البداية العادية
ها قد دقت ساعة القرية، لتنبه من حولها من القائمين والنائمين، بأن الصباح قد حل. صباحٌ يبدأ حيث العقرب الأكبر ثابت على رقم واحد، والعقرب الأصغر يدور ويتحرك حتى يبلغ الرقم سبعة. هكذا تبدأ جميع أيامنا في قرية دياس.
فتحت عيني جفنيها لحظة سماعها لنبضات الساعة المتتالية، واستقام ظهري بعد رحلةٍ طويلةٍ من النوم على السرير. نزلت قدماي على الأرض اليسرى، ثم لحقتها اليمنى، حتى استقرتا على الأرض، وجسدي ملازماً للسرير لم ينفك عنه.
بقيت عيني تفتح وتغلق جفناها، تحارب النوم وجنوده الذين تركوا آثارهم ورمصهم عليها، وتحاول أن تقتلعهم من مؤقها، لتتضح الرؤية أمامها. ولم تكن وحدها، بل ساعدتها أصابعي في ذلك.
وما أن قُهر هؤلاء الجنود ، حتى استوت الرؤية أمامها. بدأت عيني تعاين الأثاث الموزع في الغرفة، وتتناقل نظراتها بينهم. ومن بين العشرات من قطع الأثاث المستقر في الأرجاء لفتت انتباهها الرزنامة المعلقة بمحاذاة الباب.
شَخصت عيني نحوها، مطولا النظر إليها، في الوقت الذي كانت أصابعي تتنقل باستحياء بين خصل شعري الكثيف. وكان لمكان الرزنامة ميزةً فريدة تميزها عن قطع الأثاث من حولها. فهي تستطيع أن تحجب الرؤية عن عيني إلى حدٍ كبير، مهما حاولت أن تراها من هنا. وهذا السبب كان أكثر من كافٍ من أجل أن تحول نظرها عن الرزنامة إلى شيء آخر وتتجاهلها.
-هكذا يجب أن يكون اختيارها، أليس كذلك؟-
لكن قرارها بقي كما هو، فبُعد الرزنامة زادها إصرارًا واندفاعًا لرؤية ما هو اليوم، وسمحت للغرور بأن يتفشى بداخلها، وينمو بجذوره داخل مقلتيها، وختمتها بإغلاقها لحاسة سمعها، فما عادت تستمع إلى أحد من أشقائها - اجزاء الإنسان المادية والمعنوية- الذين عرضوا عليها المساعدة. تمامًا كما يفعل البشر.
...تسمرت في مكانها دقيقة كاملة، تستفرغ وسعها، وتتحامل على نفسها لترى اليوم. إلا أن كل ما كانت تراه كان طيفًا أسود، يتجلى أمامها كلما حاولت رؤيته، ملوحًا لها بأنها لن تستطيع.
محاولاتها الكثيرة من دون تغيير أو تجديد كانت تقتلان الأمل بداخلها في كل ثانية تمضي. فرغبتها الظاهرة عليها لجعل أشقائها مرتاحين، لا يبذلون أي جهد، جعل حالها كالظمآن الذي يبحث ويركض في زحمة رمال صحراء عن المياه، وبجواره أهله يمتلكون ما يكفيهم ويزيدهم منها. أو بالأصح هذه الحجة التي استخدمتها لإقناع من حولها.
فما خُبئ داخلها و الذي لم يخبئ يوماً كما يجب قد كُشف في لحظتها، وقطعة القماش التي كانت تظلل حقيقتها سقطت لتكشف أنها تريد كما بدأت الأمر بمفردها أن تصل إلى نهايته بمفردها.
ورغم إيمانها المرتبط بمقولة "السعي تعني حتمية الوصول"، إلا أن الشيء الذي وصلت إليه بعد كل هذه المساعي هو العجز الذي طفق يطوقها عقب كل محاولة فاشلة، ويقتلع جذور الثقة المترسخة في مقلتيها.
وزاد ألمها بإيقاعها في صدام مباشر مع أحد كوابيسها: الرفة التي تعكرها. فها هو عبء آخر قد وضع عليها، وكل ما جنته حتى الآن مجرد حروف مبهمة. فهي مقبلةٌ على عقبة معقدة تختبر معتقدها الذي تطبقه أمام الواقع الحاكم بأحكامه. فإرادتها بالاستمرار وتصنع القوةِ، جعلا من هذا الصدام بمثابة حرب نفسية ينتصر فيها من تدوم فلسفته أطول.
