا بنبرة مغنجة ومستفزة، وهي تمسح قطرة عرق وهمية من جبينها. "لم أرك هناك. هل تستمتع بقهوتك في هذا الصباح المشرق؟".
تقدم نزار خطوتين نحوها، وعيناه تشتعلان بغضب مكبوت خلف النظارات، بينما حرص على إبقاء فنجان قهوته الثمين بعيداً عن مرمى الغبار. نظر إلى الزجاج المتسخ، ثم نظر إليها وإلى المكنسة البدائية في يدها.
"ما الذي تفعلينه بحق السماء؟" سأل ببرود خطير، محاولاً السيطرة على نبرة صوته. "هل تحاولين التنقيب عن الآثار في الرصيف؟ أم أنكِ قررتِ تحويل واجهة محلي إلى لوحة جدارية من القمامة؟".
ابتسمت كراميلا ابتسامة عريضة أظهرت أسنانها البيضاء، وهزت كتفيها بلامبالاة أثارت حنقه أكثر. "أنا فقط أقوم بواجبي كمواطنة صالحة وأحافظ على نظافة الشارع. كما تعلم، النظافة من الإيمان. لكن يبدو أن الرياح اليوم عنيدة بعض الشيء، وتأخذ الغبار بالخطأ نحو واجهتك الكريستالية. ربما عليك أن تدعو الله أن يغير اتجاه الريح يا سيد... خياط."
"الرياح؟" كرر نزار الكلمة بسخرية لاذعة، وأشار بيده نحو الأشجار الساكنة على جانبي الشارع. "ليس هناك نسمة هواء واحدة اليوم يا آنسة كراميلا. الرياح الوحيدة هنا هي تلك التي تفتعلينها بتلويحك بهذه المكنسة التي تبدو وكأنها سُرقت من متحف للتاريخ القديم. هذا تعمد واضح للتخريب.".
"تخريب؟" شهقت كراميلا واضعة يدها على صدرها في حركة درامية متقنة. "أنا؟ أُخرب؟ يا لك من رجل حساس ومبالغ! أنا فقط أنظف. إذا كان زجاجك لا يتحمل بضع ذرات من الغبار، فربما لم يكن عليك استئجار محل في شارع حقيقي يعيش فيه بشر حقيقيون. كان الأجدر بك أن تستأجر فقاعة بلاستيكية وتعيش بداخلها مع قمصانك المكوية بدقة مخيفة."
أخذ نزار نفساً عميقاً، محاولاً استدعاء كل ذرة من ضبط النفس التي تعلمها في عالم الأعمال الراقي. "اسمعي، لا أعرف ما هي مشكلتكِ بالضبط،" قال بصوت منخفض، واقترب منها خطوة أخرى، حتى أصبح على بعد ذراع واحد منها. "إذا كنتِ غاضبة لأنني أخبرتكِ الحقيقة البارحة عن فوضويتكِ، فهذه مشكلتكِ. ولكن أن تستخدمي هذه الحيل الطفولية لتلويث محلي، فهذا أمر لن أسمح به".
"أنت لم تخبرني بأي حقيقة البارحة!" ردت كراميلا فوراً، واندفع الدم إلى وجنتيها، ليس من الخجل بل من الغضب والتحدي. "أنت فقط تطفلت على مساحتي الخاصة، وتصرفت وكأنك تملك الشارع بأكمله. أنت متعجرف، بارد، وتظن أن نظاراتك الطبية هذه تمنحك الحق في الحكم على الآخرين. حسناً، دعني أخبرك شيئاً، يا سيد 'أنا لا أتحمل الضوضاء ولا الغبار': هذا الشارع ليس ملكاً لك!".
"وهو بالتأكيد ليس مكباً لنفاياتكِ!" رد نزار، وقد بدأ صوته يرتفع أخيراً، متخلياً عن هدوئه المعتاد. نظر بازدراء إلى كومة التراب الكبيرة التي جمعتها بينهما. "نظفي هذا العبث فوراً، ونظفي زجاجي، وإلا..."
"وإلا ماذا؟" قاطعته كراميلا بتحدٍ، ورفعت ذقنها عالياً. تقدمت نصف خطوة نحوه، ممسكة بالمكنسة بكلتا يديها. "هل ستتصل بالشرطة لتبلغ عن فتاة تكنس الرصيف؟ 'ألو، أيها الضابط، جارتي الشريرة تستخدم مكنسة وتؤذي مشاعر زجاجي الحساس!'" قلدت صوته بطريقة طفولية وساخرة.
فقد نزار آخر خيط من صبره. "أنتِ حقاً كائن مستحيل!" قالها وهو يرفع يده التي تحمل فنجان القهوة بشكل عفوي ليعبر عن استيائه، وتقدم خطوة أخرى نحوها ليفرض سيطرته على الموقف.
لكن كراميلا، في تلك اللحظة، قررت أن تضيف لمسة أخيرة من الاستفزاز. بحركة سريعة ومقصودة، حركت المكنسة بقوة نحو قدميه، دافعة كومة من التراب لتغطي حذائه الجلدي الإيطالي اللامع.
رد فعل نزار كان فطرياً ومفاجئاً. تراجع خطوة إلى الوراء بسرعة ليتفادى موجة الغبار التي استهدفت حذائه، وفي نفس اللحظة، تحركت كراميلا للأمام لتعزز هجومها الترابي، رافعة مقبض المكنسة الخشبي الطويل لأعلى استعداداً لضربة أخرى على الأرض.
حدث كل شيئ في جزء من الثانية، وكأنه مشهد سينمائي بالحركة البطيئة.
اصطدم الجزء العلوي من مقبض المكنسة الطويل برسغ نزار الذي كان يحمل فنجان القهوة. لم تكن ضربة قوية جداً، لكنها كانت كافية تماماً للإخلال بتوازنه وإفلات الفنجان من قبضته.
انقلب الفنجان الأسود في الهواء، وتحررت القهوة الساخنة والمركزة لتأخذ مساراً حراً، مستهدفة بشكل مباشر ومأساوي صدر نزار.
بقع!
انسكبت القهوة الداكنة بأكملها على قميصه الحريري الأزرق الفاتح. انتشر السائل البني الداكن على القماش الفاخر بسرعة البرق، راسماً خريطة بشعة وغير منتظمة تمتد من أسفل عنقه وحتى منتصف صدره. سقط الفنجان الخزفي على الأرض الرخامية ليتحطم إلى قطع صغيرة متناثرة حول كومة التراب، مصدراً صوتاً حاداً أنهى الفوضى الحركية وفرض صمتاً مميتاً على الشارع.
تجمدت كراميلا في مكانها. المكنسة لا تزال في يدها، وعيناها مثبتتان على البقعة الداكنة الكبيرة التي شوهت أناقة جارها المفرطة. لثانية واحدة، مجرد ثانية واحدة، شعرت بوخزة من الذنب. القميص بدا باهظ الثمن جداً، والقهوة كانت تبدو ساخنة.
نظرت ببطئ من القميص إلى وجه نزار.
كان المشهد مرعباً. نزار لم يتحرك. لم يصرخ، لم يشتم، ولم يمسح القهوة عن صدره. كان يقف هناك كتمثال من الجليد، وعيناه الداكنتان مثبتتان عليها من خلف عدسات نظارته. لكنه لم يعد ذلك الجليد البارد والمستفز، كان جليداً يغلي من الداخل. الفك كان مشدوداً بقسوة لدرجة أن عروق رقبته برزت، وتغيرت ملامحه الهادئة لتتحول إلى عاصفة من الغضب المكتوم الذي يكاد ينفجر.
تنفس نزار بعمق، وصدره يرتفع ويهبط بسرعة، مما جعل بقعة القهوة تبدو وكأنها تتنفس معه. لم ينطق بحرف واحد، لأن أي كلمة سيقولها في هذه اللحظة كانت ستؤدي إلى كارثة محققة. كان يرمقها بنظرة تحمل من الشراسة والغيظ ما يكفي لإذابة الفولاذ.
كانت الأجواء مشحونة بالتوتر لدرجة يمكن تقطيعها بسكين. توقع أي مراقب خارجي أن كراميلا ستعتذر، أو تهرب، أو تبدي أي علامة من علامات الندم.
لكن كراميلا لم تكن أي شخص عادي.
عندما نظرت إلى مظهر نزار، الرجل الذي كان قبل دقيقة واحدة يمثل قمة الأناقة والتعالي، والآن يقف بقميص ملطخ بالقهوة، وحذاء مغطى بالتراب، ووجه يحمل تعبيراً يجمع بين الصدمة والرغبة في القتل... لم تستطع كراميلا تمالك نفسها.
بدأت زوايا فمها ترتجف. حاولت أن تعض على شفتها من الداخل لتكتم الأمر، لكن المنظر كان أبلغ من قدرتها على السيطرة.
تسربت ضحكة صغيرة من بين شفتيها: "بفت."
ضاقت عينا نزار أكثر، وكأن ضحكتها كانت طعنة إضافية. "هل تجدين هذا مضحكاً؟" سأل بصوت منخفض، خشن، ومخيف جداً.
كان هذا السؤال هو القطرة التي أفاضت الكأس. انفجرت كراميلا في نوبة ضحك مجنونة، صاخبة، وهستيرية. رمت المكنسة على الأرض، ووضعت يديها على بطنها وهي تضحك بصوت عالٍ تردد صداه في الشارع الفخم. كانت ضحكة حقيقية، نابعة من القلب، ممزوجة بشعور عارم بالانتصار والتشفي.
"أنا... أنا آسفة!" تمكنت من قولها بصعوبة بين نوبات الضحك، وهي تمسح دمعة فرت من عينها، "لكن... لكن شكلك... يا إلهي، تبدو كلوحة تجريدية فاشلة! لقد فقدت... لقد فقدت هدوئك يا سيد نزار!"
اغتاظ نزار لدرجة أنه كاد يفقد وعيه. نظر إلى قميصه الذي دُمر تماماً، ثم نظر إليها وهي تتلوى من الضحك، ووجهها المزين بالنمش يشع حيوية وشماتة لا مثيل لها. أدرك في تلك اللحظة أن النقاش المنطقي مع هذه الكارثة البشرية هو مضيعة للوقت والكرامة.
أشار بإصبعه نحوها، ويده ترتجف قليلاً من الغضب. "أنتِ..." قالها بصوت فحيح يحمل كل التهديد الذي يمكن لرجل أن يحمله. "أنتِ لا تعرفين مع من تعبثين. لقد تجاوزتِ كل الحدود المسموح بها للجار، وللإنسان العاقل عموماً."
توقفت كراميلا عن الضحك تدريجياً، لكن الابتسامة المستفزة والعريضة ظلت مرسومة على شفتيها. وقفت باعتدال، ونظرت إليه بتحدٍ سافر، وعيناها العسليتان تلمعان بروح القتال.
"بل أنا أعرف تماماً ما أفعله،" قالت كراميلا بثقة، مقتربة منه خطوة صغيرة، غير مبالية بشراسة نظراته. "أنت من بدأ هذه الحرب باقتحامك لمملكتي البارحة وتقييمك لفوضاي. أنا فقط رديت الزيارة. وإذا لم يكن هذا الشارع يعجبك، يمكنك دائماً حزم حقائبك والعودة إلى عالمك البارد."
"أنا لا أهرب من مواجهة"، رد نزار فوراً، وصوته يكتسب ثباتاً جليدياً مرعباً". ولا أستسلم أمام... حشرة مزعجة تحاول لفت الانتباه. إذا كنتِ تريدين حرباً، يا آنسة كراميلا، فأبشركِ... لقد حصلتِ عليها. ولكن تذكري هذا اليوم جيداً، لأنكِ ستندمين على اللحظة التي قررتِ فيها استخدام تلك المكنسة".
أدار نزار ظهره بحركة درامية وعنيفة، داس على بقايا فنجان الخزف المحطم بحذائه المترب دون أن يبالي، واتجه نحو باب محله.
"سأكون بانتظارك، يا خياط!" صرخت كراميلا خلفه بنبرة مرحة ومستفزة، وهي تلوح له بيديها. "ولا تنسَ نقع القميص في الماء البارد، القهوة عنيدة جداً!".
دخل نزار وأغلق الباب الزجاجي خلفه بقوة كادت أن تحطمه، جاعلاً الغبار يتناثر مرة أخرى. وقفت كراميلا في الشارع لعدة دقائق، تنظر إلى الواجهة المتسخة، وتستمتع بطعم الانتصار. لقد أخرجت الرجل الآلي من بروده، وجعلته يغلي من الداخل.
بالنسبة لنزار، وهو يقف داخل محله ينظر إلى البقعة الداكنة على قميصه المفضل، أدرك أن الهدوء الذي كان يبحث عنه قد تبخر تماماً. لقد أُعلنت الحرب رسمياً، ولن تكون حرباً صامتة بالمرة. ستكون حرباً صاخبة، عنيدة، ومليئة بالاستفزازات.
وبينما كانت كراميلا تعود أدراجها إلى صالونها وهي تدندن لحناً سعيداً منتصرة في معركة الصباح، لم يدرك أي منهما أن هذه الحرب الباردة، المليئة بالقهوة المنسكبة والمكانس الخشنة والكلمات اللاذعة، لم تكن سوى الشرارة الأولى لحريق عاطفي سيطال قلبهما معاً، حريق أقوى بكثير من أن تطفئه كل أدوات الإطفاء في العالم.
prince Egotist