الصدمة(3)
أمرت نفسي رأسي أن يتجه نحو اليمين، وأن يحاول جمع عيني اليسرى مع شقيقتها اليمنى للبحث عن أي أثر للسويكة قبل أن تفصلهما شجرة الفراغ.
مسحت عيناي ببصرها كل فرد من أفراد القرية حتى تبحث عن خصال معينة. شخص طويل، كهل، غطى الشيب اغلب رأسه، ويرتدي التونيك الذهبي الوحيد له.
قُسم بصري مجددا، وما زالت شجرة الفراغ تهتز لكنها لم تسقط.
أمرت نفسي فمي بالكلام، وان تنطق بعبارات معينة، فلعلها تكون الهادمة لشجرة الفراغ، وأن تعود روحي بداخلي لتضخ المشاعر والسعادة مجدداً.
سافير: أيها الضالوون جميعاً، الم تلاحظوا اختفاء فاسق وكذاب اخر.
أحدهم كان يرنوا بالعبارات الرنانة من أجل الحق ونصرته، ودحض الظلم والمظلوم خارج القرية.
والآن هو مختفٍ، خائف، لا يجرؤ على الظهور حتى.
فأين أنت يا أيها السويكة؟ ... اظهر نفسك نحن لا نراك سوكيتي.
اووه لا يجيب لماذا يا تُرى؟ لأن هذان القاتلان ساوثل ولوك قد ارسلا السويكة وساوة لقتلي، وخدعا اختي وهدداها للانضمام لهم.
وقد أرادوا فعلها من خلال هذه المطرقة، ارفعها جيدا يا سابا.
أما عن السكينة الموضوعة على عنقي. فهي مجرد طريق لجعل مصيري يصل. فبعد أن انتهي من دوري هنا ساجعلها تخرج من الخلف.
تحجر ساوثل بجسده ونظراته وتفكيره، بينما هو مثبت نظره مرة إلى إبنه ومرة نحوي، أما الكاذب لوك بقي ينظر وينظر إلى سابا دون أن يزيح نظره عنه، وفي عينيه الكثير من التردد.
نظر ساوة الى والده، عبس بوجه، انزل رأسه قليلا وأشار إلى صدره بإصبعه بالسبابة والده برأسه ليترك والده في حالة تفكير بالسؤال الذي طرحه إبنه بإصبعه.
شحذ ساوثل لسانه بأسنانه العليا، وهو ينظر لي وانا انظر اليه، وسابا قد ترأس الجهة اليمنى بالكامل.
شاسل: اسمع وانظر يا ابن المُتبنى، يا جندي الشياطين.
انك تتعدى علينا بألفاظك وافعالك. طعنت بسمعة الرسول واوامره الإلهية، طعنت بسمعتي بعد الذي فعلته للقرية من أعمار وتوسل للرب أن يغفر لما فعله والدك للقرية وللعنته التي هي انت الموجودة بيننا.
والآن تطعن بسمعة ابني و بنائب العمدة السابق والعمدة الحالي ساوكي، ظننا منك انك...
سافير: مهلاً مهلاً، ماذا قلت!
شاوثل: فأنت تفعل هذا من أجل النجاة من التطهير، لكن لا والرب لن تنجوا.
فنحن نمنحك الوقت من أجل أن لا يبقى دليلاً لك ونبدوا أننا...
سافير: اعد ما قلته! !
شاوثل: قد اخفيناه خوفاً. لذا هات كل ما عندك وإن أعدت ذكر أي موضوع مرتين فهذه بداية انقضاض الرجال عليك، والآن تكلم.
سافير: لا اريد الكلام فقط اعد ما قلته هذا الكلام كله لا يهمني.
ساوثل: ساوكي هو العمدة الحالي لهذه القرية، و... صحيح نائبه الجديد هو انا.
سافير: كذبة أخرى! اريد صدق يا أيها الوثل. فكيف؟ ومتى حصل هذا؟
ساوثل: اسمع اقسم إن تماديت لاقتلنك الآن واطهرك.
سافير: تقول كلاما فوق وتناقضه الآن، هه... عجيب.
ساوثل: حسنا لك هذا، كله من أجل القرية. سافير لقد غادر العمدة السابق خابان البلاد يوم دوثار. وقد أقمنا احتفال وتم انتخابنا. هل فهمت الآن ؟
لكن دقيقة لما تسال وانت موجود معنا! لحظة لا تقل أنه قد اصابك مرض عقلي أو انك نسيت الذي حدث.
اصبتها، لهذا السبب لم ينصبك لوك، لانك قد بدأت تهذي ولا يليق برسولنا القادم أن يكون هاذيا أو ذو مرض عقلي.
فتخيل أن تقف وتقول يا أيها الناس... ثم تنسى ما ستقوله، فستكون لحظة مضحكة، هه أليس كذلك؟
بدت نيران القرية يزداد لهيبها حتى اوقفتها نفسي عند حدها.
سافير: لا تغير الموضوع يا أيها المتبنى الكاذب. لماذا ارسلتهم لقتلي؟
شاسل: انا لم ارسل أحد لقتلك، ومن تكن أنت لالطخ يدي بك.
سافير: انا الذي اهنتك واقللت قيمتك وحجمك أمام الجميع، انا الذي زينت وجهك بهذه الندبات الجميلة تماما كما فعل والدي من قبلي عندما زين وجهك بهذه الندبة الوحيدة والقريبة من منبت شعرك، وانا من ارسلت لي اناس لقتلي. الآن علمت من أنا ؟
شاسل: أنظر يا ابن...
سافير: لن انظر أو اتناقش طويلا، فسابا يحمل الدليل الاول والثاني انتم من ستكشفوه لبعضكم البعض وليس أنا.
فيا ايها الضالوون تقدموا وافتحوا باب منزلي وانظروا الي بيتي الذي تم إحراقه وبات رمادا في الجو. تعالوا، امشوا، هرلوا، وشاهدوا، وتحسسوا، وأمسكوا. فالمجال لكم لتعلموا الحقيقة الصحيحة بأنفسكم.
نظر ساوثل إلى ابنه، واومئ برأسه تجاه اليسار بسرعة.
لم يتردد ساوة حينها ليهز برأسه باكثر من مرة، وبطريقة عامودية.
حرك ساوثل يده ورأسه نحو الباب، لينطق حينها ليس ساوثل بس ساوة فجأة: سافير، نحن موافقين، واختر من تريد بنفسك.
سافير: الجميع، الجميع ذكورا، إناثا، حشراتا، حيوانا، جمادا الجميع بلا إستثناء.
اختار ساوة إثنين من أكثر الذين يكنون لي كل الكره والحقد:سينيل، وسانول، عجوزين طاعنين في السن لكنهم في داخل كره يكفيهم فوق عمرهم عمرا.
صرخ ساوة؛ سافير أانت موافق، وما كان جوابي سوا هز نفسي لراسها واغماضها لعيني.
كان الهدوء والصمت يسيطر على جسدي لحظتها، ونفسي تشاهد المصير الذي كان بعيدا قبل يوم وهو يقف بجانبي الايسر.
لا مشاعر تدفق، أو اثر لعودة الروح لي، فبعد كل الذي بذلته لن انجح. وكل هذا لأن من اعمر هذه القرية من بعد ما حصل لها كان عمي.
وقف سينيل وسانول، وبعكازتهم فتحا باب منزلي بضعف وقلة حيلة، ودخلوا للداخل.
سبع ثوان
أربع عشرة ثانية
واحدة وعشرون
ثماني وعشرون
خمس وثلاثون
اثنتين وأربعون
تسع وأربعين
ست وخمسون
دقيقة وثلاث
دقيقة وعشرة
دقيقة وسبع عشرة
دقيقة واربع وعشرون
دقيقة وواحدة وثلاثون
وبعد دقيقة وثلاث وثمانين خرجا من المنزل بخطوات عكازاتهم العالية، أمسكوا بمقبض البابين اغلاقاه. واستمروا بالمشي نحو ساوة.
اقتربا منه، ورفعوا أجسادهم نحو أذنيه. سينيل على اليمين سانول على اليسار.
وبعدها تحركوا نحو الصف مجددا لكنهم توقفوا عن مقدمة الصف في المنتصف نفس مكان ساوة.
الجميع لا يتكلمون أو يتحركون، ووجههم ترتدي تعابير مختلفة في كل مرة ينظرون إلى ساوة ويجدون ألا شيء يعتلي وجهه.
لحظات مصدومين، أخرى خائفين، أخرى فرحين، أخرى آملين، وأخرى حائرين.
خاطب سابا أذني: أحقا هم من فعلوها؟
نظرت عيني اليمنى له نظرة خاطفة، خاطفة ككلمتي هذه: لن تجهل الأمر.
فهم سابا مقصد كلمتي، و رجع يقوم بعمله.
اعدت كلامي لهم: أيها الضالوون، لقد اخفوا السويكة كي لا أخبركم بهذا الأمر ومع هذا أراد الرب لها بالظهور. شكراً يا ...