اخذت بالتفكير بحلٍ لتحقيق مرادها، وانهالت عليها العديد من الأفكار. منها من قبلته والآخر تجاهلته، لكن العائق الأكبر هو الوقت الذي يحاصرها. فبقاؤها هكذا لن يجعلها تصل إلى شيئاً سوا أن تصبح فريسةً سهلة المنال للرفة.
استمر الأشقاء في محاولاتهم لمساعدتها، وعلت أصواتهم أكثر فأكثر، وايدي العون تتهافت إليها. فلم يبقى وقت كافٍ للاختيار، ففي العشر ثوان المقبلة، سيحدد اختيارها ما إذا كانت ستنجح أو ستفشل:
عشرة....
تسعة....
ثمانية....
سبعة....
ستة....
خمسة....
أربعة....
ثلاثة....
اثنان....
واحد....
عيني..... عيني..... لقد نجحت، وبترت جزءًا من عنادها عندما اختارت أن تطلب المساعدة من شقيقها: حصان الجسم القابع خلف سجن الأسنان. وعلى الرغم من طلب المساعدة إلا أن هناك شرطاً لها، أن تساعده فيما تبقى من طاقة لها.
وافق لساني على شرطها، وهمّ بالبحث عن طريقة للتخلص من هذا الإزعاج التافه. وحله الوحيد الذي خرج به بعد تفكير، هو أن يتهجئ أشكال الأحرف المموهة كما رأتها عيني.
لم تخرج من الأشقاء كلمات الرفض لهذا الحل، ففي النهاية هم يعلموا إن هذا الأمر لا قيمة له، فهو مجرد يومٍ ورزنامةٍ، لا موتٍ وحياة.
وفي زحمة الأصوات ظهر صوت نابعٌ من أحد الأشقاء، وبكلام عكس مجرى الاحداث: إنه أمر غير طبيعي... في أن يضيع أحدهم جهده وطاقته ليستعين بمعرفته المشوهة، ويرضى بالحقيقة الناتجة منها، مع أنه يعلم أنها لن تكون حقيقة كاملة أو ناقصة حتى.
ومع ذلك يقبل بها إن كانت ترضي نفسه، وإن لم تكن كذلك فسيبذل جهداً آخر غير الذي بذله ليصل إلى الحقيقة الناقصة التي يقبلها العقل. وكأننا نمشي على ما يتعبنا، لا على ما نريد.
لكن ماذا عساي أن أقول، فهذا ما يريدونه وما تم اختياره. إنها كلمات من يهوي العيش على خطى رغبته: إنه هواي.
دخلت هذه الكلمات أذن كل واحد منهم وخرجت من الأذن الأخرى، ولم يعرها أحد من الأشقاء أية أهمية. فهم لم يأخذوا هذا الأمر منذ بدايته على محمل الجد، فكل ما يرنون إليه، أن تستطيع عيني معرفة اليوم المكتوب على رزنامة، دون أن يتحركوا من السرير. وخوفا على اللسان أن يتأثر بكلامها باتوا الأشقاء يستعجلونه ليشرع في نطق الحروف.
انطلق لساني كطفل تعلم كيف يتهجئ الحروف حديثا. يقف أمام كل حرف، يحدق به، ويعطيه كامل تركيزه له دون أن يلتفت أو يسمح لأن يشتت انتباهه، وبعد ذلك ينطقه. شرع لساني بنطق الحرف الأول، مع نبرة مملوءة بالعلو، واتبعت بعده باقي الحروف بنفس الطريقة.
على الرغم من أن الصوت العالي ليس من سمات لساني التي يتميز بها، إلا أن مراده بهذا الأمر، أن يكون خيطًا يربط بين أطراف الحقيقة وجذعها، ويخبر الأشقاء عنها عند الانتهاء منها.
اقترب لساني من الانتهاء، ومعه نشوة الانتصار تتجهز لأن تروي الجميع من مائها بعد هذه المغامرة الثابتة. ها هي مياه الانتصار مقبلة علينا، هيا تجهزوا أشقائي...لقد وصلت المياه...
مهلاً ما هذه المياه، ولماذا لونها هكذا؟ أصفر فاتحٌ وليس غامقاً. لماذا؟ أيها اللسان، ما لك قد هدأت؟ أجبنا ما الذي حصل لك؟...
تنهد لساني، ورعشته تنذر بأن ما هو قادم لن يكون خيرا، وقال: أشقائي، آسف لقول هذا... لكن حان وقت خسارتها...حان الوقت للفراق الأكبر... فاليوم هو يوم الاختيار.
The mask