المواجهة الغريبة

المواجهة الغريبة

27 0

المواجهة الغريبة

قُبِضت مشاعر الانتصار السائدة في جوف الأشقاء، وقُذِفت مكانها الصدمة التي وثقتهم بأصفادها، وشلّتهم عن القيام بأي غرضٍ أو فعلٍ، منفذةً بذلك أمر سيدهم الذي علم الآن بأن اليوم هو يوم الاختيار. إلا عيني، اُستثنت من هذا الأمر، وتُركت دون أصفاد لتُنفّذ ما أوكلها به السيد: نفسي.

أطالت بصرها على الرزنامة دون أن يُشتتها مشتِّت، وجعلته ثابتًا لا يزيغ أبدًا. لا لتبصر الرزنامة وحروف اليوم فقط، بل لترى ما تخبئه من أسرارٍ وتساؤلاتٍ داخل جدرانها الورقية. يومٌ من أيام الأسبوع؟ لا، إنها النهاية غير المنتظرة لقصتي التي تجسدت أمامي على شكل هذا اليوم، فجأةً ودون سابق إنذار. حلّت لتنتظر جسدي وأشقائي أن يمشوا نحوها، بينما تُملئ انتظارها بنثر آلاف الأسئلة حول كيفية قدومه.

كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟ وهل؟ وغيرهن من الأسئلة تعاقبن على مقلة عيني عند خروجهن من ذات الرحم. كيف يكون اليوم هو يوم الاختيار؟

كيف ليومٍ أن يأتي مرتين في ذات الأسبوع؟

ولماذا عاد مرة أخرى بعد أن قدم قبل البارحة؟

ومتى أصبحت الأيام تعيد نفسها في ذات الأسبوع؟

وهل الأيام اختفت حتى لم يبقَ منهم سواه؟

أسئلةٌ كثيرة دون إجابات أو طرف خيطٍ لإحداها.

وقدومه في هذه الهيئة، وفي هذا الوقت، قد فتح باب سجنٍ حُبِست فيه جميع ذكريات الأمس، ومنها ذكرى قدوم ذاك الكيان الغريب، وطرقه بابي، والدخول إليه بغتة، ومنعي من التقدم خطوة واحدة لإيقافه. وتركي فقط لأفكر كيف وصل إلى هنا، ولأنظر ما سوف يغيّره في حياتي. وها هي الذكرى تُعاد مرة أخرى على يد بطلها الجديد، يوم الاختيار: يوم بايجيف.

فكل شيء سيتغير، وسيُكتب في دفاتر قصتي أن المستقبل الذي يجب أن أعيشه بهناء، سيتحول إلى نهاية كالقارعة ستسلب مني رغبتي وآمالي في العيش. وسيتحول إلى نسخةٍ من نسخ ماضيَّ المشوّه الذي ما زالت ندباته ظاهرة على وجهي.

نسخة أصعب، أقسى، وأمرّ، والسبب في هذا هو… أنا. في كل ما صنعته في حياتي، وفعلته، وارتكبته، وآمنت به، ووافقت عليه، وسلكته. كلها ظروفٌ مهدت الطريق له.

فعندما علمت أن باب النهاية فُتِح لم أتحرك، وعندما رأيتها وهي مقيّدة لم أتحرك، وعندما رأيتها تفك أصفادها لم أتحرك، وعندما رأيتها تتجهز أن تخرج لم أتحرك، وختامًا عندما رأيتها تقترب لم أتحرك.

وبعد كل ما رأيته لم أتحرك لأحمي نفسي منها. لقد ظننت أن وقتها ما زال طويلًا ليحين، وفي هذه المدة سأكون قادرًا على تجاوزها في الوقت الذي أضعه وأريده. إلا أنها أظهرت لي من القوة والمفاجأة الشيء الذي ذكّرني بدرسٍ مهمٍ قد نسيته: إن تأخر الحاضر في تنفيذه، فسوف يضع صاحبه في سجنٍ مؤبد داخل قضبان القهر والندم.

فالحاضر لا يجب أن يحضر معه المآسي أكثر من الهناء، وإلا فالثمن الذي سيدفعه سيكون أغلى من أي شيء دفعه، فهو الذي اختار وليس أحدٌ غيره. لذا كان لزامًا أن الذي ستجلبه لي سيكون ثقيلًا بنفس عدد الفرص التي كانت لدي. فأنا ظننت أن كل شيء معي، بينما هي كانت تعلم أن كل شيء معها.

فخسارتي الأولى حصلت في يوم الاختيار في الماضي البعيد حينما فقدت والديَّ أمامي. وخسارتي الكبرى ستحدث كذلك في هذا اليوم، عندما أفقد أجزاء من أطرافي، وقدرتي على العيش كما تمنيت. فالمفارقة التي اعيشها أنه حتى دون أن أختار خسرت الكثير، وعندما حان دوري لأختار سأخسر الأكثر.

1

لا أعلم كيف سأتجاوز هذه المشكلة أو أفك عقدتها من على عنقي. جميع الأفكار أمامي عديمة الفائدة، وكأنها مفاتيح صدئة خاطئة لا تفتح أي باب. أأستطيع الإنكار أم لا؟…

أأستطيع اتخاذ معرفتي المشوهة طوق نجاة لإنقاذي من الحقيقة التي وصلت إليها أم لا؟

أأستطيع النجاة أم لا؟

وهل لديَّ هذه الخيارات أم لا؟

فلا يدور في بالي أي إجابة سوى “لا”. فشكل الحروف المموّهة، وعددها وتراكبها مع بعضها، جعل التصديق فرضًا علي، لأنه اليوم الوحيد الذي لديه حرف الجيم في اسمه وعدد حروفه ستة.