ساوكي: ألم تتعلم يا أيها الحقير من فعلتك. الجرح الذي في قدمي، و عجزي في المشي كله بسببك ومع هذا تكذب أيها الكاذب!
التفتت عيني اليمنى إلى خروج ساوكي من المنزل القابع بجانب البوابة الشرقية، ومجيئه وهو يعرج بقدمه. عرجه اثار الكثير من التساؤلات داخلية كيف حصل له هذا؟ وما إن كانت حقيقة هذه الإصابة أم لا.
نفسي وعقلي وعيني يحدثان بعضهما، عيني تخبرهم أنها حقيقية، يخبران بعكس هذا.
عبر ساوة من بين الحشود، وهرول مجددا لكن هذه المرة نحوه.
وضع رأسه تجاه يده اليسرى وامسكه، حتى وصل به إلى منتصف القرية بخط افقي لا عامودي.
صرخ ساوكي: لا تنغروا به وبدليله. مطرقته كانت على وشك أن يقتل بها أخته وعلى وشك أن يقتلنا بها. لقد رأيتم جميعا كيف خرجت من منزل وانا أعرج وكيف خرجت هي من بيته وهي تركض.
إنه مختل، مريض، وقاتل، قاتل، قاتل. اخبريهم يا سافون
سافون: لم...
سينيل : توقفوا! ... توقفوا جميعكم، وانصتوا.
سافير اجبنا بصدق ما الذي تريده منا؟ سنعطيك كل ما تريده فقط أخرج من القرية.
حقا منذ أن ظهرت ونحن لم نهنأ من المشاكل. وسواء كنت ظالما فاللعنة نستطيع كسرها إن اخرجناه، وإن مظلوما سنحاول رد حقك. فما الذي تريده؟
ساوثل: ماذا تفعلان سيدمرنا بامنيته فهو لن يخرج بأي طلب ك...
سافير: الإعتراف...الاعتراف أنني كنت المظلوم في جميع قصص هذه القرية وبأن حقي نزع مني كما تنزع الروح من الجسد.
ساوثل: لا، لا يعقل أنكما ستقولانها بعد كل ما فعلته له. اطعمته، سقيته، و الآن يتهمني بالظلم. بالطبع أنكما تمزحان.
سانول: حسنا سنقولها لك بشرط، دليل على هذا.
سافير: حسنا، فقط انظرا.
نزع جسدي من على صدره التونيك، واظهر كل ما خبأه وعلم على جلده الزمان. آثار الضرب، الحرق، وغيرها من الجراح عليه.
تحدث لساني: انظرا انتم والكل النساء، الفتيات، الشابات، والرجال، هذه الآثار بسببه.
الم تلاحظوا جميعا أن كل شخص يعانده يحرقه. عانده والديَّ فحرقهما، عانده الرسول السابق قبل لوك ومات محروقا، و...و...و
سينيل وسانول : وماذا؟
وعاندته انا: فحرق جسدي قبل منزلي.
سينيل: ساوثل وجميعنا يجب أن نقولها أنه ظلم وأنه المظلوم في هذه القرية. لكن بعد أن نقولها ستخرج.
سافير: حسناً.
سينيل: حسنا هيا جميعكم قولوها. سأبدأ من ساوثل وساوة ولوك ثم الرجال ثم النساء.
اشمئز ساوثل، عض شفتاه وقال وهو يعضهما: انت...هو المظلوم.
قاطعاه سينيل وسانول: وقالا يا أيها الناس لا تقولها كما قالها شاسل، وقولوها هكذا: انت المظلوم يا ساوة.
ومن بعدها همّ الجميع يقولها بنفس الطريقة.
انت المظلوم يا ساوة.
انزلت يدي اليمنى السكينة عن تفاحة عنقي ونظرت نفسي إلى شجرة الفراغ وهو تذبل وتموت.
والروح من بعيد تركض نحو نفسي واشقائها التي انتزعت من وسطهم وهي مليئة بالدموع، وعيناي تغرغران تكادان تمطران على وجنتي.
نظر نحوي سابا ورأته عيني قد نحت السعادة على وجهه عندما رأى السعادة تطير كالفراشات من حولي.
لم يهمس فمي بصوت حتى مشينا نحو البوابة الغربية انا وسابا. لا كلام فقط ابتسامات ونظرات نحو السماء.
مشيت بخطواتي الست أيضا حتى وصلت قريبا من عمي وخطوت خطوة سابعة، لحظة انفجار سمعي بشيء خافت الصوت مزلزل لنفسي قاله عمي بتوار على الأنظار.
شاسل: اتظن انك مجرد ابن لمتبنى. فأنت ابني أيضا، فأمك كانت عشيقتي.
The mask