وحتى الحل الوحيد الذي بقي لي وفتح بابه لأن أقول له نعم سيجعلني إمّا منبوذ العشرة في الأرض أو مقبوض الروح في سماء. فالتضحية، التي هي رهاني الأخير وحلٌّ لمن لا حلّ له، لن تفيدني بأي نتيجة تجلبها ولو بمقدار حبّة خردل، لكنها تبقى الحل الأخير، لأنها لا فعل بعدها. إلا أن ما يخفف عني حمل الاختيار أنني متأكدٌ أنني لن أكون نادمًا لو فعلتها في سبيل التحرر. كما لم أندم سابقًا عندما لجأت إلى عقلي وبعت ذاتي وذات أختي للبقاء جنبًا إلى جنب. لكن بأي شكلٍ ستكون التضحية؟ أبها فقط أم بكلينا؟ وبالتأكيد لن أضحي بنفسي فقط. لن أموت لتعيش هي.

حَزَمت نفسي أمرها بسرعة قبل أن يُطوّقها الوقت، وانطلق عقلي يرسم الطريق الذي ستخطو عليه بناءً على فكرتها، عندما أدركت أن هذه الحياة لن تتحمل كليهما، وأن التضحية بها ستحقق الغاية والمراد.

انتزعت نفسي مشاعر الصدمة من الأشقاء وأودعت بدلًا منها مشاعر الحزم والاستعداد للتحرك. وأتبعتها بتحطيم الأصفاد جميعها دون بقاء أثر لها، وأعادت لهم قدرتهم على الحركة من جديد، مع أوامر يجب أن تُنفّذ بناءً على الطريق المرسوم.

أمسكت يدي مُرتّبة سرير بإحكام وقوة، ودفع جسدي لأن يستقيم بكله. ثم ثبتت قدماي نفسيهما على الأرض وهما تسعيان أن تكون مشيتهما غير مسموعة، كسارقٍ لا يريد أن تُسمع خطواته عندما يسرق ما خُطّي نحوه. رمت عيني بصرها في كل بقاع الغرفة، تفكر وتختار الأداة المناسبة والأقرب مكانًا لي.

2

على يميني شمعدانٌ ثلاثي من الحديد مركونٌ فوق الدرج، ويساري مطرقة ثقيلة وقوية موضوعة داخل الخزانة المجاورة للرزنامة، وكادت أن تكون هي الأداة المناسبة، لكن مكانها البعيد عني، وعدم ثقتي بأنها لم تُحرك من مكانها جعل باقي الخيارات امامي أكثر فائدة وأهم منها.

أمسكت يدي به، وتقدمت قدماي خطوة تلو خطوة، وكأن الأرض لا تشعر بوزني عليها، حتى وقفتُ إلى الحاجز الذي يفصلنا. ستارةً لونها قرمزي مطابقةً للون الغرفة، مرسومٌ عليها سيفاً ذو مقبضٍ احمر ونصلٍ اسود محفور داخله اسمي. اقتبس من السيف اللعبة الذي امتلكته في الماضي.

كم وددت أن أقول آسف يا أختي، لكن تنعّمتِ بما يكفي، وحصدتِ ثمارًا لم تزرعيها على حسابي، لذا وقتك لدفع ضريبة هذا النعيم قد حلّ.

........................................

عزيزي، كيف حالك؟ ما أخبارك؟ وكيف رأيتَ الفصل الثاني؟ هل هو جيد بما يكفي أم لا؟

2

وأتمنى أن تكون الإجابة "نعم". لماذا؟… حتى لا يُكسَر قلبي طبعاً! أم أنكم تريدون للكاتب الذي يكتب لكم أن يكون مكسور القلب حزينًا؟ هذه أبدًا ليست من صفات القرّاء الجيّدين…

مهلًا مهلًا، أنا أمزح معكم. في الحقيقة، ما أريده هو أن تُبدوا رأيكم بصراحة ودون مجاملة، فأنا كاتبٌ يستمع لقرّائه، وأنا هنا من أجلكم.

هل هذا فقط ما أردت إخباركم به؟ الحقيقة لا. فهناك وعدٌ قطعته ويجب أن أفي به. أتتذكرونه؟ لا تقولوا لي إنكم نسيتم!

لكن لا بأس… فقد حان وقت الاختيار. وكما أخبرتكم، ستكونون أبطالًا وجزءًا من القصة.

لو كنتم مكان الشخصية، ماذا ستختارون؟

التضحية بأنفسكم مع شقيقتكم؟ أم التضحية بشقيقتكم فقط؟ أم أن هناك حلًا ثالثًا؟

1

اختاروا ما ستفعلونه، واكتبوه على ورقة خارجية، وتخيّلوا ماذا سينتج عن هذا الفعل. ثم… ماذا تفعلون بعدها؟

سترْسِلونه إلى حسابي في الإنستغرام(n.s.k.h710) لنناقشه ونحلّله معًا.

دمتم بخير يا قرّائي 🤍

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الأعداء يحيطون بك

المؤلف The mask
2025/10/18 مستمرة
قائمة الفصول (17)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة